الأسير المحرر عبدالكريم الريماوي.. 25 عاماً خلف القضبان ولقاء مؤثر مع أسرته
بعد 25 عامًا
قضاها في سجون الاحتلال «الإسرائيلي»، عاد الأسير المحرر عبدالكريم الريماوي إلى
منزله ليبدأ أول صباح من الحرية بين أفراد أسرته.
قصة الريماوي
ليست مجرد حكاية أسير فلسطيني أمضى ربع قرن خلف القضبان، بل رواية صمود امتدت
سنوات طويلة، شهدت حرمانه من أسرته، ووفاة والده، وولادة ابنه عبر تجربة النطف
المحررة، قبل أن يجتمع أخيرًا بزوجته وابنيه في لحظة انتظرها 25 عامًا.
في صباحه الأول
خارج الزنازين، لم يستيقظ الريماوي على صوت مفاتيح السجان وهي تصطك بأبواب الحديد،
ولا على عدّ الأسرى، ولا على جدرانٍ ضاقت عليه 25 عامًا، بل استيقظ على حياةٍ ظلّ
يحلم بها طويلًا، حتى كادت تبدو مستحيلة!
كان ذلك الصباح
أثقل من أن يُقاس بالساعات؛ فهو خلاصة ربع قرن من الانتظار، صباح جلس فيه إلى جوار
زوجته التي حملت غيابه على كتفيها كل تلك السنوات، وصبرت حتى صار الصبر اسمًا آخر
لها، صباح رأى فيه ابنته رند فتاة واعية عشرينية ناجحة، بعدما تركها رضيعة في
عامها الأول، فلم يعد يحمل بين يديه الطفلة التي ودّعها، بل احتضن عمرًا كاملًا
سرقه الأسر منهما.
وفي ذلك الصباح
أيضًا، تناول قهوته مع ابنه مجد، ذلك الابن الذي لم يولد من لقاءٍ عابر، بل من
أملٍ هُرِّب من خلف القضبان حين نجح في إنجاب طفل عبر النطفة المحررة، كأن
الاحتلال استطاع أن يحاصر الجسد، لكنه عجز عن أن يحاصر الحياة، فقد كبر مجد وهو
ينتظر أبًا يعرفه من الصور والحكايات، حتى جاء اليوم الذي صار فيه الحلم إنسانًا
يعانقه.
وفي صباحه
الأول، تذوّق الريماوي العسل للمرة الأولى منذ 25 عامًا، فلم يكن طعمه مجرد حلاوة،
بل كان مذاق الحرية نفسها، كما نظر إلى السماء طويلًا؛ سماء بلا أسلاك شائكة، بلا
شبك حديدي، وبلا سجان يراقب زرقة الأفق بعين غاضبة.
الريماوي.. 25 عامًا في سجون الاحتلال
25 عامًا غيّرت
ملامح العالم، وكبرت فيها الأجيال، وتبدّلت المدن، لكن لحظة الحرية اختزلت كل ذلك،
كان صباحًا لا يشبه أي صباح، لأنه لم يكن بداية يومٍ جديد فحسب، بل بداية حياةٍ
كاملة استعادها أسيرٌ انتزعها من بين أنياب الزمن والسجان.
يروي الأسير
المحرر عبدالكريم سميح الريماوي، ابن بلدة بيت ريما شمال غربي رام الله، لـ«المجتمع»،
فصول حكاية امتدت 25 عامًا خلف قضبان الاحتلال.
يقول: اعتقلتُ
في 18 يونيو 2001، وخضعت لتحقيقٍ قاسٍ استمر عدة أشهر، قبل أن توجه لي سلطات
الاحتلال تهمة المشاركة في عمليات عسكرية ضدها، وبعد 3 أعوام من اعتقالي، أصدرت
محكمة عوفر العسكرية حكمًا بالسجن الفعلي لمدة 25 عامًا، أمضيتها كاملة داخل سجون
الاحتلال حتى أُفرج عني.
يروي الريماوي
أيضًا فصول الفقد في زنازين الاحتلال، فلم يكن فقدًا للعائلة فحسب، بل كان سلسلة
من الفقد المتواصل، ففي عام 2017م توفي والده، ومنعته سلطات الاحتلال من إلقاء
نظرة الوداع الأخيرة عليه أو المشاركة في تشييع جثمانه، ليبقى ذلك الوداع المؤجل
أحد أكثر جراح الأسر قسوة.
تجربة النطف المحررة.. انتصار للحياة رغم الأسر
يقول الريماوي: رغم
القضبان، لم يستطع الاحتلال أن يهزم إرادة الحياة في نفسي، فقد خضتُ تجربة الإنجاب
عبر النطف المهربة، ورزقت بابني مجد، الذي كبر وهو يعرفني من الصور والرسائل
والزيارات فقط، أما ابنتي رند، فلم تكن قد تجاوزت عامها الأول حين اعتُقلت.
رند.. طفلة ودّعت والدها واستقبلته حاملة الماجستير
«رند كانت بطلة
حكايتي»، يقول الريماوي وهو ينظر إلى فتاة كانت بعمر الطفولة الذي اعتقل قبل أن
تنطق اسم بابا، وخرج وهي تحمل شهادة الماجستير، فكبرت وهي تتعرف إلى ملامحه في
الصور، وتجمعه من الحكايات والرسائل والزيارات القصيرة.
يكمل حديثه:
إنها عاشت كل مراحل عمرها وهي تفتقد حضوره، في أول يومٍ مدرسي، وفي حفلات التكريم،
وفي نجاحاتها المتتالية، كما كانت ترى آباء زميلاتها يقفون إلى جوار بناتهم، بينما
كان والدها يقف خلف قضبان السجن، وأيضًا حملت مع والدتها عبء الغياب، وكانت سندًا
لها في رحلة امتدت 25 عامًا، حتى جاء اليوم الذي انتظرته طويلًا، لتستقبل أباها لا
كما ودعته طفلة، بل شابة نضجت على أمل اللقاء.
مجد.. قصة ميلاد من خلف القضبان
أما مجد، فكان
استقباله لوالده مختلفًا تمامًا، فلم يكن طفلًا ينتظر عودة أبٍ غاب عنه، بل كان
معجزةً صغيرة انتصرت على السجن وقهر السجان، حيث وُلد من نطفةٍ مهرّبة خرجت من بين
جدران الزنازين، فكان رسالةً تقول: إن الحياة تستطيع أن تشق طريقها حتى من قلب
الأسر.
لم يرَ مجد
والده يومًا خارج أسوار السجن، ولم يعرفه إلا عبر الصور ورسائل الزيارة والمكالمات
القليلة، فبنى صورته في خياله عامًا بعد عام، حيث كبر وهو يحمل اسم أبيه بفخر،
ويحفظ حكايته كما يحفظ اسمه، وينتظر اليوم الذي تتحول فيه تلك الصورة الجامدة إلى
حضن دافئ، وحين جاء اللقاء، لم يكن يعانق رجلًا خرج من السجن فحسب، بل كان يعانق
الحلم الذي وُلد معه، والأمل الذي كبر في قلبه منذ أن فتح عينيه على الدنيا.
اللوحة التي اكتملت بالحرية
لم تكن رند ترسم
لوحة عادية، بل كانت ترسم حلمًا أكبر من عمرها، على ورقةٍ بيضاء، رسمت نفسها إلى
جانب شقيقها مجد، ووالدتها، وفي منتصفهم والدها عبدالكريم، كما تمنّت أن يكون
بينهم يومًا.
كانت تعلم أن
الصورة ليست حقيقية بعد، لكنها آمنت أن الحرية ستأتي، وأن هذا الفراغ الذي تركه
السجن في قلب العائلة لن يبقى إلى الأب، فظلت اللوحة معلقة، تؤجل موعد اكتمالها
عامًا بعد عام، بينما كانت رند تكبر، ويكبر معها الحنين.
وحين جاء يوم
التحرير، لم تعد اللوحة مجرد رسم لطفلة اشتاقت إلى والدها، بل تحولت إلى حقيقة
نابضة، حيث وقف عبدالكريم بينهم كما رسمته رند قبل سنوات، واجتمعت الأسرة للمرة
الأولى خارج أسوار السجن، فأصبحت الصورة التي خطّتها أنامل طفلة بالألوان، أكملتها
الحرية بالدموع والاحتضان، فلم يعد الأب وجهًا في رسم أو صورة على الجدار، بل صار
حاضرًا في قلب المشهد.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً