إعداد الدعاة في الحضارة الإسلامية (24)

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال الأصمعيّ: دخل عطاء بن أبي رباح على عبدالملك بن مروان وهو جالس على سريره وحواليه الأشراف من كلّ بطن، وذلك بمكّة المكرّمة، في وقت حجّه في خلافته، فلمّا نظر إليه قام إليه وأجلسه معه على السّرير وقعد بين يديه، وقال له: يا أبا محمّد، ما حاجتك؟

فقال: يا أمير المؤمنين، اتّق الله في حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم، فتعاهده بالعمارة، واتّق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنّك بهم جلست هذا المجلس، واتّق الله في أهل الثّغور فإنّهم حصن المسلمين، وتفقّد أمور المسلمين فإنّك وحدك المسؤول عنهم، واتّق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم،

فقال له: أفعل، ثمّ نهض وقام فقبض عليه عبدالملك فقال: يا أبا محمّد، إنّما سألتنا حاجة لغيرك وقد قضيناها، فما حاجتك؟

فقال: مالي إلى مخلوق حاجة، ثمّ خرج، فقال عبدالملك: هذا والله الشّرف، هذا والله الشّرف(1).

إنه شرف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن أتى به ابتغاء وجه ربه فقد تعبد بأعظم العبادات، فالدين النصيحة، والنصيحة المقصودة هنا هي كل نصيحة ترشد إلى النجاة بما يرضي الله، فهي الدلالة على الخير والتحذير من الشر، والإرشاد إلى الهداية والتحذير من الغواية، وقد حرصت الحضارة الإسلامية على تربية دعاتها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويظهر ذلك فيما يأتي:

تسوير المجتمعات بالأخلاق العالية |  Mugtama
تسوير المجتمعات بالأخلاق العالية | Mugtama
إن الجدران السميكة والحصون المنيعة والأسوار العالي...
mugtama.com
×

مظاهر حرص الدعاة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

1- الخروج إلى الناس في أماكنهم:

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه والتابعون يعتمدون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على حضور الناس إلى المساجد لتلقي المواعظ فقط؛ بل كانوا يحرصون على الخروج إلى الناس وتوجيههم إلى ترك المنكرات وفعل الخيرات.

ومن ذلك ما رواه مسلم عَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟»، قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ ‌مَنْ ‌غَشَّ ‌فَلَيْسَ مِنِّي»، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مَرَّ بِرَجُلٍ يُكَلِّمُ امْرَأَةً عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، ‌فَعَلَاهُ ‌بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهَا امْرَأَتِي قَالَ: فَهَلَّا حَيْثُ لَا يَرَاكَ النَّاسُ(2).

2- نصيحة الحكام والأمراء:

تعددت مواقف الدعاة إلى الله تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحكام والأمراء، فقد قيل للإمام مالك: تدخل على السلاطين وهم يظلمون ويجورون؟ فقال: يرحمك الله، وأين ‌المتكلم ‌بالحق؟ وقال مالك: حق على كل مسلم أو رجل فعل الله في صدره شيئاً من العلم والفقه أن يدخل إلى ذي سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر ويعظه.

قال عتيق بن يعقوب: كان مالك إذا دخل على الوالي وعظه وحثه على مصالح المسلمين، ولقد دخل يوماً على هارون الرشيد فحثه على مصالح المسلمين، قال له: لقد بلغني أن عمر بن الخطاب كان في فضله وقدمه ينفخ لهم عام الرمادة النار تحت القدور، يخرج الدخان من لحيته، وقد رضي الناس منكم بدون هذا(3).

وهذا سفيان الثوري يقول: أدخلت على أبي جَعْفَرٍ بِمِنَىً فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللهَ فَإِنَّمَا أُنْزِلْتَ فِي هَذِهِ المَنْزِلَةِ، وَصِرتَ فِي هَذَا المَوْضِعِ ‌بِسُيُوْفِ ‌المُهَاجِرِيْنَ، وَالأَنْصَارِ، وَأَبْنَاؤُهُم يَمُوْتُوْنَ جُوعاً، حَجَّ عُمَرُ فَمَا أَنفَقَ إلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ دِيْنَاراً، وَكَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ الشَّجر(4)، ولما ولَّى المقتفي لأمر الله القاضي ابن المُرَخِّم (الظالم)، قال له عبدالقادر الجيلاني من على المنبر: ‌ولَّيتَ ‌على ‌المُسْلمين ‌أَظْلَمَ الظَّالمين، ما جوابك غداً عند ربِّ العالمين(5).

3- طلب النصيحة:

كان من سمات العلماء والأمراء في الحضارة الإسلامية أن يطلبوا النصيحة من غيرهم، ويستحثونهم على ذلك، ومن ذلك ما كان من عمر بن عبدالعزيز الذي قال لميمون بن مهران: ‌قل ‌لي ‌في ‌وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره(6).

دوافع حرص الدعاة في الحضارة الإسلامية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

1- الاستجابة لأوامر الله ورسوله:

قال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104)، وروى مسلم عَنْ ‌تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌الدِّينُ ‌النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».

فقه النهي عن المنكر عند الإمام الغزالي |  Mugtama
فقه النهي عن المنكر عند الإمام الغزالي | Mugtama
كتاب «إحياء علوم الدين» من الكتب التي حظيت بعناية العلماء
mugtama.com
×

2- رجاء الخير للمؤمنين وتحذيرهم من الشر:

روى أحمد عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ‌لَتَأْمُرُنَّ ‌بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ»، وروى الطبراني عَنْ طَارِقِ بن شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ عَتْرِيسُ بن عُرْقُوبٍ الشَّيْبَانِيُّ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَأمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ: بَلْ هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ الْمَعْرُوفَ، وَيُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ.

وقال ابن القيم: إنما يَهلِك الناسُ إذا قُبِض أهلُ العلم والدين، ‌وتُرِك ‌الأمر ‌بالمعروف ‌والنهي ‌عن ‌المنكر، صار حينئذٍ المعروف ما أَلِفَتْه النفوسُ واشتهتْه، وصار الدين هو العوائد، وصار المنكر ما لم يَعتدْه الإنسان، وإن كان قد يكون عند الله هو الدين الذي بَعث به رسلَه، وأنزل به كتبه، فحينئذٍ تَخْرَبُ الأرض(7).

3- تحقيق العدالة والصلاح:

قال سفيان الثوري: إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق(8)، وقال العز بن عبد السلام: الأمر بالمعروف أعظم قُربة، وبه قوام الأمة وصلاح العامة(9).

4- الشعور بالمسؤولية.

انطلق الدعاة إلى الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من منطلق الشعور بالمسؤولية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته».

وسائل الدعاة في التربية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

1-القدوة: عن شجاع بن الوليد قال: كنت أخرج مع سفيان الثوري فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهباً وراجعاً(10).

2- الرفق والحكمة: قال سفيان الثّوريّ: لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ إلَّا مَنْ كُنَّ فِيهِ خِصَالُ ثَلَاثُ: رَفِيقٌ بِمَا يَأْمُرُ، ‌رَفِيقٌ ‌بِمَا ‌يَنْهَى عَدْلٌ بِمَا يَأْمُرُ، عَدْلٌ بِمَا يَنْهَى، عَالِمٌ بِمَا يَأْمُرُ، عَالِمٌ بِمَا يَنْهَى(11).

3- النصيحة سراً: قال الشّافعيّ: من وعظ أخاه سرّاً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه(12).

4- تأسيس نظام الحسبة: اعتمد المسلمون فريقاً من الدعاة إلى الله، يحتسبون على الناس في كل مجالات الحياة؛ أي يدعونهم إلى الخير ويحذرونهم من الشر، وقد عرف هذا في النظم الإسلامية باسم الحسبة.






______________________

(1) تنبيه الغافلين: ابن النحاس، ص 45 - 46.

(2) مكارم الأخلاق: الخرائطي، ص 161.

(3) ترتيب المدارك (2/ 95).

(4) سير أعلام النبلاء (6/ 642).

(5) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (21/ 78).

(6) البداية والنهاية، (9/ 316).

(7) الكلام على مسألة السماع (1/ 3).

(8) الأمر بالمعروف: الخلّال، ص 58.

(9) قواعد الأحكام (1/ 89).

(10) حلية الأولياء (7/ 13).

(11) الآداب الشرعية (1/ 282).

(12) صحيح مسلم بشرح النووي (2/ 24).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة