الاقتصاد العراقي.. أزمة خانقة تدخل البلاد في عنق الزجاجة
يواجه الاقتصاد العراقي أزمة مالية حادة تسببت بعجز الحكومة عن تسديد رواتب أكثر من 5 ملايين موظف، منذ ما يزيد على 20 يوماً.
كما عجزت الحكومة عن تسديد الديون المستحقة للشركات الأجنبية والاستثمارية، والديون الدولية المقدرة بعدة مليارات من الدولارات.
ويعزو خبراء سبب الأزمة المالية إلى زيادة النفقات المالية المقدرة بـ7 مليارات دولار شهرياً، وبالمقابل تراجعت الإيرادات النفطية التي يعتمد الاقتصاد العراقي على عائداتها بنسبة 90%، وتوفر العائدات النفطية نحو 3 مليارات دولار شهرياً في الوقت الحاضر، الفارق الكبير بين النفقات والإيرادات، تسبب بعجز كبير في الموازنة وصل إلى 19.5 مليار دولار عام 2019، وإلى 57 مليار دولار العام الجاري.
أزمة أسعار النفط
تراجع أسعار النفط عالمياً هو السبب الأساس في أزمة الاقتصاد العراقي، إذ بدأت الأسعار في التراجع منذ منتصف عام 2014، حيث كانت تبلغ أكثر من 100 دولار للبرميل، وهي اليوم أقل من 40 دولاراً للبرميل الواحد.
ويساهم القطاع النفطي بنحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي للعراق، ويمثل نحو 95% من الإيرادات.
الخبير الاقتصادي نافع عقبة الدباغ، يرى أن اعتماد العراق على النفط كمصدر وحيد لوارداته على مدار عقود طويلة جعل من اقتصاده هشاً ينهار عند أي عاصفة تهوي بأسعار النفط.
وأضاف الدباغ، في حديثه لـ"المجتمع": الحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق عوّلت على طفرة الأسعار التي وفرت للبلد عائدات ضخمة في العقود الماضية، إلا أن أياً منها لم يضع في حساباته احتمال توقف هذه الوفرة في أي وقت، وبذلك لم يتم استثمار العائدات بشكل صحيح، ولم يتم العمل على تنويع مصادر الدخل، واستغلال ما يتمتع به العراق من ثروات متنوعة، وموقع جغرافي مميز.
وتابع: بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، تفاقمت الأزمة بشكل أكبر، حيث تضخمت المصروفات بسبب الإنفاق غير المدروس، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ ارتفعت أعداد موظفي الدولة من 900 ألف عام 2003، إلى أن تجاوزت أكثر من 5 ملايين موظف عام 2018، مع ارتفاع معدل رواتب الموظفين من 300 دولار شهرياً لتصل إلى أكثر من 800 دولار.
ونوه الخبير الاقتصادي العراقي إلى أن العراق يمتلك مقومات اقتصاد قوي، وفيه ثروات كثيرة غير مستغلة مثل الغاز والمعادن والفوسفات، إلى جانب الأراضي الزراعية الخصبة، والموارد المائية ذات الوفرة التي تأتي من نهري دجلة والفرات التي لم يتم استثمارها في بناء السدود، كل هذه العوامل من سوء الإدارة مع وجود الفساد أدت إلى حالة الانهيار الاقتصادي التي يمر بها البلد اليوم.
تفاقم الدين العام
ارتفعت نسبة الدين العام للدولة العراقية إلى الناتج المحلي، حيث يقدر الدين حالياً بنحو 120 مليار دولار، بالمقابل حدث انخفاض في الناتج المحلي بحدود 200 مليار دولار، فأصبح معدل الدين إلى الناتج المحلي يمثل 80%.
ويرى الصحفي سيروان بنجويني المتخصص بالاقتصاد، أن العراق مقبل على العجز التام عن دفع رواتب الموظفين العام المقبل.
وقال بنجويني لـ"المجتمع": الحكومة العراقية تمكنت من دفع رواتب الموظفين خلال العام الجاري من خلال الاقتراض الداخلي، ويتحمل البنك المركزي العراقي الثقل الأكبر من هذه الاستدانة، حيث استدانت الحكومة من البنك ما مجموعه 26 تريليون دينار؛ الأمر الذي أدى إلى تراجع احتياطاته من الدينار العراقي من 58 تريليون دينار إلى 32 تريليون.
وأضاف: على البنك المركزي أن يحتفظ بـ17 تريليون دينار في الحد الأدنى كمدور ثابت، وعليه سيتبقى لديه 15 تريليون دينار يمكن أن يقرضها للحكومة عام 2021، وسيدخل بعدها في مرحلة العجز عن تقديم المزيد من الدين للحكومة، وبالتالي لن تكون الأخيرة قادرة على دفع رواتب الموظفين.
بنجويني اعتبر تراجع قطاعي الصناعة والزراعة من أهم عوامل إضعاف الاقتصاد العراقي خلال الأعوام الـ17 الماضية، حيث أدت السياسات الفاشلة إلى تحول البلد إلى سوق لتصريف منتجات دول الجوار خصوصاً إيران بالدرجة الأولى وتركيا بالدرجة الثانية، حيث تقدر الواردات من البلدين بحوالي 50% من إجمالي واردات العراق.
ويرى الخبراء أن المخرج الوحيد لأزمة العراق الاقتصادية تكمن في وضع سياسة تعتمد على تقليص النفقات، إلى جانب تنويع النشاط الاقتصادي، وهذا يتطلب إصلاح وتطوير القطاع الخاص، واستغلال الإمكانات التصديرية للمساعدة في تنويع النشاط الاقتصادي بعيداً عن إنتاج النفط، والاتجاه نحو التجارة والتكامل، حيث يتمتع العراق بموقع جغرافي يؤهله أن يكون مركزاً إقليمياً للخدمات اللوجستية، فضلاً عن إصلاح قطاعي الزراعة والصناعة ليكونا رافدين لتحقيق الاكتفاء الذاتي ومن ثم التصدير.