اقتصاد المشاركة بديل إنساني للرأسمالية العالمية
كتاب مايكل ألبرت «الحياة بعد
الرأسمالية: اقتصاد المشاركة» مثير للاهتمام، يأتي في مرحلة فاصلة من حياة
البشرية، وهو يتناول قضية شديدة الخطورة والتعقيد في آن واحد؛ ألا وهي قضية
التنظيم الاجتماعي، سواء على المستوى المحلي أو القطري أو العالمي، ولكنه يتناولها
بأسلوب سلس وبرؤية جديدة.
والسؤال المحوري للكتاب سؤال طالما
وُجِّه لنشطاء الاقتصاد والعولمة الذين يرفضون الفقر المتفشي والإغراب المتزايد
وتدهور أحوال البشر: ماذا تريدون؟ إذا كنتم ترفضون الرأسمالية وتحتجون عليها
وتعارضونها فما نظامكم البديل؟
والإجابة التي يقدمها ألبرت ببساطة:
اقتصاد المشاركة (اختصارًا: الاقمشاركة)؛ إنه نظام اقتصادي جديد بديل للرأسمالية
قائم على مجموعة من القيم الإيجابية؛ التضامن والمساحة والتنوع والإدارة الذاتية.
وتتحقق هذه «الجمهورية الفاضلة» من خلال
مجموعة من المؤسسات المستحدثة مثل مجالس العمال ومجالس المستهلكين ومركبات العمل
والملكية وتخصيص الموارد، طبقًا لمفاهيم مختلفة للعمل والاستهلاك والإشباع تمثل في
ائتلافها رؤية «الاقمشاركة».
ويستهل المؤلف كتابه بالإشارة إلى ما
تفرزه الرأسمالية من إذلال وتهميش وجوع نتيجة للدهس والسحق والتدافع والدوس على
كعوب الآخرين، الذي يشكل نمط الحياة الاجتماعية الحالية.
ويؤكد أنه رغم كون الرأسمالية بغيضة، على
الأقل من وجهة نظر البعض، فإن معظم من يمقتون الرأسمالية يخشون أن تزداد المعافاة
بدونها، والقلة التي تبحث عن بديل تقصر اهتمامها على «اشتراكية السوق» والاشتراكية
المخططة مركزيًّا».
والموقف الذي يأخذه ألبرت هو رفض
الرأسمالية ومعها هذه البدائل المختلفة أيضاً، والبديل الذي يطرحه يجمع بين مكافأة
وتكريم العمل، وإثراء الاستهلاك وجعله أكثر عدالة، وجعل تخصيص الموارد أكثر كفاءة
وضمان الكفاءة والعدالة والديمقراطية والنزاهة في آن واحد دون التضحية بعضها مقابل
تحقيق البعض الآخر كما هي الحال في ظل الرأسمالية وبدائلها المطروحة.
ويوجه المؤلف سهام نقده الشديد للعولمة
الرأسمالية باعتبار أن آلية عملها محكومة بقانون القوة الطاردة المركزية؛ فالتبادل
من خلال الأسواق الدولية هو بالدرجة الأولى تبادل لا متكافئ، يحظى بموجبه الطرف
الأقوى على نصيب الأسد، وبالتالي يزداد قوة وسطوة.
إن أهم عناصر الرؤية الاقتصادية التي
يقدمها مايكل ألبرت في كتابه تتمثل في الآتي.
أولاً: يعبر المستهلكون والعمال عن
رغباتهم ومصالحهم من خلال مجالسهم الديمقراطية، ويتم ترجمة الرغبات إلى قرارات
استنادًا إلى معيار التناسب بين درجة التأثر في اتخاذ القرار ومدى التأثر بنتائج
القرار.
ثانيًا: يتم تنظيم العمل بناء على مركبات
العمل المتوازنة؛ حيث يؤدي كل عامل توليفة من المهام والمسؤوليات توفر له قدرًا من
التمكين والمردود يعادل ما توفره توليفات المهام والمسؤوليات التي يقوم بها العمال
الآخرون.
ثالثًا: تتم مكافأة العاملين بالتناسب مع
مشقة العمل وطول فترة العمل، وليس على أساس الملكية أو الموهبة الفطرية أو
المهارات أو أدوات الإنتاج المستخدمة.
رابعًا: يتم تخصيص الموارد عن طريق
التخطيط بالمشاركة؛ حيث تقوم مجالس المستهلكين والعمال بالتعبير عن تفضيلات
المستهلكين وأنشطة العمل في ضوء تقييهم لمجمل العائد الاجتماعي والتكلفة
الاجتماعية المرتبطة بالاختيارات المختلفة التي يقررونها.
إن كتاب ألبرت عن اقتصاد المشاركة يبلور
بدرجة كبيرة من التفصيل برنامجًا للتغيير الجذري وإعادة بناء النظام العالمي، وهو
يقدم رؤية تستلهم التراث الفكري والعملي الخصب لليسار والحركات الشعبية في أنحاء
العالم المختلفة، وهو بذلك يتجاوز نقد النظام القائم إلى اقتراح بنية ومعالم نظام
بديل يقود البشرية إلى المجتمع الصالح، إنه كتاب جدير بالقراءة والمناقشة، خصوصًا
وكاتبه مثقف لا يكتفي بأن يلوك الأفكار، بل يعيشها أيضاً كواقع حي ملموس.
يقول المؤلف: يناقش الجزء الأول من هذا
الكتاب القيم والمؤسسات الاقتصادية، ويوضح الجزء الثاني اقتصاد المشاركة ويعرض
فوائده، أما الجزء الثالث فيبحث التطبيقات اليومية لاقتصاد المشاركة، في حين يفند
الجزء الرابع مخاوف تبدو مقنعة، وبداية، نتناول بإيجاز كيفية اتصال الرؤية
الاقتصادية بمعاداة عولمة الشركات وغيرها من الأهداف الاقتصادية التي تحظى
بالتأييد في أنحاء العالم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً