الأول من رمضان ... فتح مصر بقيادة عمرو بن العاص
في تلك اللحظة البعيدة من التاريخ، حين كانت الرمال ما تزال تحفظ وقع أقدام القوافل، وحين كانت الإمبراطوريات تظن أن الزمان قد استقر لها، كان الصدام بين العرب والدولة الرومانية مكتوبًا في صحائف الغيب قبل أن يُكتب في دفاتر المؤرخين. لم يكن الصدام نزوة حرب، ولا شهوة توسّع، بل قضاءً موعودًا منذ أن نهضت الدعوة الإسلامية من قلب الصحراء تحمل كلمة تتجه إلى الأسماع والقلوب معًا. وكيف لرسالة خُلقت لتبلغ الناس جميعًا أن تتجنب سلطانًا قائمًا يحول بينها وبين الناس؟ لا بد أن يلتقيا، سلامًا كان اللقاء أو خصامًا.
وكان في هذا اللقاء قدر مصر. فمصر لم تكن غنيمة طارئة، بل صفحة مؤجلة في كتاب الفتح، لا بد أن تُقرأ حين يحين أوانها. إن دخلها الإسلام مدافعًا أو غير مدافع، فدخوله كان فتح رضوان أو فتح تسليم، لا فتح قهرٍ أعمى ولا خراب.
ولمح النبي ﷺ هذا المصير بعين الغيب قبل أن يبلغ أجله بسنين. كتب إلى المقوقس، عظيم القبط، رسالة هادئة في لفظها، عميقة في معناها، يدعوه فيها إلى كلمة سواء. فجاءه الجواب مواربًا، لا هو إيمان ولا هو جحود، كأن صاحبه يقف على عتبة التاريخ مترددًا: يدرك أن نبيًّا قد بُعث، لكنه لا يجرؤ أن يفتح له الباب. ومع ذلك أهدى، وأكرم الرسل، وكأنما كان قلبه يقول ما لم تستطع السياسة أن تجهر به.
ومضت الأيام، وتعلقت الحوادث بأجلها الموعود. قال النبي ﷺ لأصحابه قول الواثق: «ستفتحون مصر…»، فلم يكن ذلك وعدًا يعلّق في الهواء، بل يقينًا يستقر في النفوس. ومنذ تلك اللحظة، لم يكن في قلب مسلم شك أن مصر ستُفتح، وإنما السؤال: متى؟
اتجه عمرو بن العاص بجنده نحو مصر، بعد أن انقضى أمر بيت المقدس واستقرت راية الإسلام في ربوع الشام. لم يكن الطريق سهلاً، لكن القلوب كانت موقنة، والسيوف تعرف وجهتها.
في الأول من رمضان عام 20هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعد انتهاء حصار حصن بابليون الذي استمر قرابة سبعة أشهر، في ذلك الوقت المبارك دخل الإسلام مصر؛ ليبدأ فصل جديد في تاريخ مصر ضمن الدولة الإسلامية. فاهتزت الأرض تحت خطاهم، وبعث المقوقس من يستطلع أمرهم ويصدهم عن البلاد. خرج إليهم أبو مريم والأسقف، فوقف عمرو وقفة القائد الواثق، لا يستعجل الحرب، ولا يفر منها. دعاهم إلى الإسلام أو الجزية، وذكّرهم بوصية النبي بأهل مصر، فطلبوا مهلة، فأنظرهم أياماً. لكن الليل سبق وعودهم، فجاء القتال بغتة، وسقط أرطبون، وتفرّق الجمع، وبدأت الكفة تميل لصالح المسلمين.
تقدم المسلمون حتى بلغوا عين شمس، وهناك احتشدت الجموع، واشتد القتال. كادت النفوس تفتر، فجال عمرو في الصفوف يوقظ العزائم، ثم نادى أصحاب النبي، فتقدموا، وكأن النصر كان ينتظر أقدامهم. عندها ارتقى الزبير سور الحصن، فانفتح الباب، ودخل الفتح من موضع لم يُحسب له حساب.
عُقد الصلح، وصارت مصر دار ذمة وأمان، وبُني الفسطاط، فكان نواة مدينة جديدة، تختلط فيها الخيام بالأحلام. عاد من عاد آمناً، وأقام من أقام مطمئناً، وسارت الأخبار إلى عمر بن الخطاب، فردّ السبي عمن لم يقاتل، وأقرّ العدل حيث استقر الإسلام.
ولما خشي عمرو أن يُخطئ أهل مصر فهم العرب، أراهم وجوههم كلها: زهدهم، ومعاشهم، وبأسهم في الحرب. فعلموا أن القوم ليسوا طلاب دنيا، ولا ضعاف عزيمة، وإنما أصحاب رسالة لا تنكسر.
ثم سارت الجيوش إلى الإسكندرية، فحوصرت، وطال القتال، حتى فُتحت، وصارت هي الأخرى في ذمة المسلمين. وامتد الأثر جنوباً إلى النوبة، حيث عرف المسلمون سهاماً لا تخطئ العيون، فكانت الجراح درساً، والصلح حكمة.
وهكذا لم يكن فتح مصر سيفاً مجرداً، بل قصة صبر، وحزم، وعدل، وقائدٍ عرف متى يقاتل، ومتى يعفو، فدخلت مصر تاريخاً جديداً، لا يُكتب بالدم وحده، بل بالعهد والذمة والإنصاف.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً