التجديد الحضاري.. وأزمة الهوية

عباده

06 يونيو 2016

66

التجديد الحضاري.. وأزمة الهوية

لقد حبا الله "شرقنا" وضعاً إستراتيجياً، ووهبها في الجملة مناخاً محفزاً وجمالاً مفتحاً للذوق الحضاري؛ لتتبوأ مقاماً مرجعياً، وتشتد الحاجة اليوم إلى مثل هذه المرجعية التي تتعالى على الصغائر والضغائن، وتنظّر لتفكيك أزمة الإنسان، وتحل إشكالياته بالحكمة البالغة، وتقوده بالموعظة، وتجمع شتاته بالأطر الجامعة، فالعالم يعاني فراغاً معنوياً لا تملؤه الفلسفات النظرية بل لا بد من تفريج الهم الوجودي، وفك اختناقات الحضارة، وإعطاء وهج جديد للإنسان الذي يكاد يرتمي وخاصة شريحة الشباب في حالة من العدمية والمادية والنسيان واللاأبالية والغفلة.

إن اللجوء إلى التعليم الذي لجأ محمد عبده إليه بإمكانه أن يحمي في الأقل البنية الداخلية للوجود الإنساني، وذلك شيء ليس بالقليل في عصر "التشيؤ" الذي حذر منه أمثال المفكر الجزائري مالك بن نبي، ويصحح معادلة الأفكار مع الأشياء، والأشخاص.

إنه على الرغم من فراغ يعانيه الحيارى رهيب؛ فراغ ميتافيزيقي، وفراغ وجداني، وتفكك اجتماعي، وهبوط أحياناً في سقف القيم، مما يستدعي نفيراً يملأ الأودية، وادي الحيرة الذي أشار إليه العطار، ووادي العشق الذي ركز عليه الرومي، ووادي هشاشة الشخصية والدوغمائية التي يتسم بها العصر الحديث.

لقد قرأت كتباً مترجمة مثل "انتحار الغرب"، و"آلام العقل الغربي" فوجدت أنه لا بدّ من فكر جديد يتجاوز مرحلة الانبهار بالغرب والشرق، وإن كنا لا نغمط الغرب في تجلياته التنظيمية والتقنية والمعرفية، لكن الإلحاد يضغط في وسائل التواصل الاجتماعي ليحرم الإنسان من الرجاء، ويفقده الثقة بقوانين أودعت في بناء الطبيعة وتجليات إلهية في أعماق الذات الواعية، ونحن الآن بحاجة إلى متابعة التجديد، والإجابة المفعمة بالأمل والحيوية عن أسئلة العصر بمنهجية عقلانية لا تتكئ على التراث وحده والأسلوب الدفاعي الكلاسيكي، بل على المنطق والبداهة والتفكيك والسيولة في شرايين الفكر، وكذلك تأصيل قيم تفك اختناقات الحياة المعاصرة، وتقود المسيرة نحو آفاق تنأى بأصحاب الرسالات عن الانغلاق والتوقف الحضاري والانكفاء على الذات، بالسهل الممتنع من الخطاب.

إن الإيمان بالله واستلهام فكر يتأطر بإطاره لهو ضرورة حتمية، وعلى طريقه أسس بعض الرواد خطاباً يمكن تجديده مثل خطاب لسعيد النورسي الذي برز في زمن صعب، مؤكداً التقاء حضاري وتثاقف ديني بين الشرق والغرب، لكن غلب عليه التحذير من سلطة علاقات عدم التكافؤ بين الحضارتين، وقد ركز بعض المجددين لفكره على أن حضارة الغرب تراث إنساني مشترك، وأنه لا بد لكل حضارة من: إنسان مؤهل + دولة حرة مستقلة + رأسمال ثمين هو الزمن، مركزاً على الحوار الحضاري واللاعنف، كما تظهر لديه نظرة استيعابية للمدارس الثقافية والفكرية، وعرف الثقافة بأنها: مجموع المفاهيم المختلفة وسبل التفكير المتنوعة، وأوجه الرؤية المتعددة، والتصورات الفنية والقيم الأخلاقية المرتبطة كل منها بتفسير مختلف، وقدم رؤية استشفافية للحضارة تقدم الفكر وتعطيه أولوية وكذلك الإرادة، مما ذكرنا بكتاب شوبنهاور "العالم فكرة وإرادة".

لقد ساهم كتَّاب عديدون في إثراء الفكر الحضاري وتأصيله من خلال دراسات حضارية وفكرية ذات سمة توفيقية، منهم إقبال الذي رأى أن الحضارة الإسلامية نشأت بتعاون الشعوب الآرية والسامية، وأنها تجمع بين الرقة والصلابة، والحضارة عنده إعلاء من شأن العقل والاجتهاد، وتجديد التفكير الديني، والنزعة العالمية، وفقاً للقراءات الغربية للفلسفة خاصة نيتشه الذي أعلى من شأن الإرادة والأمل والعشق والعرفان والقوة، وقد رأى أن للحضارات قوانين قيامها وسقوطها كالمعادلات الخلدونية من البداوة للحضارة، من الفتح إلى الترهل، من السيف إلى الكأس، من التقشف إلى البذخ، كما أن من عوامل النهوض الحضاري عنده: الفن والتربية، والعلم والمرأة، والإيمان، وخير الدين التونسي ودعوته في أقوم المسالك إلى التأسيسات الحديثة والعدالة ملخصاً تاريخياً تقدم أوروبا السياسي والحضاري، وأن تقدم الغرب ليس ظاهرة جغرافية وتاريخية أو دينية خاصة بها.

وسار على دربهم كتَّاب معاصرون أكدوا القيم في البناء الحضاري، ناعين على إطلاق الشهوات إلى حد زائد، وتعبيد الإنسان للآلة، وازدواجية معاييرهم الحداثية في التعامل مع حضارة المنطقة ومصالحها، وغيرهم ترسموا تجربة تاريخية في البناء العضوي والمنفصم عن المجتمع الأم ثم العودة إليه لإعادة تشكيله فوقياً، فلم يحالفهم التوفيق ولم يستوعب خطابهم كثيراً من المكونات.

د. محمد عمارة دعا إلى مبادئ عامة لتأسيس الحضارة وإعادة شهودنا الحضاري وخلاصتها: تمحيص التراث، وأخذ العناصر العقلية والفلسفية الصالحة منه، وتفعيل المبادئ الحضارية فيه، مع التفاعل "الراشد" ومن موقع الثقة بالمنهج مع الآخر الأكثر تقدماً، والاستمرار في التجديد لبلورة فكر قادر على أن يكون هوية فكرية، وفلسفة تجديدية تستجيب لقضايا العصر ومشكلاته وتحدياته.

بينما رأى البوطي أن الحضارة ثمرة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة، فهو وإن كان ذا توجه سلفي لكنه له منحى تجديدي بتركيزه على قضية التفاعل الذي تتغير منتجاته يوماً بعد يوم، ود. عبدالوهاب المسيري دعا إلى قيم ضابطة وممنهجة للنشاط كرد فعل لما لاحظه في مغتربه من عبثية ولذائذية وعدمية ومخدرات تحدث عنها الكاتب الأمريكي جيفري لانج،، وقد فاتح المسيري يوماً ما توفيق الحكيم في دعوته إلى منهج فلسفي "مستقل"، أنكره عليه الحكيم! بينما استدرك المسيري على دعوة الحكيم كما طه حسين إلى الأخذ بالحضارة الغربية بحذافيرها، واستدرك عليها بأن هذه الحضارة تغطي آلاف السنين وعشرات الأنساق الخلقية والتاريخية وشتى الدول بخصوصياتها وحقبها التاريخية، ولا بد من تحقيبها وأخذ النافع منها فقط، كما جادل لويس عوض بأن نقل آخر ما وصل إليه الغرب ليس منهجياً لأنه قد لا يكون أعظم ما توصل إليه الغرب! وبيّن له أن العصور الوسطى الغربية في عقودها الأخيرة أكثر تركيباً وقرباً من مشكلاتنا المعاصرة، وأكد جوانب مضيئة في حضارتنا مثل العلاقة بين السعادة والتقدم، والدين والهوية، والمطلق والزمني، والمادي والمحسوس، والغيبي، وأن الفردوس الأرضي ليس في التقدم المادي وحده.

أما مشروع مالك بن نبي الجزائري الذي تأثر بأجواء فرنسا الثقافية، فقد ركز على الجانب الإنساني والمادي والفكري والزمني حسب هذه المعادلة: إنسان + تراب + وقت = حضارة، ووضع شروطاً للنهضة مركزاً على تجاوز نقطة ضعف بشرية وهي القابلية للخنوع، كما أبرز دور التحديات الخارجية الطبيعية، والبشرية، في صنع حضارة ما، وقسّم العوالم الأساسية التي تبني التاريخ الذي بدوره يصنع الحضارة إلى ثلاثة عوالم: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأفكار، بينما أكد د. حسين مؤنس نفعية الحضارة وتحسينها لظروف الحياة الواقعية لأهلها.

وفي إيران، كان د. علي شريعتي قد دعا إلى العودة إلى الذات بعناصر ذات مسحة دينية ومذهبية مع رؤى محدثة، كما دعا إلى توليفة حضارية مركبة من: حكمة الشرق وروحه، وسيف قيصر، وقلب باسكال، ومعرفة ابن سينا، مع المحبة والعقل، ذكرنا بمقولة لأبي حيان التوحيدي الذي رأى أنه "نزلت الحكمة على رؤوس الروم، وألسن العرب، وقلوب الفرس، وأيدي الصين".

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة