أيّوب عليه السلام في موكب النبوّة.. رسالة واحدة وهداية ممتدة عبر التاريخ
أيّوب عليه السلام في موكب النبوّة
قال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا
أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى
وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً
{163} وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ
نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً {164} رُّسُلاً
مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ
بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (النساء).
وهذا السياق
القرآني يتحدّث عن موكب واحد يتراءى عن طريق التاريخ البشري الموصول، ورسالة واحدة
بهدى واحد للإنذار والتبشير، وموكب واحد يضمّ هذه الصفوة المختارة من البشر: نوح
وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيّوب ويونس وهارون وسليمان
وداود وموسى، وغيرهم ممّن قصّهم الله على نبيّه صلى الله عليه وسلم في القرآن
الكريم، وممّن لم يقصّ عليه.
موكب من شتّى
الأقوام والأجناس، وشتّى البقاع والأرضين في شتّى الآونة والأزمان، لا يفرّقهم نسب
ولا جنس ولا أرض ولا وطن، ولا زمن ولا بيئة، كلّهم آت من ذلك المصدر الكريم،
وكلّهم يحمل ذلك النور الهادي، وكلّهم يؤدّي الإنذار والتبشير، وكلّهم يحاول أن
يأخذ بزمام القافلة إلى ذلك النور، سواء منهم من جاء لقوم، ومن جاء لمدينة، ومن
جاء لقطر، ثمّ من جاء للناس أجمعين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم
النبيّين.
كلّهم تلقّى
الوحي من الله فما جاء بشيء من عنده، أولئك الرسل -من قصّ الله على رسوله ومنهم
ومن لم يقص- اقتضت عدالة الله ورحمته أن يبعث بهم إلى عباده يبشّرونهم بما أعدّه
الله للمؤمنين الطائعين من نعيم ورضوان، وينذرونهم ما أعدّ الله للكافرين العصاة
من جحيم وغضب كل ذلك: (لِئَلَّا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (نبي الله
أيوب، د. علي الصلابي، ص44)
ولله الحجّة
البالغة في الأنفس والآفاق، ولكنّه سبحانه وتعالى رحمة منه بعباده وتقديراً لغلبة
الشهوات على تلك الأداة العظيمة التي أعطاها لهم -أداة العقل- اقتضت رحمته وحكمته
أن يُرسل إليهم الرسل مبشّرين ومنذرين يُذكّرونهم ويُبصّرونهم، ويحاولون استنقاذ
فطرتهم وتحرير عقولهم من ركام الشهوات، التي تحجب عنها أو تحجبها عن دلائل الهدى،
وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق: (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)؛ (عَزِيزًا) قادراً على أخذ
العباد بما كسبوا، (حَكِيمًا) يدبّر الأمر كلّه بالحكمة، ويضع كلّ أمر في نصابه.
وإننا نقف أمام
عظمة العدل الذي يرتّب للناس حجّة على الله سبحانه لو لم يرسل إليهم الرسل مبشّرين
ومنذرين، هذا ما احتشد كتاب الكون المفتوح وكتاب النفس المكنون بالآيات والشواهد
على الخالق، ووحدانيّته وتدبيره وتقديره، وقدرته وعلمه. ومع امتلاء الفطرة
بالأشواق والهواتف إلى الاتصال ببارئها والإذعان له، والتناسق والتجاوب والتجاذب
بينها وبين دلائل وجود الخالق في الكون والنفس، مع هبة العقل الذي يملك أن يُحصي
الشواهد ويستنبط النتائج
ولكنّ الله
سبحانه بما يعلم من عوامل الضعف التي تطرأ على هذه القوى كلّها، فيعطّلها، أو
يفسدها، أو يطمسها، أو يدخل في حكمها الخطأ والشطط، قد أعفى الله من حجّية الكون
وحجيّة الفطرة، وحجيّة العقل، ما لم يرسل إليهم الرسل، ليستنقذوا هذه الأجهزة
كلّها ممّا قد يرين عليها، وليضبطوا بموازين الحق الإلهيّ الممثّل في الرسالة، هذه
الأجهزة؛ فتصحّ أحكامها حين تستقيم على ضوابط المنهج الإلهي، أو تسقط حجيّتها
وتستحقّ العقاب.
وخطأ وضلال -إن
لم يكن هو الخداع والتضليل- كلّ زعم يقول: إنّ العقول الكبيرة كانت حَرِيَّة أن
تبلغ بدون الرسالة ما بَلَغته بالرسالة، فالعقل ينضبط مع الرسالة بمنهج النظر
الصحيح، وآية أنّ ما يتمّ بالرسالة -عن طريق العقل نفسه- لا يمكن أن يتمّ بغيرها،
فلا يغني العقل البشري عنها. (في ظلال القرآن، سيد قطب، 2/ 805-806))
إنّ تاريخ
البشريّة لم يسجّل أنّ عقلاً واحداً من العقول الكبيرة النادرة اهتدى إلى مثل ما
اهتدت إليه العقول العاديّة والمتوسّطة بالرسال؛ لا في تصوّر اعتقادي، ولا في
خُلُق نفسي، ولا في نظام حياة، ولا في تشريع واحد لهذا النظام.
إنّ عقول
أفلاطون، وأرسطو، من العقول الكبيرة قطعاً، بل إنّهم ليقولون: إنّ عقل أرسطو هو
أكبر عقل عرفته البشريّة -بعيداً عن رسالة الله وهداه- فإذا نحن راجعنا تصوُّره
لإلهه -كما وصفه- رأينا المسافة الهائلة التي تفصله عن تصوّر المسلم العادي لإلهه
مهتدياً بهدي الرسالة. (في ظلال القرآن، سيد قطب، 2/ 811).
فسبحان الله
الذي قال في كتابه الكريم: (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ
لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ
عَزِيزاً حَكِيماً).
ونلاحظ في الآية
الكريمة، أنّها لا تراعي التسلسل التاريخي في هذا العرض -كما يُلاحظ في مواضع
أخرى- لأنّ المقصود هنا هو الموكب بجملته، لا تسلسله التاريخي.
ومن جملة من
ذُكر في هذا الموكب العظيم من الأنبياء والمرسلين أيّوب عليه السلام، وبالتالي دخل
في مقام النبوّة والرسالة، وفيمن أوحى الله إليهم برسالته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً