التذوق الأدبي بين المبدع والمتلقي والناقد

التذوق الأدبي بين المبدع والمتلقي والناقد

تروج عبارة: «التذوق الأدبي» بين جمهور القرَّاء والدارسين والناقدين، على أنهم يختلفون اختلافًا واسعًا في تحديد مفهومه ومعناه بشكل واضح، والسرّ في هذا الاختلاف: هو الاقتصار على وصف «التذوق» وفهمه من خلال زاوية جزئيّة بعينها دون سواها، فمنهم من وضع في اعتباره: الخبرة الجمالية بالعمل الأدبي، ومنهم من حدده بمدى استجابة المتلقي للعمل وتأثره به، وبعضهم اعتبره ماثلًا في مدى قدرة المتلقي على تقييم العمل الأدبيّ وتقديره.

تعريف وجيز للتذوق الأدبي

وفي رأيي أن التذوق الأدبيّ في صورته المتكاملة: هو خبرة تتكوّن لدى المتلقي من طول معايشته للأعمال الأدبيّة، يكون في وسعه – بناءً عليها – أن يفهم النصوص فهمًا جيدًا، ويميّز عناصرها الجماليّة ومكوناتها الفنيّة، وقد يبدو أثر التذوق على المتلقي في صورة انفعال عاطفي يتَّسقُ مع ما يتوخى العمل الأدبي إثارته من مشاعر؛ فيكون ذلك من قبيل السعادة مثلاً، أو الضحك، أو الحزن والبكاء، أو التعاطف، أو الازدراء، وما هو على هذه الشاكلة من المشاعر المتنوعة تبعًا لموضوع العمل الأدبي، ولا جرم أن يكون العمل الأدبي في ذروة نجاحه عندما يحرك مثل هذه المشاعر في نفوس المتلقين، وتفاعل المتلقين مع العمل الأدبي من خلال تلك المشاعر إنما هو –في حد ذاته- دليل بيّنٌ على أنهم استطاعوا تذوّقه.

التذوق عند المـُبْدع

إن المبدع هو المتذوّق الأول لما ينشئه، وهو يطوّر ذائقته الفنيّة بشكل مستمر ليرتقي بأدبه، ولطالما أجرى المبدعون تعديلات تُنَقّحُ العمل الأدبيّ بالحذف، أو الإضافة، أو إعادة الصوغ، والاحتكام إلى الذائقة دَأْبُ الشعراءِ منذ عهدٍ بعيد، يقول سويد بن كراع (ت 35 هـ):

أَبيتُ بِأَبوابِ القَوافي كَأَنَّما    أُصادي بِها سِرباً مِنَ الوَحشِ نُزَّعا

أُكَالِئُها حَتّى أُعرِّسَ بَعدَماَ     يكونُ سُحَيرٌ أَو بُعَيدُ فَأَهجِعا

عَواصي إِلاّ ما جَعَلتُ أَمامَها   عَصا مِربَدٍ تَغشى نُحوراً وَأَذرُعا

وهو يصف معاناة الشاعر في البحث عن قصيدة جيدة تُرضي ذائقته التوَّاقة إلى الحَسَنِ المـُستجاد، فيصوّر الأبيات النافرة طرائد مستوحشةً يراقبها حينًا بعد حين؛ ولا يكاد يهجع وهو يترصّدُها، وهي لا تفتأ نافرةً مستعصيةً على قريحته حتى يجد إليها سبيلاً؛ فيسوقها بعصاه وقد سلس قيادها.

اختبار الأفكار الجديدة من خلال التذوق

وقد يتحمس الشاعر لفكرة أدبيّة، ثم يُخضعها لذوقه الخاص فلا تروق له، ومن ثمَّ يطويها عن الناس ولا ينشرها، ومن أمثلة ذلك إعجاب الشاعر عباس محمود العقَّاد في مطلع حياته بالشعر المـُرسل الذي يلزم الوزن ويتجاهل القافية، فيكون لكل بيت من أبيات القصيدة قافية مختلفة تماما عما يسبقها أو يلحقها، ثم تبين من خلال ذائقته الأدبية أنها غير مستساغة، يقول العقاد (ت 1964): «نظمت القصائد الطوال من شتى القوافي، ثم طويتها، ولم أنشر بيتًا واحدًا منها؛ لأنني لم أكن أستسيغها، ولا أطيق تلاوتها بصوت مسموع، ولا يزال اختلاف القافية بين البيت والبيت يقبض سمعي عن الاسترسال في متعة السماع، ويفقدني لذة القراءة الشعريّة والقراءة النثرية على سواء».

التذوق عند المـُتلقّي

أمَّا ذائقة المتلقي فهي –بالطبع– التي تفاضل بين الأعمال الأدبية، وتنتقي وتستمتع، ولذائقة المتلقي مستويات عديدة تتنوع وفقًا للميول والخبرات والاستعداد والثقافة... إلخ، ونذكر ثلاثًا من هذه المستويات هي: «الذوق الخاص، والذوق العام، والذوق الأعمّ».

الذوق الخاص

ويختلف التذوق الخاص ما بين فرد وآخر؛ من فرد لآخر، فلِكُل إنسان طبيعته الثقافية والفكريّة الخاصة، التي يقبل بمقتضاها ما لا يقبله الآخرون، وإذا كانت أغراض الناس متباينةً، وأذواقهم متفاوتة، فقد يميل أحدهم إلى الهابط والقبيح، فهذا ذوقه؛ لكننا لا نُعوّلُ على الذوق الفرديّ ولا نعتّد به إذا خرج عن القياس الجماليّ المطّرد؛ لأنَّ الطبع السويّ يفضّل الأجمل على الأقبح، يقول ابن الأثير (ت 630هـ): «فإن عاند معاند في هذا، وقال: إن أغراض الناس مختلفة فيما يختارونه من هذه الأشياء قلتُ في الجواب: نحن لا نحكم على الشاذ النادر الخارج عن الاعتدال، بل نحكم على الكثير الغالب».

الذوق العام

وأما الذوق العام فهو يجمع بين طائفة واسعة من المتلقين؛ لأن لهم مزاجًا خاصًا، وثقافةً مشتركةً، ولأنهم أبناء مجتمع واحد، ولأنهم –في الغالب– يتفقون في طابعهم التعليميّ، أو لأنهم أبناء مؤسسة تعليميّة واحدة؛ فنجد مثلًا طلاب جامعة الأزهر في مصر يؤثرون الشعر الكلاسيكي والتقليديّ؛ بينما قد لا يكون الأمر على النحو نفسه عند دارسي اللغة العربية في الجامعات الأمريكيّة، وقد نجد ميلًا كبيرًا عند ذوي الثقافة المحدودة للشعر الشعبيّ بطوابعه الأسطوريّة، ولا نجد هذا الميل بنفس الدرجة عند غيرهم من المثقفين والمتعلمين، كما أننا نجد ذائقة المراهق –مثلًا– تفضل الأشعار الغزليّة، وترى فيها النموذج الجماليّ الأرقى؛ بينما تغدو الأشعار الدينيّة في موضع الصدارة عند الواعظين والدعاة.

الذوق الأعمّ

وأمَّا الذوق الأعمُّ فهو مما يغلب اشتراك الناس جميعًا فيه؛ بحكم الفطرة الجماليّة السويّة التي جعلها الله شركةً بين الناس جميعًا؛ ولذا تجد السواد الأعظم من الناس يفضلون العبارات السهلة البسيطة الفصيحة على الصعبة المعقّدة المتشابكة، ويرون المجاز أقوى تأثيرًا من القول المباشر، وآية ذلك: أنّهُم يؤثرون المجاز فيما يتخاطبون به في حياتهم اليوميّة، فيقولون: «رأسه حجر»، ويقولون: «يغرق في شبر ماء»، ويقولون: «نار فلان ولا جنّة فلان»، وتلك العبارات المجازية أكثر رواجًا عندهم، وأبلغ تأثيرًا من قولهم: «عنيد»، و«قليل الخبرة»، و«فلان أحب لي من فلان»، وهم يؤثرون العبارة الموزونة عن الخالية من الموسيقى، ونحن نجد الأوزان ذات الإيقاع المطّرد في أغاني الأعراس القرويّة الساذجة، وفي نواح المآتم، وفي نداء الباعة الجوَّالين على بضائعهم.

كمون الذوق الأعم وثباته

فهذا القدر من الاستحسان تشترك فيه الفطرة الإنسانيّة السليمة، ويظل كامنًا في النفس البشرية وإن اعترت الأمة موجة من موجات الضعف والقصور والإسفاف وانحدار الذوق، ولذا تتجلى عبقرية اللغة العربيّة ت في قدرتها على النهضة والعودة إلى الحياة مجدّدًا مهما اجتاحتها عوادي الزمان، وفي التاريخ ووقائعه ما يشهد بتجاوز كبوات عصور الضعف الأدبيّ، والسمو على انحدار الذوق الأعمّ، وذلك لأن اللغة في حوزتها ذخيرة أدبية عظيمة، على رأسها كتاب الله عز وجل، وهَدْي نبيّه عليه الصلاة والسلام، وفيها تراث ذاخر خالدٌ مما أبدعه الآباء والأجداد من أفانين البلاغة والفصاحة وفنونهما.

التذوق مفتاح التواصل بين المبدع والمـُتلقّي

على أنَّ التذوق مفتاح التواصل بين المبدع والمـُتلقّي، وفي هذا الإطار يحاول المبدع أن يجعل عمله الأدبي موجّهًا، أي أنه يكون متضمّنًا لرسالة تناسب المستوى المعرفي والثقافي للمتلقي، وتتصل باحتياجاته واهتماماته، وفي هذا الصدد قد يُعدِّل المـُبدع من أسلوبه المعهود، ويتجاوز إطار ذوقه إلى إطار مختلف ليرضيَ متلقيه؛ لأنه يعرف أن للمتلقي ذوقًا مخصوصًا.

نموذج لمراعاة ذوق المتلقي

ومن أمثلة هذا الأمر أبيات بشار بن برد (ت 168هـ) التي يقولها لجاريته:

رَبَابَةُ رَبَّةُ البَيْتِ       تَصُبُّ الخَلَّ في الزَّيتِ

لَهَا عَشْرُ دَجَاجَاتٍ   وَديْكٌ حَسَنُ الصّوْتِ

فلما عوتب في هذا الشعر، وفي كونه متدنِّيًا عمَّا يقولُ من الشعر الباذخ؛ أجابَ: «لكل وجهٍ من وجوه الكلام موضع، وهذا شعر أقوله لجاريتي ربابة، وهو عندها أحسن من قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ»، ويقاس على هذا ما كتبه شاعر العربيّة الكبير: أحمد شوقي (ت 1932م) من قصائد شعريّة اختص بها الأطفال، وهي –بطبيعة الحال– مخالفة تمامًا لأسلوبه الشعري المألوف، وهذا بالطبع دليل على أن المبدع قد يغير من أسلوبه مراعاة لذوق المتلقي.

انحرافات الذوّق العام وتوابعه السلبيّة

على أنّ التذوّق العام قد ينحرف انحرافًا ظاهرًا نحو السُوْقِيّ والمبتَذل والركيك، وإذا كان الجانب الخلقي معيارا من معايير التذوق والمفاضلة بشكل عام فإننا قد نجد الروايات الجنسيّة هي الأكثر رواجًا بين مبيعات معارض الكتب، وإذا كانت الفصاحة والبيان من معايير التفضيل؛ فقد نجد بالفعل أنَّ كتبًا بالعامية المُسّفة تفتقر إلى أبجديات الفن قد راجت رواجًا مذهلًا، وحققت أرقامًا مهولة في حساب المبيعات!! فهل يعني ذلك انحدار التذوق الجماهيري؟ أم أنه يعني أن المعايير الجمالية قد اختلفت باختلاف الظرف الحضاري المعاصر؟

العبرة ليست بالكثرة

إن هذا الإقبال الجماهيري ليس مُسوّغًا للاعتراف بالأدب المنحطّ، وكما قال الحق سبحانه وتعالى في كتابه: (قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (المائدة: 100)، فالقبيح يظل قبيحًا وإن لاقى رغبةً وقبولًا، وآية ذلك وبرهانه أن القارئ يتداول تلك النصوص المـُبتذلة المـُفحشة في حيّز من السِّريّة التي لا تتفق مع اعتبارها نموذجًا جماليًا بديلاً، وليس في وسع الأستاذ أن يحيل طلابه إليها، ولا الأب أن يدعو بناته لقراءتها، ومثل هذه الأعمال إنما هي زَبَدٌ يذهب جُفَاءً، ولا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس.

الذائقة النقدية الموضوعيّة منوط بها إعادة الاتزان

على أن للناقد ذائقة أيضًا، وهو متلقٍ حصيف من بين سائر المتلقين، لأنه يمتلك ذائقة تخوّل له تقييم النصوص والمفاضلة بينها، وهو بالطبع يحاول أن يتحلى بالموضوعيّة التي تجعل من تقييمه للنصوص علمًا دون أن يتخلى عن ذاتيته وفرادته وخصوصيته، فتلك الأمور مما لا يكون في وسع الدراسات الإنسانيّة والأدبيّة خاصةً التنصل منها بشكل تام، وهذه الذائقة النقدية الموضوعيّة منوط بها إعادة الاتزان، وتوجيه الذائقة العامة.

الناقد مُطالب بتبرير ذائقته بخلاف المتلقي

على أن الرؤية الذاتية للناقد ينبغي أن تكون مُبرّرةً ومعللة، ويحاول أن يدفع بوجهة نظره من خلال أدلة مقنعة، خلافًا للمتلقي العاديّ الذي لا ينشغل بمبررات المفاضلة والتقييم، وقد لا يستطيع أن يبرر أسباب تفضيله إذا طُلب منه ذلك؛ لأنه -في الغالب- يستجيب في مفاضلته وتقييمه للحس الذاتي الفطريّ الذي اكتسبه من طول المعاينة والمتابعة والقراءة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة