الاكتئاب.. صفته وأعراضه وأسباب انتشاره في عصرنا
- أعاني من
حزن شديد يستغرق كياني ولا أستطيع التفكير في غيره، ولا أجد له سبباً.
- أعاني من عدم
رغبة في استمرار حياتي، ولا أجد لها دافعاً، العالم فارغ من حولي رغم وجود الجميع
بالجوار، لم أعد أطيق الحديث مع أحد، أو سماع صوت أحد.
- لا أجد دافعاً
للمذاكرة والتحصيل، لا أجد سبباً للحضور المدرسي أو متابعة دروسي، زهدت الحياة بكل
ما فيها.
- لا أريد
الاستمرار، الصخب من حولي يخنقني، صوت أطفالي يكاد يصل بي إلى الجنون، حصار زوجي
باحتياجاته يقتلني في اليوم مائة مرة، أحب أولادي ولا أقدر على العيش بعيداً عنهم،
لكنني لم تعد بي طاقة أو قدرة على العيش بهذا الروتين القاتل
- ظروف حياتي
تزداد سوءاً وتعقيداً، والمشكلات تتضخم، واحتياجات الأسرة لم يعد لديَّ القدرة على
تلبيتها، الظروف تعاندني، والواقع المحيط يخنقني، أكمل يومي بصعوبة، وكل ليلة
تلاحقني فكرة الموت!
هذه العبارات
وغيرها لم تعد استثناء، بل أصبحت جزءاً من لغة يومية يتداولها المرضى في العيادات
النفسية، أو يكتبها أصحابها في صمت على منصات التواصل بقلوب مكلومة، قبل أن يتحول
بعضها إلى فعل مفجع لا رجعة فيه، في الوقت الذي يعاني ما يقرب من 280 مليون شخص
حول العالم من الاكتئاب، حسب منظمة الصحة العالمية(1)، فما ماهية هذا
المرض؟ وما أسباب انتشاره؟
حين يتحول الحزن إلى مرض
قل أن تجد أحداً
من البشر لم يمر بحالة من الحزن غير معلومة المصدر، أو من لم يشعر بالإحباط يوماً
لفوات أمر ما قد انتظره طويلاً، فالحزن جزء من التجربة الإنسانية، يمر وقد يتكرر،
ويستعيد الإنسان بعده توازنه.
لكن الاكتئاب المرضي
الحقيقي أو ما يسمى «اضطراب الاكتئاب الجسيم» هو ما يترك أعراضاً مرضية على
المشاعر والتفكير ونمط الحياة اليومي والنشاط الإنساني المعتاد، مثل النوم والطعام
والعمل والعلاقات الاجتماعية، ذلك النوع من الاكتئاب المرضي قد يصيب أي إنسان بغض
الطرف عن مستواه الاجتماعي، فقد يأتي نتيجة الفقر المعجز لصاحبه عن أداء واجباته
تجاه ذويه، وقد يصيب أغنياء لا يجدون ما يفعلونه نتيجة الفراغ النفسي القاتل، يصيب
غير المؤمن لاحتياجه لفعل الإيمان بالله على قلبه، وهنا يبرز سؤال محوري: هل يمكن
أن يصاب المؤمن بالاكتئاب؟
ويجيب علماء
النفس بنعم، لكن فعل الإيمان في القلب يمنح صاحبه عوامل مقاومة المرض مثل الصبر
والاحتساب والتماس التداوي الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «تداووا
فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم» (أخرجه أبو داود).
ففي بحث مقدم
للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة خلص للآتي: إنَّه لا مانع من إصابة المؤمن
بالاكتئاب، وإنه ليس خاصًّا بغير المسلمين، وذلك أن القرآن أجاز اتصاف المؤمن
بالحزن الذي هو أساس مرض الاكتئاب، إلا أنَّ المؤمن أسرع علاجًا، وأسلم تعايشًا مع
مرض الاكتئاب؛ ولا أدلَّ على ذلك من قلة الانتحار في بلاد المسلمين بالمقارنة
بغيرها من البلاد(2).
وقد يقول قائل:
إن الاكتئاب جزء من المعيشة الضنك التي ذكرها الله عز وجل في كتابه نتيجة الإعراض
عن ذكر الله في قوله تعالى: (وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) (طه: 124)؛ لأن
المقصود من المعيشة الضنك في الآية الكريمة كما يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية
الكريمة: «الذي أذكره به فتولى عنه ولم يقبله ولم يستجب له»(3)؛ أي
أنهم الكافرون الذي رفضوا الاستجابة لرسائل الأنبياء عليهم صلوات الله وتسليمه.
أعراض الاكتئاب المرضي
قد تشترك أعراض
الاكتئاب مع أمراض عضوية أخرى، فليس لكل من يعاني من تلك الأعراض أن يظن أنه مصاب
به، وإنما هي إشارة وتنبيه بأن وضعه ليس طبيعياً، وأن عليه أن يذهب للطبيب المختص
ليعلم حقيقة ما يعانيه، وقد اتفق أطباء النفس على عدة عوارض تظهر على مصاب
الاكتئاب ومن أهمها(4):
1- الشعور
باليأس أو التشاؤم.
2- الشعور
بالذنب أو انعدام القيمة أو العجز.
3- فقدان الشغف
أو الاستمتاع بالهوايات أو الأنشطة.
4- صعوبات
التركيز أو الذاكرة أو اتخاذ القرارات.
5- تغيرات في
الشهية وفي الوزن بالزيادة أو النقص.
6- التفكير في
الموت أو الانتحار أو محاولات الانتحار.
7- الحزن أو
القلق بشكل مستمر.
8- الشعور
بالتوتر المستمر أو الإحباط أو عدم الراحة.
9- انخفاض
الطاقة، أو الإرهاق.
10- صعوبة
الدخول في النوم أو الاستيقاظ في الصباح الباكر، أو كثرة النوم.
11- أوجاع أو
آلام أو صداع أو تقلصات أو مشكلات في الجهاز الهضمي لا تستجيب للعلاج.
اختلال إيقاع الحياة في عصر الحداثة
ويعد اختلال نمط
الحياة الطبيعي السبب الرئيس المعروف في ظاهرة الاكتئاب كمرض، حيث يعد ذلك النمط
بيئة خصبة عن أي وقت مضى، فالليل لم يعد سكناً كما أعده الله عز وجل للسكن؛ (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا)
(النبأ: 11)، والنهار لم يعد للحركة والسعي والعمل؛ (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)
(النبأ: 12).
وعلى إثر ذلك
اضطرب النوم، وسكن الجسد نتيجة وفرة الآلة كالسيارة والأدوات الحديثة في المنازل التي
فرضت القعود المجلب للمرض البدني والنفسي، هذا الخلل الذي صار واقعاً كان من
الطبيعي ألا يمر على البشرية دون أن يظهر مرض مثل الاكتئاب كإحدى أبرز النتائج
الطبيعية لهذا الاختلال.
الفردانية في حياة المخلوق الاجتماعي
الإنسان كائن
اجتماعي بطبعه الذي جبله الله عليه، وأي خلل في تلك (الاجتماعية) سوف يؤثر
بالضرورة عليه نفسياً وربما عقلياً لمخالفته للفطرة السوية، وقد بدأ ابن خلدون
أبحاثه الاجتماعية في المقدمة الأولى بقوله: «إن الاجتماع الإنساني ضروري»(5)،
وأنه «يستحيل على البشر أن يعيشوا منفردين»(6).
لكن إنسان عصر
الحداثة يعيش معظم وقته خلف الشاشات، وأصبحت العلاقات الإنسانية مجرد علاقات رقمية
اختزلت في إعجاب، أو طلب إضافة، أو مجرد متابعة من بعيد، تراجع الدفء الأسري وحل
مكانه شخصيات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، تنتهي بمجرد غلق الصفحة، أو عمل «بلوك»
لصاحبها، فصارت العلاقات مضطربة، تدعو للقلق أكثر مما تدعو للاطمئنان، هذا التحول
المحوري في طبيعة الإنسان لم يفقده الآخرون وحدهم، بل أفقده نفسه التي بين جنبيه،
فصار جسده يلوذ بالمرض باحثاً عن حل يتوافق مع طبيعته التي فطره الله عليها.
الوفرة في غياب المعنى
وتلك الإشكالية
ربما تكون الأهم في مسألة الاكتئاب، هناك جيل كامل ولد في ظل الحداثة، ووجد كل شيء
متاحاً، لكنه في ذات الوقت لا يرضى، هناك خيارات غير محدودة، ومعها مقارنات لا
تتوقف، أنماط حياة تتغير مع كل اختراع جديد، لكن هناك رغبات بلا سقف محدد، هناك
دائماً الرغبة في المزيد، هنا لا يعاني الإنسان من الفقر والاحتياج، وإنما يعاني
من فقدان المعنى، وهنا تظهر أهمية البعد الإيماني في مقاومة الاكتئاب قبل الإصابة
وبعدها، ذلك البعد الذي لا يناقش الأعراض، وإنما يعالج المرض من الجذور.
بين العلم والإيمان
الاكتئاب ليس مرضاً عضوياً بحتاً، وكذلك ليس ضعفاً إيمانياً بحتاً، إنه مرض بين هذا وذاك، إن تقوية الجانب الإيماني خطوة لا غنى عنها لإعطاء أمل في الألم، فالألم يثاب عليه الإنسان، والصبر عليه رفعاً للدرجات، وليس عقاباً على الذنوب، الإيمان يعطي الأمل في التعافي الأكيد من عند الله، لكن العلاج الدوائي ضرورة لا يمكن التغافل عنها امتثالاً لأوامر الشرع في التماس التداوي.
اقرأ أيضا
أزمة الصحة النفسية للشباب المسلم
الهوامش
- 1 تقرير لمنظمة الصحة العالمية منشور على صفحتها، 29/ 8/ 2025.
- 2 بحث علمي بعنوان الاكتئاب بين المفسرين والنفسيين في ضوء القرآن الكريم، دراسة تحليلية للدكتور عباس بن محمد باوزير، https://journals.iu.edu.sa/ILS/Main/Article/1496
- 3 تفسير الطبري.
- 4 الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان المصرية على صفحتها الرئيسة تحت عنوان «اضطراب الاكتئاب».
- 5 المقدمة، ص 40.
- 6 المصدر السابق، ص 151.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً