أهل الكويت.. أهل المعروف
في زمن تتسارع
فيه الأحداث، وتتزاحم فيه المواقف، وتتباين فيه الروايات، يجد الإنسان نفسه في
مواجهة قلق خفي، سرعان ما يتحول -إن لم يضبط- إلى اضطراب يربك القلب، ويزعزع
الثوابت، ويثقل العقل بتوقعات لا تستقر.
وليس الاضطراب
إلا فقداً للطمأنينة؛ فحين تضطرب الرؤية، تتكاثر التساؤلات، وتتزاحم الظنون، ويغيب
الميزان الذي يرجع إليه الإنسان في حكمه على الأمور.
وهنا تتجلى قيمة
اليقين؛ لا كمعلومة تحفظ، بل كقوة تعاش، فاليقين علم جازم ينقشع عنده الشك، وتخفت
فيه هواجس الظن، ويتحول إلى ثبات داخلي لا تزعزعه تقلبات الظروف.
وليس اليقين
هروباً من الواقع، ولا تغافلا عن الأخطار؛ بل هو أعمق وجوه الوعي، وأرسخ صور الثقة؛
انتقال من الخوف إلى التسليم، ومن التسليم إلى الفعل الواعي.
ويقوم هذا
اليقين على أصل كلي؛ أن ما يجري في هذا الكون -على تعقده- محكوم بحكمة إلهية، لا
يخرج عنها شيء، ومن هنا ينبثق ذلك السكون الذي لا يلغي الحذر، ولكنه يمنع
الانهيار.
وإذا تزعزعت
المستندات التي يعتمد عليها الإنسان -من مال، أو علاقات، أو حتى ثقته بنفسه- برز
اليقين الإيماني ركناً أصيلًا، يعيد التوازن، ويحرك نحو المبادرة لا الانكفاء.
ومن أبلغ ما
يؤصل هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ
السوءِ والآفاتِ والهلكاتِ، وأهلُ المعروفِ في الدنيا همْ أهلُ المعروفِ في
الآخرةِ».
إنها ليست وصية
أخلاقية فحسب، بل سُنة جارية؛ فالمعروف رصيد يدخر للشدائد، وسبب يدفع به البلاء.
وإذا نظرنا إلى
الكويت، وجدنا أن المعروف فيها ليس طارئًا، بل هو هوية ضاربة في العمق؛ قبل النفط
وبعده، بذل وإحسان، لا يُنتظر عليه جزاء ولا شكور.
وليس من
المصادفة -في ضوء هذه السنن- أن تكون هذه البلاد قد شهدت لحظات من الحفظ والنصرة
تتجاوز الحسابات، كما كان في أزمة الغزو.
إن استحضار هذه
المعاني لا يدعو إلى الاسترخاء، بل إلى تصحيح الوجهة؛ من الخوف المشتت إلى اليقين
الموجه، ومن رد الفعل إلى فعل واعٍ يتجسد في التوبة، والإصلاح، وتعزيز التماسك
والوحدة الوطنية، والالتفاف حول قيادتنا والالتزام بالتعليمات.
فلنجدد عهدنا مع
الله، ولنكن كما كنا دومًا أهل عطاء عند الرخاء، وأهل ثبات عند الشدة.
حفظ الله
الكويت، وشعبها، وقيادتها، وجعلها دار أمن ومعروف لا ينقطع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً