بعد استقالات قيادات بأحزاب المعارضة وانضمامهم إليه..

«العدالة والتنمية» في وضع أفضل لطرح مشروع «قرن تركيا»

د. سعيد الحاج

24 أغسطس 2025

340

«العدالة والتنمية» في وضع أفضل لطرح مشروع «قرن تركيا»

لطالما كانت المؤتمرات العامة واحتفالات ذكرى التأسيس فرصة لحزب العدالة والتنمية في تركيا لاستعراض إنجازاته السابقة وحشد الأنصار والوعود المتعلقة بالمشاريع المستقبلية، لم يشذ احتفال الحزب، في 4 أغسطس 2025م، بذكرى تأسيسه الـ24 عن هذه القاعدة، لكنه أضاف لها كذلك انضمام بعض الشخصيات القيادية من حزب الشعب الجمهوري له بعد استقالاتها من أكبر أحزاب المعارضة.

فقد انضم لحزب العدالة والتنمية في الفعالية 9 رؤساء بلديات؛ 7 منهم من حزب الشعب الجمهوري، وأحدهم من الحزب الجيد، ورئيس بلدية مستقل، في مقدمتهم وأشهرهم رئيسة بلدية آيدن الكبرى أوزلام تشرشي أوغلو التي تنشط في المحافظة والحزب الجمهوري منذ عام 2009م، وتعدُّ من قياداته الكبيرة هناك، فيما المنضمون الآخرون رؤساء بلديات فرعية (بلديات أحياء) في المدن.

وضع أفضل للعدالة والتنمية

ورغم أن موضوع الانتقال بين الأحزاب ظاهرة مستمرة ومتكررة في الحياة السياسية التركية، ولا سيما إذا كان انتقالاً نحو أحزاب أكبر وأكثر حضوراً وثقلاً في المشهد الداخلي، فإن التوقيت الحالي منح لها أبعاداً إضافية.

العدالة والتنمية استفاد من حل المسألة الكردية وانتهاء الإرهاب وسقوط نظام الأسد في سورية

فقد تعرض حزب العدالة والتنمية لتراجع نسبي في نسبة التصويت له منذ عام 2017م، تقريباً، حتى حلَّ ثانياً لأول مرة في تاريخه في الانتخابات المحلية/البلدية الأخيرة في عام 2024م، وكان يتوقع أن يستمر نزيف الأصوات بسبب عوامل كثيرة تتعلق بطول مدة الحكم، حيث يقود الحزب تركيا منذ عام 2002م، ومن تراجع مستوى الإنجاز لترهل بعض القيادات للكسل وادعاءات الفساد والوضع الاقتصادي، فضلاً عن رغبة التغيير ولا سيما بين فئة الشباب، إلا أن هذا المنحى قد لا يستمر على طول الخط، حيث يبدو الحزب الحاكم اليوم في وضع أفضل بكثير من السابق.

تطورات مهمة

كان الحزب قد استفاد من تطورات مهمة؛ أولها داخلي يتعلق بحل حزب العمال الكردستاني ومسار حل المسألة الكردية وانتهاء ظاهرة الإرهاب، والثاني سقوط نظام الأسد في سورية والعلاقات الجيدة مع القيادة الجديدة، وكلاهما يحققان مصالح جوهرية لتركيا وحُسبا في خانة إنجازات الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه بدرجة أو بأخرى، بيد أن التطور الأهم هو الأزمات التي تعصف بأكبر أحزاب المعارضة وهو الشعب الجمهوري.

فالحزب الذي كان يعد بالفوز في الانتخابات الرئاسية وأغلبية البرلمان عبر تحالف «الطاولة السداسية» الذي كان يقوده ويطرح فكرة العودة بالبلاد للنظام البرلماني، وجد نفسه وحيداً بعد خسارة الانتخابات؛ حيث انفضت «الطاولة السداسية» ونشبت الخلافات بين أركانها، كما أدت نتائج الانتخابات الأخيرة لتصاعد الاعتراضات على رئيسه السابق (ومرشحه الرئاسي) كمال كليجدار أوغلو، وصولاً لخسارته رئاسة الحزب لصالح أوزغور أوزال.

.. ويبدو في ذكرى تأسيسه الـ24 أكثر حضوراً ويملك القدرة على الحديث عن مشروع «قرن تركيا»

لم تقف المشكلات الداخلية للحزب عند هذا الحد، فقد رفعت بعض القيادات شكوى قضائية لإلغاء المؤتمر العام الذي أتى بأوزال رئيساً، وهي قضية ما زالت منظورة أمام القضاء، وقد يأتي القرار بإلغاء نتائج الانتخابات وعودة الرئيس السابق مؤقتاً لحين عقد مؤتمر عام طارئ؛ ما يعني تفاقم الخلاف الداخلي.

ضربة كبرى

بيد أن الضربة الكبرى التي تعرض لها الحزب المعارض كانت توقيف رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أحد أكبر قياداته ومرشحه الأوفر حظاً للانتخابات الرئاسية المقبلة أكرم إمام أوغلو بتهم تتعلق بالفساد وتلقي الرشى، وهي القضية التي بدأت باتهامات ترتبط بشكل مباشر بإمام أوغلو ومجموعة من المحسوبين عليه، ثم تتابعت موجات التوقيف لتصل لـ320 شخصاً بين رؤساء بلديات ومسؤولين رفيعي المستوى وموظفين وعاملين في البلديات، صدرت قرارات باستمرار اعتقال 139 منهم، في مقدمتهم 14 رئيس بلدية محسوبون على الحزب المعارض.

هذه الأزمات الكبيرة التي تواجه الحزب الأكبر في صفوف المعارضة الذي كان قدّم نفسه كبديل محتمل للعدالة والتنمية ألقت بظلالها على المشهد السياسي الداخلي في البلاد، ومنحت الاستقالات الأخيرة أبعاداً أعمق من مجرد حدث متكرر في السياسة الداخلية، بحيث ترمز لحالة السخط والخلافات داخل صفوف الحزب وربما خوف بعض القيادات من مصيرهم ومصير الحزب نفسه مستقبلاً في ظل هذا الكم الهائل من الاتهامات ونوعها.

ورغم أن البعد السياسي في القضايا المذكورة لا يمكن إنكاره، كاستثمار الاتهامات الموجهة لإمام أوغلو والقيادات المحسوبة على المعارضة في الخطاب السياسي الداخلي والاستفادة من المسار القضائي، فإن فكرة البراءة التامة (بمعنى تلفيق كل التهم الموجهة له) أيضاً ليس لها مصداقية واسعة في الشارع التركي في ظل ما يسرب حول التحقيقات المستمرة.

مشروع «قرن تركيا»

ولذلك، وإن كانت هذه الاستقالات ليست في الصف القيادي الأول وليست كبيرة جداً من حيث العدد ولا شملت المدن الأهم مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، وبالتالي تأثيرها المباشر محدود جداً، إلا أن أهميتها تكمن في رمزية التوقيت والسياق العام في المشهد السياسي الداخلي، حيث يواجه أكبر أحزاب المعارضة أزمات متعددة ومتزامنة تعصف به؛ ما يصب بطبيعة الحال ومنطق السياسة في صالح الحزب الحاكم العدالة والتنمية.

أزمات المعارضة فرصة لحزب العدالة والتنمية تعمق من مكاسبه لكنها أيضاً تزيد من مسؤولياته

ولذلك، يبدو حزب العدالة والتنمية اليوم في ذكرى تأسيسه الـ24 وبعد 23 سنة من الحكم المتواصل للبلاد، منذ عام 2002 وحتى 2018م، وفق النظام البرلماني، ومنذ ذلك الحين وفق النظام الرئاسي، يبدو أقوى وأكثر حضوراً ويملك القدرة على الحديث عن المستقبل ومشروع «قرن تركيا» أكثر من أي وقت مضى، وخصوصاً أن ذلك يتزامن مع تطورات إيجابية مع الملفّين الأكثر أهمية وتأثيراً عليه وعلى البلاد داخلياً وخارجياً؛ أي ملف الإرهاب، والمسألة السورية.

وهكذا يملك الحزب اليوم فرصاً أفضل لتعديل الدستور وربما صياغة دستور جديد للبلاد، وهو ما يمكن أن يفتح المجال لإعادة ترشح أردوغان للرئاسة مرة أخرى، عدا عن مكاسب أخرى عديدة.

لكن ذلك لا يعفيه من ضرورة المراجعات والتقييم وتصحيح بعض المسارات وإقناع الشارع التركي بأنه يستمع لرسائل صندوق الانتخابات ومطالب الناخبين، وإلا فإن الرسائل الاحتجاجية قد تستمر وتتعمق، فتراجع الحزب المعارض مكسب سياسي للحزب الحاكم لكنه قد لا يترجم بالضرورة مكسباً انتخابياً إن لم يستثمر بالشكل الأمثل، وقد تذهب الأصوات المحتجة والغاضبة نحو أحزاب أخرى كما فعلت سابقاً.

أزمات المعارضة فرصة للعدالة والتنمية تعمق من مكاسبه، لكنها أيضاً تزيد من مسؤولياته.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة