الأمن الغذائي والدوائي كأولوية إستراتيجية للمجتمعات المسلمة
الأمن الغذائي
والدوائي ليس ترفًا يمكن تأجيله، ولا ملفًا تقنيًا يُترك لخبراء الاقتصاد وحدهم، وإنما
هو في صميم بقاء الأمم وكرامتها، وحين يضعف التحكم في القوت والدواء، تتقلص مساحة
القرار، وتصبح الشعوب أكثر عرضة للضغط والتبعية، وفي واقع المسلمين اليوم، حيث
تتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية، يبرز هذا الملف بوصفه أولوية إستراتيجية لا
تقل شأنًا عن أي قضية كبرى.
الهدي القرآني في ترسيخ مبدأ الأمن الغذائي
من نِعَم الله
على الأمة نعمته بالدين القيِّم الذي ما ترك مجالًا إلا وهدى الأمة فيه، وشرع لها
ما يوصلها إلى التوفيق في الدنيا والآخرة.
فحين ننظر إلى
هذا المجال من المنظور القرآني، نرى أنه لا يُقدَّم الغذاء والرزق على أنهما مجرد
موارد مادية، بل كآية من آيات الله وامتحان للإنسان في تذكُّر النعم الإلهية وشكر
الله بالاستقامة في طريقه والمحافظة عليها وحسن التدبير فيها، يقول تعالى: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ
طَعَامِهِ) (عبس: 24)، ويقول تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ {10} يُنبِتُ
لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ
الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل)، دعوة للتأمل في سلسلة معقدة من الأسباب التي تبدأ من
قطرة الماء وتنتهي بلقمة العيش، بوعي يدفع إلى العمل والإتقان.
وفي قصة يوسف
عليه السلام نموذج مبكِّر للتخطيط الإستراتيجي الغذائي، حين واجهت مصر خطر
المجاعة، لم يكتفِ بالتنبؤ، بل وضع خطة مُحكمة؛ من ادخار في سنوات الرخاء، وترشيد
في سنوات الشدة؛ (قَالَ
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ
إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ) (يوسف: 47)، إنها سياسة أمن غذائي
قبل أن يُطلق هذا المُصطلح ويُتعارف عليه بقرون طويلة.
وعلى مستوى
الفرد، هناك مسؤولية في ترشيد الاستهلاك، وتجنب الإسراف: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) (الأعراف: 31)،
فالإسراف لا يبدد الموارد فحسب، بل يخلق ثقافة استهلاكية تُضعف الإنتاج، وقد ساهمت
هذه الثقافة الاستهلاكية والإعلانات التسويقية في انتشار هذه الظاهرة وغياب الوعي
لدى الأفراد والمجتمعات، وينتج عن كل ذلك هدر الثروات وانتشار مشكلات صحية
وأخلاقية؛ ما يجعل الإسراف فعلًا مشكلة متعددة الجوانب.
الهدي النبوي.. وأثره في ترشيد الاستهلاك وحفظ النعم
لننظر إلى هذا
الحديث الذي يُظهِر دقّة الهدي النبوي في ترسيخ قيمة حفظ النعمة وعدم التفريط
فيها، حتى في أصغر صورها كلقمة تسقط من الطعام، إذْ يُوجَّه المسلم إلى التقاطها
وتنظيفها وأكلها وعدم إهدارها، ما يدل على أن التعامل الواعي مع الغذاء ليس مجرد
سلوك فردي بسيط، بل هو منهج قائم على تقدير النعمة ومنع الهدر: «إذا وقَعَت لُقمةُ
أحَدِكُم فليَأخُذْها فليُمِطْ ما كانَ بها مِن أذًى وليَأكُلْها، ولا يَدَعْها
للشَّيطانِ»(1).
هذا المنهج يؤكد
أن إدارة الموارد ليست خيارًا ثانويًا، وإنما واجب حضاري، فالاعتماد المطلق على
الخارج في القوت يجعل الأمة رهينة لتقلبات السوق والقرار السياسي الدولي، وقد أثبت
الواقع المعاصر ذلك بوضوح، إذ كشفت الأزمات العالمية -سواء كانت أوبئة أو نزاعات
أو اضطرابات سلاسل الإمداد- هشاشة كثير من الدول التي أهملت إنتاجها المحلي، حين
تُغلق الحدود أو تتعطل الشحنات، أو يحصل أي سبب من الأسباب المؤثرة سلبًا، فحينها
لا ينفع الندم، ويصبح الأمن الغذائي مسألة حياة أو موت.
والتاريخ
الإسلامي يقدم شواهد لافتة على وعي مبكر بأهمية الغذاء والدواء، فقد ازدهرت
الزراعة في عصور مختلفة، وابتُكرت أنظمة ريّ متقدمة، وأُنشئت الأسواق المنظمة التي
تضمن توفر السلع.
الأمن الدوائي.. وضرورته في استقرار المجتمعات
ومثل الغذاء
يأتي الأمن الدوائي، الذي يمثِّل الوجه الآخر للمعادلة، فإذا كان الغذاء يحفظ بقاء
الجسد، فإن الدواء يحفظ عافيته واستمراره، وفي السُّنة النبوية توجيه واضح نحو
التداوي والأخذ بالأسباب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداوُوا، فإن اللهَ
لم يضعْ داءً إلا وضعَ له شِفاء أو دواء»(2)، وهذا الحديث يؤسس لثقافة
علمية تبحث عن العلاج وتطوره، ولا تستسلم للمرض أو تعتمد على غيرها اعتمادًا
مطلقًا.
إن استيراد
الدواء دون امتلاك القدرة على تصنيعه أو تطويره، يضع المجتمعات في موقف ضعف، خاصة
في أوقات الأزمات حين تتنافس الدول على الموارد المحدودة، وفي وقت الأزمة والشدَّة
تسعى كل دولة لتأمين احتياجاتها الضرورية، وتتحمَّل مسؤوليتها أمام أفرادها لا
سواهم.
وفي التاريخ
الإسلامي برزت في مجال الطب مدارس علمية ومؤسسات صحية مثل البيمارستانات، التي لم
تكن مجرد مستشفيات، وإنما مراكز بحث وتعليم، ومنها تخرَّج جهابذة الطب الإسلامي في
شتى الفروع، وهي المكان الخاص لحفظ ابتكارات الأطباء وتطوير اختراعاتهم الطبية،
ومنهم أبو بكر الرازي الذي أظهر أهمية الطب السريري، وله العديد من الكتب الرائدة.
وكانت تلك
البيمارستانات بمثابة مُجمعات طبية، وخُصِّص قسم منها كحدائق علاجية (حدائق
البهجة)، ومن تلك المجمعات بحسب البناء الثابت والمتنقِّل، وبحسب التخصص كان منها
العامة والمتخصصة، وبحسب الملكية كان منها ذات الملكية العامة وذات الملكية
الخاصة، وبحس الإقامة كان منها الخاص بالسجون والخاص بالغرباء وبحسب الوظيفة كان
منها التعليمية والعلاجية، وكانت دمشق أول مدينة في العالم تبني البيمارستان(3).
المسؤولية الإستراتيجية للدولة المسلمة في تحقيق الأمن الغذائي والدوائي
التحدي اليوم
أكثر تعقيدًا، فالعالم يعيش في شبكة متداخلة من المصالح، حيث تتحكم شركات كبرى في
إنتاج البذور والدواء، وتؤثر السياسات الدولية في حركة الغذاء والتقنية، لذلك، لا
يمكن الحديث عن الأمن الغذائي والدوائي بمعزل عن مفاهيم أوسع، مثل السيادة
الاقتصادية والاستقلال المعرفي.
إن امتلاك الأرض
وحده لا يكفي إن لم تدعمه معرفة حديثة بالزراعة، ولا يكفي شراء الأدوية إن لم
تُبنَ منظومة بحثية قادرة على تطويرها.
من هنا، تتجلى
الحاجة إلى رؤية متكاملة تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند الدولة، وعلى مستوى المجتمع،
يجب دعم المبادرات المحلية، وتشجيع الزراعة الحضرية، والمشروعات الصغيرة التي تسهم
في تقليل الاعتماد على الخارج.
أما على مستوى
الدولة، فالمطلوب سياسات بعيدة المدى تستثمر في الزراعة والصناعة الدوائية، وتدعم
البحث العلمي، وتبني شراكات متوازنة لا تقوم على التبعية، ولا بد من تنويع مصادر
الاستيراد، وتطوير المخزون الإستراتيجي، وتحفيز الابتكار المحلي.
كما أن بناء
منظومة دوائية قوية يتطلب تعليمًا نوعيًا في مجالات الطب والكيمياء الحيوية،
وتمويلًا مستدامًا للأبحاث، وتشريعات تحمي الإنتاج الوطني دون أن تعزله عن
المنافسة.
ولا يمكن إغفال
البُعد الأخلاقي في هذا الملف، فالأمن الغذائي والدوائي لا ينبغي أن يتحول إلى
أداة احتكار أو استغلال، والقيم الإسلامية تؤكد العدل والتكافل، فالزكاة والوقف
مثلًا يمكن أن يؤديا دورًا مهمًا في دعم الفئات الضعيفة، وتوفير الغذاء والدواء
لمن لا يستطيعون، وتحقيق الاكتفاء لا يكتمل إلا بضمان وصول الموارد إلى جميع أفراد
المجتمع.
ومن المعلوم لكل
ذي عقل أنه لا يمكن لأمة أن تنهض وهي عاجزة عن إطعام نفسها أو علاج مرضاها، فالأمن
الغذائي والدوائي ليسا مجرد قطاعين اقتصاديين، بل هما أساس الاستقرار والسيادة،
ويجب على المجتمع المسلم العودة إلى القيم القرآنية والهدي النبوي الكريم، مع
الاستفادة من دروس التاريخ ومتطلبات الواقع، والالتفات الواعي لفتح طريق واضح أمام
أفراد المجتمع، يتمثَّل في: العمل الجاد، والتخطيط، والاستقلال المسؤول.
وينبغي أن تكون هذه دعوة يتبنَّاها المصلحون، ويستجيب لها أصحاب القرار، لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع ما يحفظ الحياة والكرامة في مقدمة كل مشروع نهضوي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً