فلسفة الصوم (3)
الاعتكاف.. عزلة في زمن الضوضاء
أصعب ما يُعانيه
الإنسان في هذا الزمان الُمتصارع والمُتسارع أن يفقد نفسه، وأصعب من ذلك أن يبحث
عنها وسط هذه الشواغل والمشاغل والمُلهيات فلا يجد نفسه، فكأنما ضاعت منه في زحام
الشهوات والمُلهيات والمُغريات، وتكسَّرت ملامحها تحت وطأة الحياة الغربية المادية
التي نسير نحن في ركابها إلا من رَحِمَ الله، مِصْدَاقاً لحديث النبي صلى الله
عليه وسلم: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا،
وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ "،
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ»(1).
حتى صار الإنسان
مِنَّا يعيش خارج ذاته وقِيَمَهُ أكثر مما يعيش داخلها ومعها، يمشي كثيرًا ولكنه
للأسف لا يصل، ويتكلم كثيرًا ولكنه للأسف لا يستطيع أن يُعبّر عن مكنوناته
الحقيقية، ويملأ يومه بالأعمال بينما يُفرغ قلبه من الحقيقة.
إن فُقدان
الإنسان نفسَهُ ليست حادثةً فُجائية، بل هو تسلّلٌ هادئ لا يشعر الإنسان به عند
بدايته؛ فيبدأ هذا التسلسل حين يعتاد المرء أن يؤجل صوته الصادق، وحينما يُقدّم ما
يُطلب منه لا ما يحتاجه هو، وحينما تستعبده رغباته وشهواته، شيئًا فشيئًا تتراكم
طبقات من الضجيج والرَّان فوق فطرته وقلبه، حتى يغدو غريبًا عن نفسه ومشاعره، فلا
يعرف لماذا يفرح! ولا لماذا يضيق صدره! وهنا تتحول الحياة إلى سلسلة من الاستجابات
الآلية الديناميكية التي لا روح فيها.
والمفارقة
الصعبة هنا أن الإنسان في زمن المُغريات والمُلهيات يعيش فقرًا داخليًا؛ فكل شيء
متاح لديه إلا السكينة والطمأنينة، وكل وسائل الاتصال حاضرة إلا الاتصال الحقيقي
بالنفس، يُحدّث العالم كل يوم، لكنه نادرًا ما يجلس مع نفسه جلسة صدق يسأل فيها
نفسه: ماذا أريد؟ وإلى أين وجهتي وطريقي؟ وما هدفي الحقيقي في الحياة؟ وما الذي
بقي مني بعد هذا الركض الطويل؟ إن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكرياً، ولا عبثاً، بل
هي صمّام أمان يحفظ للروح توازنها، وللعمر معناه، وللحقيقة مكانها.
فالبحث عن النفس
ليس انسحابًا من الحياة، بل عودة صحيحة إليها وإلى الحقيقة التائهة، فلا بد أن
يتوقف المرء قليلًا ليعيد ترتيب نفسه من الداخل قبل أن يواصل السير في الخارج؛ وأن
يصالح قلبه، ويهذّب رغباته، ويسترد صوته الذي كاد أن يضيع وسط هذا الضجيج، وحين
ينجح في ذلك، يكتشف أن الهدوء لم يكن بعيدًا، بل كان ينتظره خلف ضجيج اختاره هو -أو
فُرِض عليه فرضاً- دُون أن ينتبه.
في هذا السياق،
لا يعود الصمت رفاهية، بل ضرورة وجودية، فالإنسان يحتاج لحظة صِدق يقف فيها بعيدًا
عن الضجيج والمُلهيات والمُغريات، لا ليهرب من الحياة، بل ليفهمها ويعرف حقيقتها، وهنا
يظهر الصوم ويُتوِّجَهُ الاعتكاف كتشريع يُعيد للإنسان حقًا قديمًا؛ حق الخلوة
الواعية التي تعيد للإنسان إنسانيته ونفسه، وتذهب به إلى قلب الحقيقة.
فحين يجد
الإنسان نفسه من جديد، لا تتغير الظروف بالضرورة، بل تتغير طريقته في رؤيتها
والتعامل معها؛ فيُصبح أهدأ في العاصفة، وأوضح في الحِيرة، وأثبت في الزحام، هناك
يدرك أن أعظم انتصار لا يكون في السيطرة على العالم، بل في استعادة الذات، لأن من
وجد نفسه، وَجَدَ البوصلة التي لا تخطئ، والطريق الذي مهما طال يقوده إلى معنى
يستحق أن يُعاش لأجله، ويعرف حينها عين الحقيقة؛ (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا
لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 64).
الاعتكاف عودة إلى المركز الداخلي
يقول د. جاسم
المطوع: «العُزلة لا تعني كُره الأصدقاء، أو توقف خفقان القلب بالحُب، أو الندم
على موقف، العُزلة تعني الحاجة إلى الاقتراب من النفس، والتعرف على مشاكلها،
والتخطيط لرحلة من السعادة، ومُحاولة الوصول إلى عالم القناعة»، فالعزلة التي
ينتهجها الاعتكاف ليست انسحابًا سلبيًا من الواقع، ولا انقطاعًا عن المسؤوليات، بل
عودة مقصودة إلى الداخل.
فالشرع حين
سَنَّ الاعتكاف، أراد للإنسان أن يستعيد مركزه النفسي والروحي، بعد أن أنهكه
التشتت والجري خلف السراب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر
الأواخر من رمضان وواظب على ذلك، وكأن في هذا الفعل منه رسالة تربوية عميقة
مَفَادها أن ختام موسم الصيام ليس في كثرة الذهاب للأسواق، وشراء الكم الكبير من
الرفاهيات والكماليات والملذات، بل لا بد من وقفة صادقة في العمق؛ وقوف القلب
وخلوته مع ربه، والوقوف مع النفس ليُعيدها لفطرتها ووجهتها الحقيقية.
ففي هذه الخلوة
تسقط الأقنعة الاجتماعية، وتتزعزع الأفكار السلبية، وتتوقف أدوار الحياة
المتلاحقة، وتظهر الحقيقة التي لا بد لنا أن تستقر في نفوسنا، ألا وهي: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (الرحمن:
26)، فيقف حينها الإنسان وجهًا لوجه أمام ذاته؛ بلا صخب، ولا كذب، ولا
تبرير، وبلا هروب، وهنا تبدأ المراجعة للوصول إلى فهم الحقيقة الأبدية.
الصوم يُهيئ والاعتكاف يُعمّق
يقول الإمام ابن
القيم: الاعتكاف مقصُوده ورُوحه عُكُوفُ القلب على الله تعالى، وجمعيَّته عليه،
والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغالُ به وحده سبحانه، بحيث يصير
ذكره وحبُّه، والإقبالُ عليه في محلِّ هموم القلب وخَطَراته، فيستولي عليه بدلَها،
ويصير الهمُّ كلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما
يقرِّب منه، فيصير أُنسُه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق، فيُعِدُه بذلك لأنسه به
يومَ الوحشة في القبور حين لا أنيسَ له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف
الأعظم(2).
فإذا كان الصوم يُهيِّئ النفس للصفاء، فالاعتكاف يُعمِّق ذاك الصفاء ويُثبته ويُقويه، لأنه يُخلخل اعتياد العادات، ويُسكِت ضجيج الجَرْي خلف الدنيا وشهواتها ومُغرياتها، ليُعيد للروح صوتها الذي كاد أن يضيع بين مطالب العادة وإلحاح الرغبة، إنه تدريب سنوي يُثبت للإنسان أنه أكبر من نزواته وعاداته، وأن داخله مساحة قادرة على الاختيار لا الانسياق، ففي عالَم الاعتكاف الحقيقي يبدأ القلب يتخفف، والعقل يصفو، والروح تستعد لرحلة أعمق؛ (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) (النور: 40).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً