التأييد الإلهي للمؤمنين.. مظاهره وأسبابه

التأييد الإلهي للمؤمنين.. مظاهره وأسبابه

في مسند البزار، وفي دلائل النبوة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سَفِينَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْبَحْرِ فَانْكَسَرَتْ سَفِينَتُنَا فَلَمْ نَعْرِفِ الطَّرِيقَ، فَإِذَا أَنَا بِالْأَسَدِ قَدْ عَرَضَ لَنَا فَتَأَخَّرَ أَصْحَابِي فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: ‌أَنَا ‌سَفِينَةُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَضْلَلْنَا الطَّرِيقَ فَمَشَى بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى أَوْقَعَنَا عَلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ تَنَحَّى وَدَفَعَنِي كَأَنَّهُ يُرِينِي الطَّرِيقَ، ثُمَّ جَعَلَ يُهِمَّهُمْ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَدِّعُنَا».

في هذا الموقف بيان للتأييد الإلهي، وهو من أعظم المنح الإلهية التي يمنُّ الله بها على المؤمنين من عباده، وهو سرُّ الثبات، ومصدر القوة، وأداة النصر، ومن تدبر في سير الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين يجد أن العامل الحاسم في نجاح دعوتهم هو العون والتأييد الإلهي.

التأييد الإلهي ومظاهره

والتأييد الإلهي بأن يعين الله تعالى عباده المؤمنين وتقويتهم بكل ما يثبتهم على الحق ويعينهم عليه، وقد جاء في التعبير القرآني بألفاظ متنوعة، منها لفظ التأييد والولاية والكفاية والحماية والتثبيت والنصر والمدد والتوفيق والحفظ.. وغيرها.

فالتأييد الإلهي يشتمل على جميع ما يمد الله به عباده من أسباب الثبات والقوة والهداية والنصر.

أما مظاهر التأييد الإلهي للمؤمنين، فهي:

1- الإمداد بالسكينة والطمأنينة:

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي ‌أَنْزَلَ ‌السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الفتح: 4)، وقال عز وجل: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ‌فَأَنْزَلَ ‌السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح: 18)، فالسكينة هي النعمة التي يملأ الله بها قلب المؤمن عند الخوف أو القلق فيطمئن ويثبت على طريق الله رب العالمين.

2- الهداية والتوفيق:

قال تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ ‌اهْتَدَوْا هُدًى) (مريم: 76)، وقال أيضاً: (وَالَّذِينَ ‌اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: 17).

3- التثبيت عند الشدائد:

قال تعالى: (‌يُثَبِّتُ ‌اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: 27).

4- الحماية من الضرر:

يؤيد الله عباده المؤمنين بالحماية والحفظ من الضرر؛ (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ‌لَا ‌يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (آل عمران: 120)، وفي مسند أحمد بسند صحيح عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ ‌يَحْمِي ‌عَبْدَهُ ‌الْمُؤْمِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ تَخَافُونَ عَلَيْهِ».

ومن مواقف الحماية من الضرر ما رواه ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك، قال: كان رجل من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يكنى أبا معلق، وكان تاجراً يتجر بمال له ولغيره، وكان له نسك وورع، فخرج مرة فلقيه لصّ متقنع في السلاح، فقال: ضع متاعك فإنّي قاتلك، قال: شأنك بالمال، قال: لست أريد إلا دمك، قال: فذرني أصلي، قال: صلّ ما بدا لك.

فتوضأ، ثم صلى، فكان من دعائه: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالاً لما يريد، أسألك بعزتك التي لا ترام، وملكك الّذي لا يضام، وبنورك الّذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني- قالها ثلاثاً، فإذا هو بفارس بيده حربة رافعها بين أذني فرسه، فطعن اللص فقتله، ثم أقبل على التاجر، فقال: من أنت؟ فقد أغاثني اللَّه بك، قال: إني ملك من أهل السماء الرابعة لما دعوت سمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت ثانياً فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت ثالثاً فقيل: دعاء مكروب، فسألت اللَّه أن يوليني قتله. (الإصابة في تمييز الصحابة، 7/ 314).

5- النصر على الأعداء:

قال تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي ‌أَيَّدَكَ ‌بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: 62)، وقال: (‌وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ‌يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7).

6- الإعانة بالملائكة:

من أهم مظاهر التأييد الإلهي أن يعين الله عباده بالملائكة المقربين، ويظهر ذلك في تسخيرهم لحفظ المؤمنين، حيث قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ {10} كِرَاماً كَاتِبِينَ {11} يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الانفطار)، كما يأمر تعالى الملائكة بتثبيت المؤمنين وإعانتهم في ميادين الجهاد، قال عز وجل: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ ‌فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأنفال: 12)، وقال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال: 9).

7- التأييد بالمؤمنين:

قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: 62)، وقد جعل تعالى صحبة المؤمنين معينة على سلوك الطريق المستقيم، وهذا فضل من الله وتأييد لعباده المؤمنين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَكُونُوا ‌مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: 119).

أسباب التأييد الإلهي

1- تحقيق الإيمان: قال تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا ‌نَصْرُ ‌الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: 47)، وقال أيضاً: (‌وَلَنْ ‌يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء: 141)، فكلما تمسك المؤمن بدينه وتحقق بإيمانه كان أهلاً لتأييد الله وتوفيقه.

2- التحلي بالصبر والتقوى: قال تعالى: (وَإِنْ ‌تَصْبِرُوا ‌وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (آل عمران: 120)، وقال أيضاً: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ {124} بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (آل عمران)، وقال سبحانه: (‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌مَعَ ‌الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: 128)، والمعية هنا هي التأييد والتثبيت والإعانة والرعاية.

3- السعي لنصرة الدين: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ ‌يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7).

4- الاستقامة: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ {30} نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت)، وقال عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ {13} أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأحقاف).

5- الدعاء والاستغاثة: قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ‌أُجِيبُ ‌دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186)، وقال أيضاً: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال: 9)، وقال عز وجل: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ‌ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)، وقال سبحانه: (أَمَّنْ يُجِيبُ ‌الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل: 62).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة