المسجد الأقصى.. المقدَّس الذي يوقظ الإرادة

معالم المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة

ثمة أماكن يسكنها الناس، وثمة أماكن تسكن الناس، أما المسجد الأقصى فليس مكانًا في ذاكرة الأمة فحسب، وإنما هو من تلك المقدسات التي تشارك في صناعة ذاكرتها، وتشكيل وجدانها، واستدعاء إرادتها كلما أوشكت أن تخبو؛ ولهذا أخطأ من ظن أن قصة الأقصى تختصر في السؤال عما يُفعل به من اقتحام وتضييق وتغيير؛ فثمة سؤال آخر لا يقل أهمية، وربما كان أعمق أثرًا: ماذا يفعل الأقصى فينا؟

هذا السؤال هو الذي ينبغي أن يُطرح اليوم، بعد سنوات ثقيلة من القتل والتهجير والحصار، وفي وقت يبدو فيه ميزان القوة مختلًا اختلالًا فادحًا، وتتصرف فيه القوة القائمة بالاحتلال كأن الحاضر قد استقر لها، وكأن ما فرضته بالقوة أصبح نهاية لا رجعة عنها؛ ففي مثل هذه اللحظات لا تكون المعركة على الأرض وحدها؛ بل تمتد إلى إرادة الإنسان نفسه: هل يبقى قادرًا على أن يقول لا؟ هل يحتفظ بذاكرته؟ هل يستطيع أن يتخيل مستقبلًا مختلفًا عن الحاضر المفروض عليه؟ وهل يظل في روحه شيء لا تستطيع القوة الغالبة مصادرته؟ وهنا يظهر سر الأقصى.

المسجد الأقصى.. مقدَّس يصون ذاكرة الأمة

من الخطأ أن نفهم المقدسات بوصفها أماكن تحتاج إلى الأمة لتحميها، ثم ينتهي دورها عند هذا الحد؛ فالعلاقة أعمق وأعجب: الأمة تحفظ مقدساتها، ومقدساتها تحفظ الأمة أيضًا، تحفظ ذاكرتها من الذوبان، وهويتها من التبدد، ووجدانها من الموت، وإرادتها من الاستسلام الكامل لمنطق القوة.

ولهذا لم يقدّم القرآن المسجد الأقصى باعتباره مجرد نقطة جغرافية في رحلة الإسراء، بل أحاطه بمعنى البركة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. فالبركة هنا ليست ذكرى تاريخية تُروى، وإنما معنى متجدد يتجاوز البناء إلى الحَوْل، ويتجاوز المكان إلى الإنسان المتصل به، ويتجاوز اللحظة إلى التاريخ الذي صنعه هذا الاتصال.

ومن هنا نفهم شيئًا من سر قدرة الأقصى على البقاء حيًّا في الوجدان رغم تعاقب الأزمات. إنه لا يستمد مكانته من ميزان القوى القائم، ولا من قرار سياسي، ولا من ترتيبات أمنية؛ لأن جذوره في الوعي الإسلامي أعمق من ذلك كله، ومن كان وجوده في الوجدان سابقًا على موازين السياسة، فإن تقلب تلك الموازين لا يستطيع بسهولة أن ينتزعه منه.

المعركة الأخطر.. كسر الإرادة

ليس أقصى ما تستطيع القوة فعله أن تحتل أرضًا؛ بل أن تقنع صاحب الأرض بأن مقاومتها عبث، وأن المستقبل قد أُغلق، وأن ما يراه اليوم هو ما سيراه غدًا وبعد غد، وأن عليه أن يعيد ترتيب حياته على أساس أن الواقع المفروض قدر لا يتغير، وهذا هو أخطر أنواع الهزيمة: أن تنتقل سلطة المحتل من الأرض إلى المخيلة.

فإذا نجح في إقناع الإنسان بأن التاريخ انتهى، لم يعد بحاجة إلى أن يهزمه كل صباح؛ لأن الهزيمة تكون قد استقرت في داخله. وإذا أقنعه بأن القوة القائمة أبدية، فقد انتقل الاحتلال من الجغرافيا إلى الوعي، وصار الإنسان نفسه حارسًا لحدود الممكن التي رسمها له خصمه.

لكن التاريخ الإنساني كله يكذب هذا الوهم. فما من قوة بقيت على حالها، ولا من ميزان ثبت إلى الأبد، ولا من واقع سياسي امتلك صفة الخلود. ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. إنها سنة لا تستثني إمبراطورية ولا دولة ولا شعبًا: الأيام دُوَل، والقوة أطوار، والتاريخ حركة، وما يبدو في لحظة ما نهاية قد لا يكون إلا فصلًا من فصول الطريق.

ولهذا فإن إحدى أعظم وظائف الإيمان في زمن الانكسار أن يحمي الإنسان من عبادة اللحظة الراهنة؛ فلا يجعل قوة اليوم إلهًا، ولا يجعل الهزيمة قدرًا، ولا يخلط بين اختلال الميزان واستحالة تغييره.

الأقصى يستدعي ما في الأمة من حياة

وهنا تتجلى خصوصية الأقصى؛ فقد ظل في محطات كثيرة من التاريخ الفلسطيني الحديث قادرًا على استدعاء طاقة جمعية تتجاوز حدود المسجد نفسه؛ فقد تغيرت الظروف، وتبدلت الأدوات، وتعاقبت الأجيال، لكن الاعتداء على الأقصى ظل قادرًا على إخراج القضية من التجريد إلى الوجدان، ومن الخبر إلى الشعور بالمسؤولية.

وليس معنى ذلك أن كل استجابة للأقصى واحدة، ولا أن الإرادة لا تتجسد إلا في صورة واحدة، وهذه نقطة ينبغي أن تكون واضحة، إرادة البقاء أوسع من أداة بعينها؛ فقد تظهر في مصلٍّ يصر على الوصول إلى المسجد، وفي مقدسي يتمسك ببيته رغم التضييق، وفي أم تحفظ لأبنائها أسماء أبواب القدس وحاراتها، وفي حارس يوثق ما يشاهده، وفي صحفي يكسر جدار التعتيم، وفي باحث يكشف زيف الرواية، وفي محامٍ يلاحق الانتهاك، وفي مؤسسة تحفظ الوثيقة، وفي عالم يعيد الأقصى إلى ضمير الأمة، وفي مجتمع يرفض أن تتحول القدس عنده إلى خبر موسمي .. هذه كلها وجوه لإرادة واحدة: أن يظل الإنسان حاضرًا في المكان والتاريخ والرواية، وألا يسمح لمن يمتلك القوة بأن يحتكر تعريف الواقع والمستقبل معًا.

ولعل هذا هو السر في أن المسجد الأقصى يستطيع، كلما اشتدت محاولات عزله عن محيطه، أن يعيد وصل دوائر تبدو متباعدة: الدين بالهوية، والذاكرة بالمستقبل، والفرد بالجماعة، والفلسطيني بأمته. ولذلك فإن أثره لا يقاس فقط بعدد الذين يستطيعون الوصول إلى ساحاته في ساعة بعينها، وإنما بما يستدعيه اسمه في ملايين القلوب من معاني الانتماء والمسؤولية.

حفظ المقدَّس وحفظ الإرادة

وهنا يفتح النظر المقاصدي بابًا أوسع لفهم القضية؛ فنحن نتحدث كثيرًا عن حفظ المسجد الأقصى، وهو واجب لا ريب فيه، لكننا أقل حديثًا عن وظيفة الأقصى نفسه في حفظ الإنسان .. إنه يحفظ الذاكرة من المحو؛ لأن وجوده يستدعي تاريخًا لا تستطيع الرواية الغالبة إلغاءه. ويحفظ الهوية من الذوبان؛ لأنه يربط الإنسان بسلسلة ممتدة من الإيمان والتاريخ والانتماء. ويحفظ معنى الأمة؛ لأنه مقدس لا تستنفده الحدود السياسية المعاصرة. ويحفظ الإرادة؛ لأنه يذكّر الأجيال بأن ثمة أشياء لا يجوز أن تتحول إلى سلع في سوق المساومات.

وبهذا يصبح حفظ الأقصى وحفظ إرادة الأمة مقصدين متداخلين: نحن نحفظ الأقصى من التغيير، والأقصى يحفظ فينا القدرة على رفض التغيير المفروض بالقوة. نحن نحرس ذاكرته، وهو يحرس ذاكرتنا. نحن نتمسك به شاهدًا على هويتنا، وهو يعيد إلينا، كلما أوشكنا على النسيان، السؤال عمن نكون وما الذي لا يجوز لنا التفريط فيه.

وهذه ليست لغة وجدانية مجردة؛ إنها حقيقة في بناء المجتمعات؛ فالشعوب لا تستمر بالقوة المادية وحدها، وإنما تستمر كذلك بما تحتفظ به من رموز جامعة وذاكرة مشتركة وقيم عليا ومعانٍ تمنح التضحيات تفسيرًا، والمستقبل أفقًا، والصمود سببًا.

لا تسمحوا للحاضر أن يصادر المستقبل

بعد سنوات من المآسي الهائلة، قد يكون أخطر ما يصيب الإنسان أن يعتاد لغة المستحيل: لا شيء سيتغير، لا جدوى، لا قدرة، انتهى الأمر، وهذه العبارات، مهما بدت أحيانًا وصفًا واقعيًّا للقوة القائمة، قد تتحول إذا استقرت في النفوس إلى جزء من القوة التي يراد مواجهتها؛ فالواقع ينبغي أن يُقرأ كما هو، بلا أوهام ولا مبالغات؛ لكن الواقعية شيء، والاستسلام للحاضر بوصفه مستقبلًا أبديًا شيء آخر.

الوعي الصحيح لا ينكر اختلال موازين القوة، ولا يقلل من هول الخسائر، ولا يستبدل الحقائق بالأمنيات؛ لكنه يرفض في الوقت نفسه أن يمنح لحظة تاريخية عابرة صفة الخلود، وهذه إحدى أعظم المعارك التي يخوضها الإنسان في أزمنة المحن: أن يرى الواقع كاملًا، ثم يرفض أن يعبده.

ولذلك كان القرآن، في أحلك اللحظات، يربي المؤمنين على ألا يجعلوا الألم حكمًا على المستقبل: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: 139]، ويقول: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87]. وليس النهي عن الوهن دعوة إلى إنكار الجرح، وإنما هو نهي عن أن يتحول الجرح إلى تعريف للذات، وأن تصبح الهزيمة العسكرية أو السياسية هزيمةً للروح والعقل والإرادة.

إرادة الأمة في حماية المسجد الأقصى

إن استثارة الإرادة لا تعني إطلاق العاطفة بلا عقل، ولا دفع الناس إلى أفعال لا تزن القدرة والعاقبة؛ فالإرادة التي تحتاجها القدس إرادة راشدة: تعرف ما تريد، وتحسن اختيار وسائلها، وتراكم عملها، وتطيل نَفَسها، ولا تستنزف نفسها في فورات قصيرة ثم تنطفئ.

نحتاج إرادة عالم لا يسمح بإخراج الأقصى من مناهج العلم وخطاب المنابر، وإرادة إعلامي لا يتركه رهينة المواسم، وإرادة قانوني يجمع الوثيقة ويبني الملف، وإرادة مؤسسات تحفظ الذاكرة وتحول المعلومات إلى معرفة قابلة للاستعمال، وإرادة أجيال تعرف القدس قبل أن تطالب بالدفاع عنها، وإرادة سياسية ودبلوماسية تجعل حماية الوضع التاريخي والقانوني للمسجد ملفًا مستمرًا لا بيانًا ثانويًّا.

إن القضية التي يواجهها عمل متراكم تحتاج إلى إرادة متراكمة؛ والوعي الذي يراد تفكيكه على مدى سنوات لا يعاد بناؤه بمنشور عابر أو موجة غضب قصيرة، إنما تُحفظ القضايا الكبرى حين تتحول من رد فعل إلى ثقافة، ومن موسم إلى مؤسسة، ومن عاطفة إلى معرفة، ومن معرفة إلى عمل مستدام.

حماية المقدس تبدأ من الوعي

ثمة معنى أخير أخشى أن يكون أخطر من كثير من التفاصيل: يمكن أن يبقى الأقصى قائمًا بحجارته، بينما يتراجع في قلوب أمة لا تكاد تذكره إلا عندما يقع حدث كبير، ويمكن أن تظل قبابه في الصور، بينما يغيب عن المناهج والخطاب والثقافة والوجدان اليومي، وتلك خسارة لا تقل خطرًا عن خسارة مساحة من المكان؛ لأن الطريق إلى التفريط في المقدسات يبدأ أحيانًا بتصغيرها في الوعي قبل انتزاعها من الواقع.

ولهذا فإن المعركة الأولى ليست فقط عند أبواب المسجد، بل في قلب كل إنسان ينتمي إلى هذه الأمة: كم يحتل الأقصى من معرفته؟ كم يعرف من تاريخه؟ ماذا يعرف أبناؤه عنه؟ أين يقع في أولوياته؟ وهل يتعامل معه بوصفه شأنًا فلسطينيًّا بعيدًا، أم جزءًا من معنى انتمائه الديني والحضاري؟ إن الأقصى لا يطلب منا أن نبكي عليه فقط؛ بل أن نستيقظ به.

الأقصى لا يزال ينادينا

ربما تكون إحدى أعظم الرسائل التي يحملها الأقصى في هذه اللحظة أن الإنسان يستطيع أن يُثخن بالجراح ولا يموت فيه المعنى، وأن الأمة قد تضعف ولا تفقد بالضرورة قابلية النهوض، وأن التاريخ قد تضيق طرقه لكنه لا يغلق أبوابه كلها.

لقد تعاقب على القدس من ظنوا أن سلطان اللحظة يمنحهم سلطان الأبد، ثم مضوا وبقيت القدس، وتعاقبت على الأقصى أزمنة ضعف وقوة، وانكسار ونهوض، وظل قائمًا يشهد أن التاريخ أطول من أعمار الدول، وأن المقدسات أعمق من موازين السياسة العابرة.

فلا نسمحنَّ لثقل اللحظة أن يسرق منا أفق المستقبل، ولا لضجيج القوة أن يقنعنا بأن التاريخ قد قال كلمته الأخيرة، ولا ينبغي أن يكون تجدد الإرادة اندفاعًا أعمى، بل وعيًا أبصر، وعلمًا أرسخ، وصبرًا أطول، وحضورًا أشد، وعملًا مشروعًا أكثر انتظامًا وتراكمًا.

وهنا تكمن عبقرية الأقصى في وجدان هذه الأمة: نحن نظن أننا وحدنا الذين نحرسه، فإذا به، في ساعات الوهن، يحرس فينا ما هو أثمن؛ يحرس الذاكرة من النسيان، والهوية من الذوبان، والأمل من الموت، والإرادة من الانكسار؛ ولذلك فكلما اشتد الخناق عليه، لا ينبغي أن نسأل فقط: كيف ننقذ الأقصى؟ بل لنسأل أنفسنا أيضًا: أيُّ شيء يريد الأقصى أن ينقذه فينا؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة