اتباع السلف الصالح: المنهج والاستمداد (1)

آيتان قرأتهما، وأنا في تساؤل وعجب حولهما! فقد تبادر إلى ذهني ما معنى هاتين الآيتين؟ وما مدلولهما؟ (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً) (النساء: 115)، والثانية قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100)، وتساءلت خاصة: ماذا تعني كلمة «يتبع» في الأولى، و«اتبعوهم» في الثانية؟ مع العلم أننا مأمورون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فحسب!

في الأولى نجد ما يلي: مشاققة الرسول صلى الله عليه وسلم اتباع غير سبيل المؤمنين، وكان الجزاء توليته ما يريده من ضلال وانشقاق، والآخرة العذاب، والثانية فيها مدح للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم مدح لمن اتبعهم بإحسان، ثم الجنة في الآخرة.

المدلول اللغوي لكلمة «تبع»

جاء في كتاب «تهذيب اللغة للأزهري» (2/ 281): «‌تبع فلَان فلَاناً واتَّبعه؛ قَالَ الله تَعَالَى فِي قصّة ذِي القَرْنين: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) (الكهف: 89)، وقرئ: «اتَّبَعَ سَبباً».

قَالَ أَبُو عُبَيد: وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يقْرَأ: «اتَّبَعَ سَبباً» بتَشْديد التَّاء، وَمَعْنَاهَا: ‌تَبِع، قَالَ: وَهِي قِرَاءَة أهل الْمَدِينَة، وَكَانَ الكسائيّ يقْرؤهَا: «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً» مَقْطُوعَة الألِف، وَمَعْنَاهَا: لحِق وَأدْركَ.

وَقَالَ الفرّاء: أتْبع أحسن من اتّبع؛ لِأَن الاتّباع: أَن يسير الرجل وَأَنت تسير وَرَاءه، فَإِذا قلت: أتْبعته فكأنك قَفَوته، والتابع: التالي، وكذلك:

1- التابع التالي والذي يأتي بعد.

2- اللحاق والإدراك.

3- السير خلف المتبوع.

جاء في معجم «العين» (2/ 78): «تبع: التّابع: التالي، ومنه التتبّعُ والمتابعة، والإتّباع، يتبَعه: يتلوه، تَبِعَه يَتْبَعُهُ تَبَعاً، والتَّتَبُّعُ: فعلك شيئاً بعد شيء، تقول: تتبّعتُ علمه، أي: اتّبعت آثاره، والتّابعة: جِنِّيَّة تكون مع الإنسان تتبعه حيثما ذهب، وفلانٌ يتابع الإِماء، أي: يُزانيهنَ، والمتابعة أن تُتْبِعَهُ هواك وقلبك، تقول: هؤلاء ‌تبع وأتباع، أي: مُتَّبِعُوك ومتابعوك على هواك، والقوائم يقال لها ‌تَبَعٌ..»، وكذلك:

1- تتبع الآثار.

2- المتابعة.

وفي «الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية» (3/ 1189): «تبع: تَبِعْتُ القومَ تَبَعاً وتَباعَةً بالفتح، إذا مشيت خلفهم، أو مَرُّوا بك فمضيتَ معهم، وكذلك اتبعتهم، وهو افتعلت، وأتبعت القوم على أفعلت، إذا كانوا قد سبقوك فلحِقتَهم، وأَتْبَعْتُ أيضاً غيرى، يقال أتبعته الشيء فتبعه، قال الأخفش: تَبِعْتُهُ وأَتْبَعْتُهُ بمعنىً، مثل ردفته وأردفته)، اللحاق بالقوم.

وفي «لسان العرب» (8/ 27): «تبع: تَبِعَ الشيءَ تَبَعاً وتَباعاً فِي الأَفعال وتَبِعْتُ الشيءَ تُبوعاً: سِرْت فِي إِثْرِه؛ واتَّبَعَه وأَتْبَعَه وتتَبَّعه قَفاه وتَطلَّبه مُتَّبعاً لَهُ وَكَذَلِكَ تتَبَّعه وتتَبَّعْته تتَبُّعاً؛ قَالَ القُطامي:

وخَيْرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ       وَلَيْسَ بأَن تتَبَّعَه اتِّباعا

وضَع الاتِّباعَ مَوْضِعَ التتبُّعِ مَجَازًا، قَالَ سِيبَوَيْهِ: تتَبَّعَه اتِّباعاً لأَن تتَبَّعْت فِي مَعْنَى اتَّبَعْت، وتَبِعْت الْقَوْمَ تَبَعاً وتَباعةً، بِالْفَتْحِ، إِذا مَشَيْتَ خَلْفَهُمْ أَو مَرُّوا بِكَ فمضَيْتَ مَعَهُمْ، وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ: «تابِعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ عَلَى الخيْراتِ»؛ أَي: اجْعَلْنا نَتَّبِعُهم عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ»، وكذلك:

1- السير في الأثر.

2- طلبه لمتابعته.

3- تتبعهم ما هم فيه للحاق بهم.

ماذا قالت التفاسير؟

1- قال الطبري:

يعني جل ثناؤه بقوله: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) ومن يباين الرسولَ محمداً صلى الله عليه وسلم، معادياً له، فيفارقه على العداوة له، (مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)، يعني: من بعد ما تبين له أنه رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)، يقول: ويتبع طريقاً غير طريق أهل التصديق، ويسلك منهاجاً غير منهاجهم، وذلك هو الكفر بالله؛ لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم، (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى)، يقول: نجعل ناصره ما.. إذن هو التتبع والاقتداء بهم (المؤمنون).

2- قال الزمخشري «المعتزلي»:

(وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسُّنة؛ لأنّ اللَّه عز وعلا جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين، ومشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله: «نُوَلِّهِ» ما تَوَلَّى نجعله والياً لما تولى من الضلال، بأن نخذله ونخلى بينه وبين ما اختاره وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ.

3- قال ابن كثير: ‌‌

وقوله: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)؛ أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فصار في شق، والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له.

وقوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأُمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم.

وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك، قد ذكرنا منها طرفًا صالحًا في كتاب أحاديث الأصول، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك.

ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً)؛ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجاً له، كما قال تعالى: (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (القلم: 44)، وقال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) (الصف: 5)، وقوله: (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام: 110).

وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) (الصافات)، وقال تعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا) (الكهف: 53).

4- قال صاحب «التحرير والتنوير»:

والمشاقة: المخالفة المقصودة، مشتقة من الشق لأن المخالف كأنه يختار شقاً يكون فيه غير شق الآخر، فيحتمل قوله: (مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) أن يكون أراد به من بعد ما آمن بالرسول فتكون الآية وعيداً للمرتد.

وسبيل كل قوم طريقتهم التي يسلكونها في وصفهم الخاص، فالسبيل مستعار للاعتقادات والأفعال والعادات، التي يلازمها أحد ولا يبتغي التحول عنها، كما يلازم قاصد المكان طريقاً يبلغه إلى قصده، قال تعالى: (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي) (يوسف: 108)؛ ومعنى هذه الآية نظير معنى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: 32).

فمن اتبع سبيل المؤمنين في الإيمان واتبع سبيل غيرهم في غير الكفر مثل اتباع سبيل يهود خبير في غراسة النخيل، أو بناء الحصون، لا يحسن أن يقال فيه اتبع غير سبيل المؤمنين.

نخلص من كل هذا أن لا بد للمؤمن من اتباع سبيل المؤمنين، والاقتداء بهم في كل شيء، وفي كل زمان ومكان، لا ينفك ذلك عنه، لأنه من الإيمان والمتابعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، هذا ما أكدته هذه الآيات في وجوب اتباع سبيل المؤمنين، وعدم الانشقاق عنهم، واتباع آثارهم ومتابعة منهاجهم وأسلوب فهمهم وعلمهم للدين.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة