محطات إيمانية في طريق التربية

أوسط أبواب الجنة

أوسط أبواب الجنة

إذا نظرتَ إلى وجهه الطيب لوجدتَ علامات السنين منقوشة على جبينه الطاهر، تنبئك عن كل ما قدَّم، فقد سهر طويلاً لننام، وجاع أحياناً لنشبع، وكدح كثيراً لنرتاح، وعمل في صمت دون كلل أو ملل، وبلا شكوى أو ضجر.

وإذا بحثتَ عن الرحمة والمحبة وجدته رحيماً محباً، ولو فتشتَ عن العطاء والإيثار رأيته يتجلى فيه في أعلى صوره؛ فهو يعطي من جهده ووقته وعمره وماله، لا يبغي من وراء ذلك مصلحة لنفسه ولا شكوراً.

هو للبيت عماد يثبته، وسقف يظلله، كما أنه السد المنيع أمام لصوص هذا الزمان الذين تعددت صفاتهم وتنوعت أشكالهم وصاروا من كل لون وصنف! فهل عرفنا مَن هو بطل هذه المعاني العظيمة؟! إنه الأب الذي وصانا به الله.

ثم أبوك

إننا كثيراً ما نتحدث عن بر الأم ونُشيد بحقها العظيم، ونردد دائماً كلمات البر لها، وتتكرر الرسائل على وسائل التواصل تدعو إلى ذلك وتحث عليه وتحذر من عقوقها والإساءة إليها، وهذا عمل رائع وعظيم، لكنه لا ينبغي أن نغفل عن حق الأب أو ننسى فضله أو نقلل منه؛ فقليلاً ما نتكلم عن حقه أو ننوه به.

وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ببر الأب، فعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابتي؟ قال: «أمُّك»، قال: ثمَّ مَن؟ قال: «ثم أمُّك»، قال: ثمَّ مَن؟ قال: «ثم أمُّك»، قال: ثمَّ مَن؟ قال: «ثم أبوك» (رواه البخاري).

وجاء في شرح الحديث: أن النبي صلى الله عيه وسلم كرر حق الأم ثلاثاً، وذكر حق الأب مرة واحدة، وليس ذلك تقليلاً من حق الأب، وإنما هو تأكيد على عِظم حق الأم، ولعل ذلك لكثرة أفضالها على ولدها، وكثرة ما تحملته من المتاعب الجِسمية والنفسية أثناء حملها به، ووضْعها وإرضاعها له، وخدمتها وشفقتها عليه، وهذه الشفقة قد تُطمِع ولدها فيتهاون في برها؛ ولذا أكد النبي صلى الله عليه وسلم بر الأم مراراً. (الدرر السنية).

كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم بر الأب مثل بر الأم في أنه سبب من أسباب دخول الجنة فقال: «رَغِمَ أنفُ، ثمَّ رَغِمَ أنفُ، ثمَّ رَغِمَ أنفُ»! قيل: مَن يا رسولَ اللهِ؟ قال: «مَن أدرك أبَوَيه عندَ الكِبَرِ؛ أحَدَهما أو كِلَيهما، فلم يَدخُلِ الجنَّةَ» (رواه مسلم).

وصية الله بالأب والأم معاً

وبر الوالدين لا يتم ولا يتحقق إلا ببر الأم والأب معاً، وفي القرآن الكريم نجد آيات البر تشملهما الاثنين في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) (العنكبوت: 8)، كما وصى بالأب مع الأم ابتداء قبل أن يُفصّل ما يوجب بر الأم، فقال سبحانه: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً) (الأحقاف: 15).

وأمر بشكر الأب والأم معاً كما في قوله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان: 14)؛ «اشْكُرْ لِي» بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وألا تستعين بنعمي على معصيتي، «وَلِوَالِدَيْكَ» بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، وإكرامهما وإجلالهما، والقيام بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل. (تفسير السعدي).

كما جمع الله تعالى بين الأم والأب عند بيان كيفية الإحسان إليهما فقال سبحانه: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً {23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء)؛ قال السعدي: «أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي لأنهما سبب وجود العبد ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه والقرب ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر»، وكل ذلك يؤكد حق الأب أيضاً في بر أولاده له.

بِرٌّ أم عقوق؟

إن هناك صوراً مشرقة من بر الأولاد لآبائهم تجعل من هذا البر علامة على قوة إيمانهم وحسن خلقهم وصدق محبتهم، إلا إنه في الوقت نفسه توجد صور بعيدة عن البر يمارسها بعض الأولاد مع آبائهم بقصد وبدون قصد، فلينتبهوا إليها.

  • فهل من البر أن يُعطَى الأب فضول الأوقات إنْ وُجِدت، دون أن يكون بره في دائرة اهتمام الولد وقائمة أولوياته؟
  • وهل يكون الأولاد بارين بأبيهم حق البر إذا كان حديث الأصدقاء محبباً ماتعاً، بينما يكون الحديث مع الوالد حديثاً مقتضباً لا روح فيه.
  • حين يسمر الولد مع أصحابه نهاراً ويسهر مع هاتفه المحمول ليلاً يسامره ويحادثه دون ملل أو كلل، بينما لا ينال والده القليل من ذلك.
  • حين يستغني الولد عن رأي أبيه ويهمل استشارته في بعض الأمور إيناساً له وتعزيزاً لمكانته في الأسرة.
  • حين يرفع الولد صوته فوق صوت والده، ويجادله كما يجادل الغريب، وينتصر لرأيه فوق رأي أبيه.
  • حين يقاطع الأولاد بعضهم بعضاً ولا يتواصلون، ولا يتقون الله في أعمالهم، دون النظر لحزن أبيهم بسبب ذلك.
  • حين يمنّ الولد على أبيه بما يقدمه له من رعاية وبما ينفق عليه من مال عند حاجته.
  • حين ينظر الولد لأبيه من مكان عال وهو الذي ربّاه وأنفق عليه وعلّمه حتى وصل إلى ما هو فيه من مكانة علمية أو وظيفة مرموقة.
  • حين يحرم الولد نفسه من سماع صوت أبيه والسؤال عنه، ويُقَصِّر في التواصل معه يومياً برسالة خطية أو صوتية يؤنسه بها ويبره بوصولها.
  • حين لا يحرص الولد على رضا أبيه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رضا الله في رِضا الوالِدِ، وسَخَطُ الله في سَخَطِ الوَالِدِ» (رواه الترمذي).

بر لا ينقطع

ألا إن بر الوالد والوالدة حق لهما على أبنائهما وبناتهما، وإن الله تعالى لم يجعل لهذا البر وقتاً محدداً ينتهي بانتهائه، ولا ساعة بعينها يمر معها، بل أمر الولد ببر والديه ما دام حيًّا؛ ويمتد برهما إلى ما بعد موتهما، فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله سائلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، هل بقيَ لوالديَّ شيءٌ أبَرُّهما به بعد موتِهما؟ فقال: «نعَم، الصَّلاةُ عليهما، والاستغفارُ لهما، وإنفاذ عهدِهما من بعدِهما، وإكرامُ صديقِهما، وصلة الرَّحمِ التي لا توصلُ إلا بهما» (رواه أبو داود).

فلنسارع جميعاً إلى بر آبائنا وأمهاتنا، فهو طريقنا إلى الجنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الوالِدُ أوسَطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنْ شِئتَ فأَضِعْ ذلك البابَ، أو احْفَظْهُ» (رواه الترمذي)، وأوسط أبواب الجنة: أي خير الأبواب وأعلاها وأحسنها دخولاً، والمعنى: أن أحسن ما يُتوسل به إلى دخول الجنة وإلى وصول درجتها العالية ودخولها من ذلك الباب مطاوعة الوالد ومراعاة جانبه والمحافظة على حقوقه. (انظر: تحفة الأحوذي).

اقرأ أيضاً:

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة