اقتصاد السعادة.. هل المال المعيار الوحيد لرفاهية الشعوب؟
بادئ ذي بدء،
يجب التأكيد على أن اقتصاد السعادة (Economics of Happiness) لا يقدم مناقشة فلسفية مسبقة لما ينبغي أن تكون عليه الحياة
الجيدة، إنه لا يسعى لإسناد مصادر السعادة الفردية أو الجماعية إلى العقل المجرد،
بل يقوم على تمرير الفرضيات والنظريات المتعلقة بالسعادة عبر مصفاة الملاحظات
التجريبية، شمل هذا النهج التشكيك في البيانات المباشرة؛ أي سؤال الأشخاص المعنيين
أنفسهم.
هل يمكن قياس السعادة علمياً؟
قد يبدو من
المذهل محاولة قياس السعادة، فهي فكرة شخصية بامتياز، ومع ذلك، ونظراً لكونها
شعوراً ذاتياً، فمن المنطقي ترك المجال لكل فرد ليعبر عن مستواها لديه، وكما يقول
المنطق العلمي: إذا كانت الجزيئات قادرة على التحدث، فهل سيرفض علماء الأحياء
الاستماع إليها؟
طرق قياس الرضا في الدراسات الاستقصائية
في استطلاعات
الأسر المعيشية، يتم توجيه أسئلة مباشرة للأفراد لتقييم رضاهم، مثل: بشكل عام، ما
مدى رضاك عن حياتك الآن؟ (راضٍ تماماً، راضٍ إلى حد ما، غير راضٍ على الإطلاق)، من
1 إلى 10، في أي مستوى تضع نفسك على مقياس السعادة؟
وتشير التفسيرات
عادة إلى أن الرقم (1) يعني تعيساً جداً، والرقم (10) يعني سعيداً جداً، في منهجية
هادلي كانتريل، يُقدم المقياس على أنه سلم الحياة، حيث تمثل القمة أفضل حياة
ممكنة، والقاع أسوأ حياة ممكنة.
يفسر الباحثون
في العلوم الاجتماعية هذه الإجابات كمقياس موجز لجودة الحياة، وهو حكم شامل ناتج
عن توليف شخصي يقوم به الفرد بناءً على الجوانب الأكثر صلة بوجوده؛ ما يغنينا عن
الاكتفاء بأحكام الخبراء الخارجية.
العلاقة بين السعادة والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية
بمجرد جمع
البيانات، يمكننا تقدير ما يسمى بـ«دالة السعادة الفردية»؛ وهي علاقة نموذجية تربط
بين مستوى السعادة المعلن وظروف الحياة المختلفة، وتشمل:
1- الخصائص
الديموغرافية: العمر، الجنس، الحالة الاجتماعية، وعدد الأطفال.
2- الخصائص
المهنية: مستوى التعليم، نوع المهنة، الحالة الوظيفية، والدخل.
3- المؤشرات
الاقتصادية الكلية: الدخل القومي، معدل البطالة، ومعدل التضخم.
يوفر التحليل
القياسي (Econometrics) تقييماً لمتوسط الارتباط بين كل متغير
وسعادة الفرد، فبدلاً من التساؤل الفلسفي المجرد عما إذا كان النمو الاقتصادي يجلب
السعادة، نحن نقوم باستنطاق البيانات مباشرة.
كلوديا سينيك.. وكتاب «اقتصاد السعادة»
تذكر كلوديا
سينيك، أستاذة جامعة السوربون ومدرسة باريس للاقتصاد، في كتابها «اقتصاد السعادة»،
أن الحداثة جعلت من السعادة مبدأً دستورياً وواجباً، بمجرد الاعتراف بالفرد كشخصية
مركزية، أصبحت سعادته الهدف الأسمى.
وتطرح سينيك
تساؤلات جوهرية يهتم بها الاقتصاديون:
هل المال يجلب
السعادة حقاً؟
هل النمو
الاقتصادي يجعل الشعوب أكثر سعادة؟
إذا لم يكن
كذلك، هل يجب أن نختار نمواً منخفضاً أو نقيس الرفاهية بمؤشرات تتجاوز الناتج
المحلي الإجمالي (GDP)؟
مفارقة إيسترلين
ترى سينيك أن
السياسات العامة يمكنها استخدام القياس الكمي للسعادة كبوصلة لفهم سبب معاناة
الناس مما يسمى بـ«عجز السعادة» رغم تحسن ظروفهم المعيشية موضوعياً.
من هنا ولد
اقتصاد السعادة، انطلاقاً من مدرسة ليدن في هولندا في السبعينيات، واكتسب زخماً
كبيراً منذ التسعينيات بفضل توفر البيانات الإحصائية وظهور مفارقة إيسترلين
الشهيرة، التي تشكك في وجود علاقة طردية دائمة بين ارتفاع الدخل وزيادة السعادة
على المدى الطويل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً