أُمٌّ عن بُعد!
لفت انتباهي
مقال «أب عن بعد.. التحديات والضوابط»، بقلم الزميلة الفاضلة أسماء السيد خليل،
المنشور على صفحات مجلة «المجتمع» الغراء، قبل أيام، لأحدث نفسي، قائلة: وهناك
أيضاً «أُم عن بُعد»!
المصارحة تقتضي
القول: إن صور «أُم عن بعد» تتعدد بشكل مؤسف في كثير من مجتمعاتنا، التي دأبت على
تقليد كل ما هو غربي، وهجران ما تعارف عليه الآباء والأجداد، من احتواء الطفل،
وإشباعه عاطفياً ونفسياً، وتوفير كل أنواع الدعم له، فيشب سوياً معافى من كل نقص.
إنها تلك الأم
التي تتخلى عن رضيعها منذ الصغر، فتلجأ للحليب الصناعي، بدلاً من الرضاعة
الطبيعية، ليس لأسباب صحية، أو لموانع طبية قررها الأطباء، بل حفاظاً على رشاقة
جسدها وحماية ثدييها من الترهل.
ومن المألوف أن
تشاهد في المجتمعات الريفية والحضرية، الأم وهي تحمل طفلها، بعيداً عن حضنها، ودفء
صدرها، في عربة متحركة، مزودة بحزام أمان، ودواسة فرامل مستوحاة من السيارات،
ومقود يدوي الصنع، مع كرسي متحرك، وسرير محمول، ونظام أمان، بشكل يلبي احتياجات
الأسر التي تفضل المشي في الطرقات.
في حديقة مخصصة
للأطفال، بعاصمة خليجية، رأيت كيف اتكأت الأم إلى جوار زوجها، تاركة طفلها الصغير
يلهو مع الخادمة الآسيوية، ويتبادل معها الضحكات، وهي تداعبه كأنه طفلها، تمنحه
الحب والحنان والأمان، بينما تشاهد الأم ما كان واجباً أن تقوم هي به تجاه فلذة
كبدها.
تروي صديقة لي
كيف أنها توفر لطفلها الصغير دون السنوات الخمس تعليماً راقياً في «حضانة لغات»
بمبلغ شهري كبير؛ لرعايته طوال 12 ساعة يومياً، من الثامنة صباحاً إلى الثامنة
مساء؛ لأنها في العمل هي وزوجها، متباهية بالخدمة الفندقية المتميزة التي تقدم
لصغيرها، وهو بعيد عن حضنها!
أمومة غائبة
إن كثيراً من
أمهات هذا الزمان فقدن الكثير من معاني الأمومة الحقيقية، بل إن منهن من انشغلت
بعملها أو تعليمها أو سفرها أو غير ذلك، وألقت بعبء التربية على أُم زوجها، أو
أمها، أو ربما تركت أولادها فريسة للشارع، ووسائل الإعلام والتواصل.
تروي إحداهن
لـ«المجتمع» أنها تعمل إلى وقت متأخر من الليل يومياً؛ لجني الكثير من المال، حتى
توفر لأبنائها حياة رغدة، ورفاهية كبيرة، إلى أن فوجئت بهروب ابنها المراهق الذي
يدرس في مرحلة الثانوية العامة، وفقدان التواصل معه لأيام، وبعد جهود مضنية، عاد
إلى البيت، ليعاتبها ويصدمها، قائلاً لها: إنها توفر المال فقط، وإنها ليست أماً!
تظن الواحدة
منهن أن الأمومة تكون بتوفير المال، والطعام، والملبس، وصور الرفاهية، وقد تناست
أن تحضن صغيرها، وتربت على كتفيه، وتسمع له، وتشاركه أحلامه وآلامه، أو أن تذاكر
معه، وتلهو معه، وتصلي معه، فيأنس بأمومتها، ويدفأ بحنانها، ويتشبع بالأمان في
حضنها.
أمومة رقمية
ومما ابتلينا به
في هذا الزمن، الأم التي تتفاعل مع أطفالها عبر الهواتف والتطبيقات الذكية،
وتشاركهم الأنشطة الحياتية «عن بُعد» عبر أجهزة المراقبة وتطبيقات الأمان، ظناً
منها أنها بذلك تضمن القرب منهم، وتلمس احتياجاتهم، لنصبح أمام واقع جديد، يمكن
وصفه –إن صح التعبير- بـ«الأمومة الرقمية».
يداهمنا الذكاء
الاصطناعي بتطبيقات التفويض الذكي في عملية التربية، من خلال قيام الأم المشغولة
باستخدام تطبيقات مشتركة مع مقدم الرعاية (الأب، الجدة، أو المربية) لمتابعة
النظام الغذائي، والسلوكي، والدراسي، للطفل، لنصبح أمام تحدٍّ جديد، يتمثل في بروز
«الأمومة الافتراضية»، أو الأم البعيدة جسدياً ونفسياً عن أبنائها، والمنسحبة من
أدوارها الأسرية والتربوية والأخلاقية والدينية، لصالح تطبيق ذكي.
إن تأثير الأم
في حياة أبنائها يقاس ليس فقط بعدد الساعات التي تقضيها معهم، لكن بجودة التفاعل،
وحجم التأثير، ودرجة القرب منهم، وتفهم احتياجاتهم، والقدرة على احتوائهم، ودعمهم
نفسياً، وعاطفياً، وتربوياً.
أن تكون الأم
محضناً تربوياً فاعلاً، ومعيناً لا ينضب، فهذا ما ننشده من حضور إيجابي، مصداقاً
لقول الشاعر حافظ إبراهيم في قصيدة «العلم والأخلاق»:
الأمُ مدرسةٌ
إذا أعددتها أعدت شعباً طيب الأعراق
كارثة مجتمعية
تنبئ الحال
بكارثة مجتمعية كبيرة، وخسائر فادحة، إذا غابت الأم من الأساس، وتفشى نمط «الأم عن
بُعد» بين الأسر العربية والمسلمة، وقد صار الأمر واقعاً مقبولاً، ومألوفاً، بل
مبرراً من قبل دعاة النسوية وحركات تحرر المرأة.
إن غياب الأم
-في جميع الأحوال- ولأي سبب كان، لا يقدر بثمن، ولا يمكن بلغة المكسب والخسارة
تقدير حجم التداعيات السلبية الناجمة عنه، أو تجنب الفراغ الهائل الذي يخلفه في
حياة الأبناء، أو تعويض ذلك بأي وسيلة ممكنة، مهما توافرت سبل الترفيه وأدوات
التكنولوجيا وأوراق المال.
كلمة أخيرة لكل
أُم: إن أمومتك أمانة أمام الله والمجتمع، ورسالة عظيمة لا يمكن تأديتها «عن بُعد»،
ولتصارحي نفسك بأن الأمومة الرقمية لن تغني صغارك عن حضورك الحقيقي والفاعل، وأن
تجربة الأمومة الافتراضية عبر الشاشات الذكية، لن تضمن لك تخريج جيل واع متزن قوي، بل سيكون النتاج
أبناء رقميين وافتراضيين، لن يمتثلوا لقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ
إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ
أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا
وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً {23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء).
اقرأ أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً