توازن القيم بين السمت الإسلامي والموضة

أناقة المسلم

عزة مختار

13 يناير 2026

38

ابتليت الأمة الإسلامية منذ منتصف القرن الماضي في منحنى تصاعديا بما يسمى بالموضة الغربية التي اجتاحت أوساط الشباب، وخاصة الفتيات منهم وحتى يومنا هذا، وتغربت الملابس ذات السمت العربي فضلا عن الإسلامي بشكل كبير وبنسب مخيفة،

ولم يكتف متتبع الموضة والتريند والصيحات الأخيرة باختيار ما يتلاءم مع بيئتنا العربية من هوية وثقافة بعدما تلاشت كافة قواعد الاختيار، وصار يتلقفها كيفما كان شكلها حتى لو كان مقززا لا يناسب الذوق العربي أو الهوية الإسلامية، فالملابس القصيرة تزداد تقلصا مع الوقت، والعبايات صارت لصيقة حتى أنها تكشف أكثر مما تستر وتحمل من الزينات والبهرجة ما تخجل العين الحيية أن تنظر إليه، والبناطيل الساقطة لكلا الجنسين تدفعك للتساؤل كل يوم عشرات المرات حين تقابلهم أحدهم أو احداهن: كيف خرج هؤلاء من بيوت فيها رجال يغارون، أو أمهات مربيات؟،

ثم الأكثر غرابة أن يدفع الشاب مبالغ باهظة في مقابل شراء ملابس ممزقة وغير نظيفة باسم التريند، ومع أنني على يقين أن صناع الموضة يصنعونها وهم يسخرون ممن يرتدونها، إلا أن الشباب يقلد بشكل هيستيري، ومثلما تلقى الثقافة الغربية دون وعي أو إدراك، فكذلك قد تلقى تلك النوعية من الملابس وهو يحسب أنه ينفض عنه تراث الجهل والرجعية،

فما هو السمت الذي يجب أن يكون عليه المسلم؟ وماذا يجب أن يرتدي ليحتفظ بأناقته ونظافته، مع الحفاظ على هويته؟

أولا: الأصل الفقهي في الزينة واللباس

لم يترك الإسلام صغيرة ولا كبيرة يمكن أن تتدخل فيها الأهواء، إلا وهذبها لتتوافق مع الفطرة السليمة ولا تتعارض مع مصالح المجتمع والذوق العام به، وما يخص اللباس فقد أباح للإنسان حب الزينة والستر، فقال تعالى: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ" [الأعراف: 31-32]، وقال تعالى: "يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا" [الأعراف: 26]، وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن هذه الآية رد على النزعات المتشددة التي ترى الزهد في ترك المباحات فقال: (أن الله عز وجل قرن أخذ الزينة بذكر المساجد، والزينة المأمور بها هي الثياب الساترة للعورة؛ لأن الآية نزلت من أجل الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء)[1]،

وقد أجمع الفقهاء على أن الأصل في اللباس والزينة الإباحة، ما لم يرد دليل على التحريم، وهو ما قرره القرطبي في قوله: "ليس كُلُّ ما تهواه النَّفس يُذَمُّ، وليس كلُّ ما يُتَزَيَّن به للنَّاس يُكره، وإنَّما يُنهى عن ذلك إذا كان الشَّرع قد نَهَى عنه، أو على وجه الرِّياء في باب الدِّين، فإنَّ الإنسان يُحِبُّ أن يُرى جميلًا، وذلك حظٌّ للنَّفس لا يُلام فيه، ولهذا يُسَرِّح شعرَه، وينظر في المرآة، ويُسَوِّي عمامته، ويلبس بطانةَ الثَّوبِ الخشنةَ إلى الدَّاخل، وظاهرته الحسنة إلى الخارج"[2]

ثانيا: الحشمة والستر كضابط شرعي للأناقة

في الصلاة اتفق الفقهاء على أنها لا تجوز إلا بستر العورة، أما خارج الصلاة والأماكن العامة فقد توسع مفهوم الستر ليشمل كل ما يحافظ على الذوق والوقار العام ويحفظ على الناس حياءهم، قال النووي: "اللباس المباح قد يصير مكروها أو محرما إن تضمن مفسدة كالتشبه أو الفتنة"[3]،

وبذلك تكون الموضة والتريند المنتشر في عصرنا هذا وهو تشبه كامل ولا يشبه سمت ملابس المسلمين، غير مقبولة شرعا بإثارتها للغرائز ولفتها لأنظار الناس، فتخرج من دائرة الإباحة لتدخل في دوائر أخرى منها المكروه، ومنها الحرام حسب درجتها

ثالثا: الإسراف والخيلاء في الملابس

ومن الأشد تحريما في اختيار الملابس، أن تكون ملابس خيلاء، والأصل فيها أن يجر الرجل ملابسها فيطيلها لتلامس الأرض يختال بها بين الناس، وأما صورتها في هذا العصر فتتمثل في ارتداء الملابس الغريبة وقد تكون ماركات عالمية باهظة الثمن يثير بها حفيظة من يشاهدوه مع مساهمته في نشر تلك النوعية من الملابس المفسدة لمزاج المجتمع المسلم وطبيعته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر (إزاره بطرا)[4]" (رواه البخاري)،

فإذا جره تكبرا وطغيانا فهو بطر حتى ولو كان قصيرا، أو ضيقا، المهم أنه ارتداه ليتعالى به على الخلق،

وليس معنى الحديث أن يترك المسلم ما أباحه الله تبارك وتعالى، وإنما عليه أن يحسن اختيار ملابسه، ويعتني بنفسه وتهذيب شكله العام، ويهتم بنظافته الشخصية فيكون طيب الرائحة ولا يؤذي المسلمين بها، وقد رأينا الشهداء في غزة كيف كانت أناقتهم وهم في طريقهم لموضع يتيقن فيه من الموت، وقيمة الملبس ليست في سعره الباهظ، وقد تابعنا كيف أن الموضة تعرض الردئ بسعر كبير جدا يفوق قيمة السلعة، وإنما الأناقة تبدأ باستخدام اللون المناسب، والمقاس الملائم، حتى لو كان قماشا من نوع عادي، والذكي هو الذي يصنع هذه المعادلة 

رابعا: التشبه وضبط الهوية والحرص على الشهرة

ومسألة التشبه هي النقطة الأكثر حساسية فيما يخص الملبس، حيث أن من شروط الأولية التي ذكرها الفقهاء: ألا يشبه لباس الكافرات بالنسبة للمرأة، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من تشبّه بقوم فهو منهم) (رواه أبو داود)،

والتشبه المقصود هو الذي يخرج الملبس عن دائرة المباح، كأن يتنافى مع شعائر الإسلام التي تفرض الستر، أو يتنافى مع عدم كونه زي شهرة مرصعا أو مكشوفا، أو ممزقا، أو حريرا للرجال، أو يشبه ملابس الرجال للنساء، فالمرأة ليس لها لبس البنطلون، أو البدلة الرجالية في الأماكن العامة، لأنه يحمل عددا من أهم النواهي التي وردت في وصف ملابس المرأة المسلمة إذ إن الأصل الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم، وبذلك يكون مشاركة المسلمين في أنماط لباس عالمية لا شيء فيه على الإطلاق، شرط أن يلتزم بهوية الاحتشام والجمال ولا يؤذي العين أو يخدش الحياء، أو يكون شهرة حتى لو رخيصا لكنه غريبا، فالترند أحيانا يفضل الغرابة على الجمال لصناعة الشهرة

وخلاصة القول، فإن الإسلام هو دين الجمال والنظافة والطهر والترتيب والأناقة، أناقة القلب أولا بخلوه من الذنوب، ثم أناقة الجسد بحسن الاختيار الملائم.

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب اللباس الطيب، ويحب لبس الأبيض ويحث على لبسه فيقول عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالبَياضِ من الثِّياب، فلْيلْبَسْها أحياؤُكمْ، وكفِّنُوا فيها مَوتاكُمْ ، فإنَّها خيرُ ثِيابِكم) (رواه النسائي)، وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان (مضيئة مقمرة) وعليه حُلة حمراء (ثوب به خطوط حمراء)، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر) (رواه الترمذي)، فكيف يهرع الشباب إلى تريندات يصنعها الغير، بينما دينه يدعوه لكل ما هو جميل


اقرأ ايضا

مظهر مشوه وهوية غائبة

تجريم اللباس والسمت الإسلامي في تونس


========================

الهوامش

[1] التمهيد 6/379

[2] الجامع لأحكام القرآن 14/106 (7/ 197)

[3] شرح مسلم

[4] (جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا)؛ أي: جَرَّه تكبُّرًا وطغيانًا، وأصل البطر: الطُّغيان عند النِّعمة. انظر: فتح الباري (10/ 258)

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة