التحول السلبي لشخصية التاجر.. بين الشرف والنفوذ في الدراما العربية

د. صفاء البيلي

01 ديسمبر 2025

221

أحدث التحول الاقتصادي الذي شهدته المنطقة العربية، وبالأخص منذ بدايات الانفتاح والطفرة النفطية خاصة في دول الخليج، تحولات جذرية في شخصية التاجر عبر تنويعات الدراما العربية.

فالصورة التقليدية للبطل كانت تجارته القائمة في السوق على كلمة الشرف ودفء العلاقات الإنسانية والفطرية والأمانة، وجد نفسه مجبراً على التحول إلى كيان رجل الأعمال الحديث الذي يعتمد على المضاربة والنظام والهيكلة المؤسسية وسلطة النفوذ.

هذا الانتقال العنيف كأنما اقتلع جذوره من منابتها وحمله إلى عالم مُعَلب معزول؛ وقد التقطت الأعمال الدرامية هذه اللحظة الفاصلة، مجسدة الثمن الباهظ الذي يُدفع ثمناً لهذا الصعود؛ إذ تنتهي الحال بالبطل غالباً وقد حقق انتصاره المادي، لكن حياته الحقيقية تتحول إلى سجن وشعور بالاغتراب داخل بوتقة نجاحه، الأمر الذي يرسم مسارًا دراميًا ذا دلالات أخلاقية واجتماعية مغايرة.

المسرح.. والتاجر المتحول

ظهر هذا التحول الاقتصادي لشخصية التاجر عبر المسرح، لقدرته على تعميق الصراع النفسي والأخلاقي للشخصية، فقد استلهمت كثيراً مسرحية «موت بائع متجول» التي كتبها آرثر ميلر (عام 1949م)، التي من خلالها صوّر البطل ويلي لومان، وهو بائع متجول يتم سحقه تحت وطأة عالم الأعمال الحديث الذي لا يعترف إلا بالإنتاجية.

كما تُظهر مسرحية «تاجر البندقية» لويليام شكسبير (1596 – 1599م) التي تم استلهامها وتقديمها عربياً تحولاً مبكراً لسلطة المال، متمثلاً في هيمنة العقد القانوني عبر شخصية شايلوك (المُرابي)، على الأعراف التقليدية وكلمة الشرف التي كانت أساس التعاملات التجارية لشخصية التاجر السوية.

ولكن المسرح المصري ركز بشكل أكبر على نقد الظاهرة الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن هذا التحول، بدلاً من تتبع سيرة ذاتية فردية لتاجر بعينه، خصوصاً في فترة الثمانينيات والتسعينيات لتظهر شخصية الانتهازي أو المُستغل كرمز للتاجر أو الشخص الذي تحول لرجل أعمال بطرق غير مشروعة، بدلاً من المرور بمراحل التحول بشكل طبيعي.

ويمكننا استخلاص بعض النماذج المسرحية التي تعكس ذلك عبر الصراع الطبقي وصراع الأجيال، التي تكون فيها شخصية التاجر أو رجل الأعمال المحرك للصراع الدرامي كما في بعض أعمال الكاتبين لينين الرملي، وسمير خفاجي، مع التركيز على الجانب الساخر من عملية التغيير الاجتماعي.

وفي السياق العربي، ارتبط تحول هذه الشخصية في المسرح بانتقاد الأنظمة المستبدة وفساد النفوذ، خاصة في مسرحيات الكاتب السوري سعد الله ونوس التي ظهرت في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي، مثل «مغامرة رأس المملوك جابر» (1970م)، التي لا تركز على تاجر بعينه، بل ترسم البيئة الاجتماعية والسياسية التي تكرس لسلطة النفوذ والمال، وتبيّن كيف أن من يحاول الصعود يجد نفسه مضطرًا لأن يتبنى قواعد اللعبة الجديدة.

أما المسرح الخليجي، فقد انتقد مباشرة ثقافة الثراء المفاجئ وصراع الأجيال بعد ظهور النفط بخاصة في الكويت، عبر مسرحية «باي باي لندن» (1981م)، التي قدمت نقداً لاذعًا للتحولات التي طرأت من خلال المقارنة الضمنية بين شخصية التاجر السوية وتهور رجل الأعمال الجديد الذي لم يتدرج في كسب الثروة.

وهو ما يدل على أن المسرح الخليجي تناول هذا التحول كنوع من الصراع على الهوية والحيرة بين التمسك بالقيم والمثل العليا والانجراف نحو لغة المال المجردة.

الدراما التلفزيونية.. الانتهازية والنفوذ

ارتبطت الدراما التلفزيونية بهذه الثيمة بشكل كبير خصوصاً مع التحولات التي أعقبت حرب أكتوبر وانتشار سياسة الانفتاح الاقتصادي، لتصبح شخصية رجل الأعمال رمزاً للنفوذ المالي والفساد، كما في مسلسل المصري «الريان» (2011م) الذي يتناول قصة صعود أحد أشهر رجال الأعمال وهو «أ. ا»، راصداً تحوله من تاجر بسيط إلى قطب مالي ضخم، يتحكم في سوق توظيف الأموال، معتمداً على استغلاله للثغرات الاقتصادية، ليصبح تحوله المالي مرهوناً بسقوطه الأخلاقي وانتهاكه للقوانين.

ولا ننسى ثلاثية «الدالي»، الجزء الأول (2007م) والتي ترصد صعود سعد الدالي الذي بدأ حياته متواضعاً ليصبح أحد كبار رجال الأعمال في مجال المقاولات، بعدما يؤمن بقواعد جديدة للصراع من ضمنها الدخول في معارك نفوذ وسلطة تتجاوز حدود الأعمال النزيهة.

أما الدراما الخليجية، فعالجت هذا التحول عبر صراع مباشر بين جيلين تجاريين وتأثير الثراء النفطي المفاجئ؛ من خلال المسلسل الكويتي «إلى أبي وأمي مع التحية» (1979م) فعلى الرغم من كونه عملاً اجتماعياً، فإنه أظهر مدى التغيُّر في طبيعة العمل والتحول من مفهوم الرزق التقليدي إلى الاندفاع نحو الوظائف الجديدة التي أفرزها المجتمع الحديث.

فظهرت مسلسلات «العائلات التجارية الكبرى» بالكويت خلال التسعينيات حتى بداية الألفية مثل مسلسل «القرار» و«دارت الأيام» ليتم خلالها رصد صراع الورثة، حيث نرى الأب المؤسس للتجارة الذي بنى ثروته من كده وتعبه سواء كان ذلك من صيد اللؤلؤ أو التجارة التقليدية التي انبنت على الأمانة، بينما يمثل الابن رجل الأعمال، خريج الجامعات الأوروبية، الذي يسعى لعولمة الشركة خلال أعمال البورصة والمشاريع العقارية؛ الأمر الذي يصنع صراعاً طاحناً حول أخلاقيات المهنة والتمسك بالأصل والهوية التجارية.

وكذلك وجه المسلسل الكويتي «سوق المقاصيص» (2000) نقداً لاذعاً وصريحاً لظاهرة الأثرياء الجدد الذين ظهروا من خلال جمع الثروة السريعة، التي تتنافى مع القيم ويقارنها ضمنياً بأخلاقيات الماضي، وهو ما يجعله بمثابة وثيقة تعكس رفض المجتمع للتغيرات السلبية التي طالت مفهوم الثراء.

السينما.. الثيمة لا الشخصية

جسدت السينما العربية تلك التحولات عبر التركيز على الثمن الأخلاقي الذي تدفعه الشخصية مقابل صعودها المادي؛ ففي مصر تكرار لثيمة السعي للارتقاء الاجتماعي في أفلام منها «بياعة الجرايد» (1963م) وفيه تصوير للصراع الطبقي لشخصية التاجر الذي يحاول تغيير وضعه المهني والاجتماعي على حساب أخلاقياته.

كما تناولت الأفلام المصرية في فترة ما بعد الانفتاح، خاصة الثمانينيات والتسعينيات؛ شخصيات عادة ما تكون منفصلة عن جذورها أُثريت عبر طرق ملتوية، فظهر نموذج رجل الأعمال الانتهازي في فيلم «حتى لا يطير الدخان» (1984م) الذي تحول فيه الشاب الفقير إلى ثري وتوحش لينتقم بقسوة ممن ظلموه.

أما فيلم «عمارة يعقوبيان» (2006م)، فقدم نموذجاً صارخاً لهذا التحول عبر شخصية «الحاج عزام» الذي بدأ حياته رجلاً عادياً لكنه صار رجل أعمال وتاجراً ذا نفوذ من خلال استغلال وسائل الانفتاح وطرقها الملتوية، ومثالاً حاداً للرأسمالية الانتهازية التي وُلدت من رحم التحولات الاقتصادية المضطربة آنذاك.

وفي سياق السينما الخليجية، فليس لدينا نماذج مباشرة ترصد تحولات هذه الشخصية بوضوح، وكان الاعتماد في ذلك على الدراما التلفزيونية فتناولت أفلام المراحل الزمنية السابقة، مثل الفيلم الكويتي «بس يا بحر» (1972م)، بساطة وقسوة حياة التاجر (الغواص)؛ ما يجعلها النموذج الدرامي النقيض لنموذج رجل الأعمال المرفه الذي ظهر فيما بعد، بينما ركزت الأفلام الخليجية الحالية على آثار هذا التحول ومعالجة قضايا الفساد والنفوذ، وتمثيل رجل الأعمال للقوة الاقتصادية التي هي نتيجة طبيعية للطفرات التي طرأت على المجتمع.

نماذج مشرقة.. ولكن!

على الرغم من سيطرة نماذج الفساد على الكثير من الأعمال الدرامية، فإنها قدمت نماذج مشرّفة للتاجر الذي تحول إلى رجل أعمال محافظاً على نزاهته وقيمه، مثل المسلسل المصري «عائلة الحاج متولي» (2001م)، ومسلسل «محمود المصري» (2004م)، فمثل هذين النموذجين يؤكدان أن الصعود الاقتصادي والقوة والنفوذ يمكن أن تكتسب بالجد والاجتهاد والأمانة، وليس بالضرورة بالتلاعب والفساد الذي سيطر بقوة على النماذج الأخرى.

ولا يفوتنا أن نتساءل: هل يمكن اعتبار أغلب النماذج الدرامية العربية التي رصدت هذا التحول نماذج تحذيرية أو نقدية لآثار النظام الاقتصادي المنفلت والثراء السريع؟ أم أنها رصد حقيقي وواقعي لهذه الصورة التي ستمثل حينئذ خطرًا على المجتمع وقيمه؟



اقرأ أيضاً:

المُعلِّم.. من أيقونة إلى مادة للسخرية في الدراما العربية!

صورة رجل الدين في الدراما والسينما العربية

خطيب المنبر في الأعمال الفنية.. رؤية نقدية

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة