إستراتيجية علاج الأزمات عند الصديق يوسف عليه السلام (1)

إستراتيجية علاج الأزمات عند الصديق يوسف عليه السلام (1)

رسم لنا الصديق يوسف عليه السلام منهجًا قويمًا في علاج المشكلات، وذلك حين واجه مشكلة السنين العجاف بحكمة واقتدار، وقد تمثل ذلكم المنهج في خطوات مترابطة، من استنار بهداها تغلب بفضل الله على مشكلات حياته ومحنها وأذاها، وها هي تلكم الخطوات:

الأولى: التركيز على الحل والعلاج مباشرة:

فحين جاءه رسول الملك مستفتيا له في رؤيا رآها الملك وما ستنبئ عنه في مستقبل الأيام قائلا: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ) (يوسف: (46)، هنا نجد الصديق يوسف عليه السلام قد ذهب مباشرة إلى كيفية حل المشكلة ولم يتوقف عند مظاهر المشكلة وحيثياتها، فقال كما حكى القرآن الكريم: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ {47} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ) (يوسف). 

ليعلمنا أن نتوجه مباشرة إلى التفكير الإيجابي الذي نركز فيه على كيفية العلاج والحل دون أن نطيل الوقوف مع تفاصيل الأزمة نفسها، فإن كثيراً منا حين يتعرض لمشكلة أو محنة إذا به يهدر وقتا طويلًا في معايشة التفاصيل واستجرار الأحزان والمخاوف، يندب الحظ العاثر ويتباكى على اللبن المسكوب، فيتعب أعصابه ويضعف قواه، ولو بذل من وقته وجهده أقل من ذلك في التفكير في كيفية العلاج لكان أجدى له في تحقيق المراد وحفظ قواه النفسية والبدنية.

قد تكون مشكلة أسرية تتضخم حين نغرق في التفاصيل وتكون سهلة سلسة حين نفكر في العلاج بهدوء، فقد يكون علاجها في اعتذار نلتمسه من أحد أطراف المشكلة، أو إبداء احترام وتقدير تجاه طرف، أو إبداء عذر لأحد الأطراف، وبذلك تهدأ الأمور وتمر العاصفة بأمان.

تطابق الهدي اليوسفي مع الهدي المحمدي

وعلى نفس الإستراتيجية اليوسفية في التركيز على الحلول المباشرة، سار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث علمنا كيف نعالج مشكلاتنا الأسرية دون ضجيج أو تراشقات، ففي صحيح الإمام البخاري عَنْ ‌سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟»، قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِإِنْسَانٍ: «انْظُرْ أَيْنَ هُوَ»، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: «قُمْ ‌أَبَا ‌تُرَابٍ، قُمْ ‌أَبَا ‌تُرَابٍ»(1).

تأمل في هذا المسلك النبوي تجد أنه:

1- لم يُدخل نفسه في تفاصيل ما كان بين عليّ، وفاطمة، رضي الله عنهما.

2- أن فاطمة نفسها لم تشغل والدها صلى الله عليه وسلم بتفاصيل مشكلة طارئة بينها وبين زوجها، فتأدبت بأدب الزوجة الصالحة: فقالت: «كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ»، هكذا بكل ستر وإجمال.

3- توجه صلى الله عليه وسلم مباشرة إلى حل المشكلة بإظهار التقدير والاحترام لزوج ابنته، حيث بحث عنه، ثم ذهب إليه بنفسه، وبيده الشريفة المباركة مسح عنه ما أصابه من تراب، ثم لاطفه بكنية لطيفة طريفة، وفي ذلك دعم معنوي لزوج ابنته، ورسالة قوية لابنته بمكان الزوج وعظيم قدره، وكذلك الزوج الصالح "علي" لم يدع فرصة لاستطالة الحديث في المشكلة القائمة، بل بادر إلى الانسحاب ريثما تهدأ الأمور، وذهب إلى حيث السكينة والطمأنينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهنا توقف قلم التاريخ، فلم يسجل لنا ماذا صار بعدُ في المشكلة الدائرة! لأنه لم يعد هناك مشكلة أصلًا، وكأنها لم تكن من قبل! ألا ليت بيوت المسلمين تتأسى فتطمئن وتهنأ.

هديه النبي في علاج آثار هزيمة «أُحُد»

وتتأكد هذه الإستراتيجية في النهج المحمدي يوم «أُحُد»، فرغم فداحتها وثقلها على نفس النبي صلى الله عليه وسلم ونفوس أصحابه، فإنه لم يرد فيما صح من الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم جلس مغتمًا مهتمًا يقلب فكره في تفاصيل المشكلة، أو يشغل باله بمن المتسبب، أو يقوم بلوم هذا أو ذاك، وإنما الذي صح أنه بادر إلى معالجة آثار الهزيمة التي خيمت على نفوس أصحابه، فأصابتها بحالة انكسار وإحباط وأسى، فقام بما يلي:

أولًا: رفع صوته بالحمد والثناء على الله، ليُرِي أصحابَه أن فيما أصابهم من قدر الله تعالى ما يستدعي الحمد والثناء على الله عز وجل.

فعن رفاعة الزرقي قال: لمَّا كانَ يومُ أحدٍ وانْكفأَ المشرِكونَ قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «استووا حتَّى أثنيَ على ربِّي»، فصاروا خلفَهُ صفوفًا فقالَ: «اللَّهمَّ لَكَ الحمدُ كلُّهُ، اللَّهمَّ لا قابضَ لما بسطتَ، ولا مقرِّبَ لما باعدتَ، ولا مباعدَ لما قرَّبتَ، ولا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، اللَّهمَّ ابسُط علينا من برَكاتِكَ، أسألُكَ النَّعيمَ المقيمَ الَّذي لا يحولُ ولا يزولُ، اللَّهمَّ عائذًا بِكَ من سوءِ ما أعطيتَنا وشرِّ ما منعتَ منَّا، اللَّهمَّ حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنْهُ في قلوبنا، وَكرِّه إلينا الْكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، واجعلنا منَ الرَّاشدينَ، اللَّهمَّ توفَّنا مسلمينَ، وأحيِنا مسلمينَ، وألحِقنا بالصَّالحينَ غيرَ خزايا ولا مفتونينَ, اللَّهمَّ قاتلِ الكفَرةَ الَّذينَ أوتوا الْكتابَ إلَهَ الحقِّ»(2).

ثانيًا: أمر من حضر المعركة فقط من أصحابه -وهم ما زالوا في جراحهم وأحزانهم- أن يخرجوا معه فورًا لمطاردة جيش المشركين، ليحولهم من مهزومين مأزومين إلى مهاجمين قادرين، لعدوهم مطاردين، فترتفع معنوياتهم ويزول عن نفوسهم آثار الهزيمة وعوائدها، فحركهم وسار بهم يطاردون العدو حتى بلغ «حمراء الأسد»(3).

وفي الوقت نفسه، كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم بجيشٍ مُثقل بالجراح خير رسالة للأعداء بأن المسلمين ما زالوا أعزّة قادرين على المواجهة، وأن جراحهم وآلامهم لا يمكن أن تعوقهم عن مواصلة الجهاد والقتال.

قد تكون مشكلة إنسان أنه ابتلي بمرض أو بسحر فأولى به أن يوجه فكره في كيفية العلاج وطرائقه، وما الذي يخففه، وكيفية التعايش معه بأمان إن كان أمره يطول، لا أن يصرف فكره في الحزن على ما أصابه، فإن هذا لا ينفعه، وقد يزيد من مرضه وبلائه.

إستراتيجية التركيز على الحلول مباشرة في واقعنا اليومي

ربما يتعرض بعضنا لمشكلات حياتية، بأن يخسر مالًا في تجارة أو يضيع أو يسرق منه، فالأولى به أن يوجه فكره في كيفية النهوض، وكيفية استعاضة ما خسره من جديد، إذ إن الحزن على ما خسر وضاع والاستسلام لهذه المشاعر لن يجدي أو يغير من الواقع شيئاً.

ولذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن إلى أن يتحلى بالقوة والرضا، وألا يستسلم لمشاعر الحزن على ما مضى حتى لا يقع فريسة للشيطان، فقال: «المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خَيرٌ. احرِصْ على ما يَنفَعُكَ، واستَعِنْ باللهِ ولا تَعجِزْ، وإن أصابَكَ شَيءٌ فلا تَقُلْ: لو أنِّي فعَلتُ كان كَذا وكَذا، ولَكِن قُلْ: قدَرُ اللهِ وما شاءَ فعَلَ؛ فإنَّ «لو» تَفتَحُ عَمَلَ الشَّيطانِ»(4).

الهوامش
  • 1 صحيح البخاري (441).
  • 2 أخرجه أحمد (15492)، والنسائي في السنن الكبرى (10445)، والطبراني (5/ 47) (4549) باختلاف يسير.
  • 3 موضع على بعد ثمانية أميال من المدينة.
  • 4 صحيح مسلم (2664).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة