التبرع بالدم.. شروطه وضوابطه وعلاقته بالتبرع بالأعضاء
تعد مسألة
التبرع بالدم من المسائل الشرعية التي تطرح نفسها بقوة على الساحة الشرعية، وذلك
لأسباب عديدة، منها:
1- نقل الدم إلى
مريض يساوي في كثير من الأحيان إحياء نفس وإنقاذها من الهلكة، فالقول بحرمة نقله تعطيل
لسبب الحياة لها وحكم عليها بالهلاك والله جل وعلا يقول: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا ۚ) (المائدة: 39).
2- كثرة
الاحتياج إلى الدم في علاج المرضى خاصة في الحوادث والإصابات مع سهولة التبرع به،
وسهولة التداوي به.
3- الدم مادة
متجددة ينتجها الجسم ويعوض فقدها خاصة مع مراعاة تناول أنواعٍ من الأطعمة والأشربة
والحالة الصحية الجيدة للمتبرع فلن يترتب على التبرع به فقد عضو لصالح الآخر، بل
هو إعطاء مما يقدر على تعويضه.
ومن هنا كان لا بد
من نظرة فقهية مقاصدية يُستحضر فيها أصول الشريعة للوصول لحكم منضبط لهذه المسألة.
جذور مسألة التبرع بالدم وما تقوم عليه وإشكاليتها
مسألة التبرع
بالدم إذا نظرنا إليها وجدنا أنها تتعلق بثلاثة مسائل رئيسة، هي: حكم الدم من جهة
النجاسة والطهارة، حكم التداوي بالمحرم والنجاسات، أثر الضرورة والحاجة في تغير
الحكم الأصلي للمسألة.
المسألة الأولى: نجاسة الدم وطهارته:
نجد سيلاً من
أدلة القرآن والسُّنة وإجماع الأمة الذي ينقله ما يقارب من 17 إماماً على نجاسة
الدم منهم الإمام أحمد، وابن حزم، وابن عبد البر، والنووي، وابن العربي، والحافظ
ابن حجر.. وغيرهم. (مراتب الإجماع (1/ 19)، التمهيد لابن عبد البر (22/ 230)،
المجموع شرح المهذب (2/ 576) فتح الباري (1/ 420)).
وعلى الرغم من
ذلك، ذهب بعض المتأخرين كالشوكاني، وصديق حسن خان، والألباني، وابن عثيمين، إلى القول
بطهارة الدم، معللين بعدم ثبوت الإجماع ولا الأدلة التي تقطع بنجاسته. (السيل
الجرار (1/ 31)، الروضة الندية (1/ 46)، تمام المنة للألباني، ص51).
فعلي فرض القول
بالطهارة يكون لا إشكال في هذه الجزئية، أما على قول الجماهير الذي نقلت عليه
الإجماعات: فالدم نجس، وعليه يكون إدخاله إلى جسم الإنسان إدخال نجاسة إليه، وهذا
حرام معلوم الحرمة بما جاء من أدلة في اجتناب النجاسة والأمر بتطهيرها، ومن هنا
ننتقل إلى حكم التداوي بالمحرم، وهو الأصل الثاني الذي ترجع إليه المسألة.
المسألة الثانية: حكم التداوي بالمحرم والنجس:
اختلف العلماء
في ذلك على تفصيل طويل بينهم: فهم ما بين مبيح للتداوي بمحرم؛ خمراً كان أو غيره
بشروط وتفصيل كالحنفية مثلاً، ومفرق بين حكم التداوي بالخمر وغيرها من النجاسات،
فيمنع التداوي بالخمر ويجوّز التداوي بباقي النجاسات، كما هو مذهب الشافعية، وحكى
النووي أنه ما قطع به الجمهور. (المجموع للنووي، 9/50)، ومفرق بين حكم التداوي
بالخمر المخلوط بغيره من الطاهرات، والتداوي بالخمر الخالصة. (الفقه الإسلامي
وأدلته للزحيلي، 4/ 2609).
وبناء على ما
تقدم من هذه المسألة، فالتداوي بالنجاسات جائز متجه منقول عن جمع من العلماء
والمذاهب، وإن كان له شروط عندهم وتفصيل كما تقدم، بل إن كانت هذه النجاسة غير
الخمر أو غير مسكر عموماً فقد نقل النووي جوازه عن الجمهور.
المسألة الثالثة: الاضطرار إلى التداوي بالمحرم:
وهذا فيه
القاعدة المعروفة: «الضرورات تبيح المحظورات»؛ حيث جاء النص عن جمع من الفقهاء
بجواز تعاطي الدم في حالة الاضطرار، قال النووي في «المجموع» (9/ 50): «إذا اضطر
إلى شرب الدم أو البول أو غيرهما من النجاسات المائعة غير المسكر، جاز شربه بلا
خلاف.. إلى أن قال: وإنما يجوز التداوي بالنجاسة إذا لم يجد طاهراً يقوم مقامها،
فإن وجده حرمت النجاسة بلا خلاف، وعليه يحمل حديث: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما
حرم عليكم، فهو حرام عند وجود غيره، وليس حراماً إذا لم يجد غيره».
وقال العز بن
عبدالسلام في «قواعد الأحكام» (1/ 95): «جاز التداوي بالنجاسات إذا لم يجد طاهراً
يقوم مقامها؛ لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة».
وبناء على ما
سبق، يكون التبرع بالدم من التعاون على البر والتقوى ومن الإحسان إلى الناس وبذل
الخير لهم ومن تفريج الكرب عن الناس، وكونه نجساً -على قول الجمهور- لا يمنع من
التبرع به واستعماله في حالات التداوي والاضطرار إليه.
قال العلامة بكر
أبو زيد: إن كلمة الفقهاء استقرت على جواز التبرع بالدم بمجموعة من الشروط
والضوابط.
ضوابط وشروط التبرع بالدم
جاء في فتاوي
دار الإفتاء المصرية رقم (8381) إباحة التبرع به، وذلك بالضوابط والشروط الآتية:
1- وجود
الضرورة، كأن يكون بعض الناس أو الأفراد في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى كميات من الدم
لإنقاذ حياتهم من الهلاك أو الإشراف على الهلاك؛ كالحوادث والكوارث والعمليات
الجراحية.
2- أن يكون
التبرع بالدم مُحَقِّقًا لمصلحة مُؤكدة للإنسان من الوجهة الطبية، ويَمنع عنه
ضررًا مؤكدًا.
3- ألَّا يؤدي
التبرع بالدم إلى ضررٍ على المُتَبَرع كليًّا أو جزئيًّا، أو يمنعه من مزاولة عمله
في الحياة ماديًّا أو معنويًّا، أو يؤثر عليه سلبًا في الحال أو المآل بطرق مؤكدة
من الناحية الطبية.
4- أن يتحقق
بالطرق الطبية خلو المُتَبَرِّع بالدم من الأمراض الضارة بصحة الإنسان؛ لأنه لا
يجوز شرعًا دفع الضرر بالضرر.
5- أن يكون
المتبرع بالدم إنسانًا كامل الأهلية.
وزاد في فقه
النوازل (2/ 49):
6- عدم وجود
بديل له مباح (يعني للدم).
7- أن تكون
التغذية به بقدر ما ينقذه فالضرورة تقدر بقدرها.
8- توفر رضا
المأخوذ منه وطواعيته.
حكم بيع دم الآدمي
ويضاف إلى ما
سبق من شروط: كون التبرع بالدم بغير مقابل مادي متفق عليه فلا يجوز بيع الدم، وهذه
المسألة قررتها دار الإفتاء المصرية وغيرها من مجامع الفقه وإن لم يذكروها في
الشروط والضوابط؛ لأن لفظ التبرع بالدم يفيد كون المتبرع لا يأخذ مقابلاً متفق
عليه، وإلا لصار بائعاً للدم وليس متبرعاً به، وبيع الدم حرام إجماعاً كما نقله
غير واحد من العلماء للحديث الذي أخرجه الإمام البخاري من حديث عَوْن بن أبي
جُحَيْفَة، عن أبيه؛ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن ثمن الدم».
قال الإمام ابن
حجر العسقلاني في «فتح الباري» (4/ 427): «والمراد تحريم بيع الدم؛ كما حرم بيع
الميتة والخنزير، وهو حرامٌ إجماعًا؛ أعني بيع الدم وأخذ ثمنه».
علاقة التبرع بالدم بالتبرع بالأعضاء
يلحق بعض
الباحثين مسألة التبرع بالدم بمسألة التبرع بالأعضاء ويجعلهما في الحكم سواء، وهذا
لا إشكال فيه عند من يقول بجواز التبرع بالأعضاء بشروط جوازه، لأن النتيجة
النهائية للحكم فيهما الجواز، إنما تظهر المشكلة عند من يتبني القول بعدم جواز
التبرع بالأعضاء، حيث يبني على ذلك عدم جواز التبرع بالدم تبعاً لذلك، وفي هذا نظر
وعدة فوارق تجدر الإشارة إليها:
1- أن الدم
متجدد في الجسم ينتجه ويعوضه عند فقده، فإلحاقه بعضو غير متجدد عند فقده كلياً أو
جزئياً هو أمر خاطئ، والفارق فيه معتبر شرعاً.
2- التأثير
الحاصل عند التبرع بالدم لا يقارن بالتأثير الحاصل عند التبرع بأعضاء الجسم الأخرى
غير المتجددة كالكلى مثلاً.
فالفارق واضح
هنا في كيفية التبرع، ومدى تأثر الجسم بفقده، وفترة تعافي الجسد منه بعد التبرع،
وأثر هذا التبرع على حياة المتبرع نفسياً وجسدياً.
3- أن الشرع
أثبت فوائد جمة عند طرح الجسم لبعض الدم استشفاءً كما في الحجامة، وإن كانت
الحجامة أمراً خاصاً، لكن يستفاد منه ذلك.
ونظراً لظهور
هذه الفوارق ووضوحها عد البعض مسألة التبرع بالدم بشروطها من قبيل الاغتذاء وليس
من قبيل التداوي أصلاً، فقد جاء في كتاب «فقه النوازل»: «والمدرك الفقهي لهذه
المسألة الذي ينفي الاضطراب ويقطع اختلاف الأقوال هو أن نقل الدم من إنسان إلى آخر
في إطار الشروط المذكورة ومن أهمها «الاضطرار»؛ هو من باب الغذاء لا الدواء.
إن التبرع بالدم
وفقاً للشروط والضوابط الشرعية مباح، وبجواز التبرع به جاءت فتوى دار الإفتاء
المصرية (8381)، وفتوى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (65) في 7/ 2/
1399هـ، وفتوى اللجنة الدائمة للفتوى بالمملكة العربية السعودية (25/ 68)، والله
أعلم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً