فلسفة الصوم (6)

التربية بالمنع.. وبناء الإرادة

التربية بالمنع.. وبناء الإرادة

في زمن تمكنت فيه الماديات، وتوسع الناس في الرفاهيات والمباحات والملذات، حتى صار الناس ينظرون لمن يتوسع في هذه الأمور أنه هو السعيد حقاً وغابت عنا مفاهيم، وانقلبت بعض الموازين، حتى أصبحت التفاهة رُقِيّاً والخلاعة فناً، وضِعنا في وسط هذا الكم الكبير من الحياة المادية، ولم يَعُد المنع مفهوما مقبولاً وسط هذا الزخم، ولم يَعُد تهذيب النفس مقبولاً وسط هذه الوَفرة، ولم يَعُد الزهد في زماننا مقبولاً بسبب القناعات المُزينة والمُزيفة، لأن هذه القناعات تُصور لنا هذه الأمور على أنها تضييق على النفس، وكبت للمشاعر والاحتياجات، وحِرمان يُنتج عقداً نفسية.

غير أن الحقيقة تهدم هذه المفاهيم المغلوطة، فالمنع الواعي ليس قهراً، بل هو تصحيح لمسار ابتعدنا عنه طويلاً حتى ظنناه وَهْمًا، والمنع في حقيقته ليس إلغاء للرغبة ولا قتلاً للمشاعر، بل هو تهذيب ورجوع للمسار الصحيح.

التربية بالمنع.. ترشيد لا حرمان

أيام طويلة الأمد مرَّت علينا قبل رمضان ونحن نأكل ونشرب ونستلذ في كل الأوقات، متى نشاء وكيف نشاء، ومن غير ضابط ولا رابط، فيأتي الصوم ليُرسخ مفهوم التربية بالمنع، يأتي الصوم ليُعيد النفس البشرية إلى ما يضبطها ويُقومها، ويوقفها على مسارها الصحيح، فالمنع هنا ليس معناه الانغلاق عن الدنيا وترك كل ما هو متاح ومباح، بل التربية بالمنع تعني أن نُدرب أنفسنا على ألا نستجيب لكل مُثير، وألا نندفع خلف كل دافع، ولا نلهث خلف كل رغبة.

التربية بالمنع تعني أن تقول لنفسك: «لا» لما ليس ضرورياً، وأن تقول لنفسك: «لا» حينما تتعود النفس على شيء لا فائدة منه، وأن تقول: «لا» حينما يصعب على النفس ترك الاستجابة لداعي الخير، وأن تقول: «لا» حينما تشعر أن نفسك تغلبك وتقهرك لتلبية الرغبات والملذات والمباحات.

التربية بالمنع عند السلف

ومن معاني التربية بالمنع أن تكون قوياً أمام المفاتن والملذات، وأن تكون صاحب إرادة قوية أمام كل ما تشتهيه النفس، ولم يكن هذا المفهوم غائباً عن سلفنا الصالح، ورضي الله عن الفاروق الأوّاب سيدنا عمر بن الخطاب، حينما مَرَّ عليه جابر بن عبدالله بلَحْم قد اشتراه بدرهم، فقال له: ما هذا؟ قال: لَحم اشتريته بدرهم، قال: أكلما اشتهيت شيئًا اشتريته، لا تكن من أهل هذه الآية: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) (الأحقاف: 20)(1).

وكلام سيدنا عمر: أكلما اشتهيت شيئًا اشتريته، يُمثل قاعدة تربوية قوية في التعامل مع النفس البشرية لمن يريد أن يُصحح مسارها، ويُمهد طريقها، ويجعلها نفسا سَويَّة.

وإن المتأمل لهذا الأثر العمري يجد فيه معنى عميقاً لذوي المعرفة، لأن من خالط نفسه وعرفها وغاص في متطلباتها علم أنها لا تقف عند حَدّ، وليس لها نهاية قط، بل هي على صاحبها إذا استسلم لها كالنار التي لا تشبع ولا تقف على شيء، ولقد أفاد وأجاد الإمام الحبر ابن الجوزي رحمه الله في هذا الأمر حيث قال: «إن النفس لا تقف عند حدّ، بل تَرُوم(2) من اللذات ما لا مُنتهى له، وكلما حصل لها غرض؛ بَرَدَ عندها وطلبت سواه، فيَفنَى العُمُر، ويضعُف البدن، ويقع النقص، ويَرِقُّ الجاه، ولا يحصُلُ المراد»(3).

التربية بالمنع.. طريق التحرر من قيود الملذات

فالحرية الحقيقية تكون حينما يتحرر الإنسان من قيود نفسه، وتأثيرها، وتكالبها عليه، يتحرر منها حينما يُجاهدها، ويُرغمها على ما ينفعه، ولا يستسلم لها بما تريد، ويجعل شعاره أمام نفسه (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، ولا يَحسبنَّ أحدكم أن جهاد النفس شيء يسير، بل هو عسير وشديد على النفس -إلا على من أعانه الله- يقول الإمام ابن الجوزي: «أملت جهاد النفس، فرأيته أعظم الجهاد»(4).

فالمنع الواعي والمُنضبط ليس قيدًا يُوقف قطار الحياة، ويُنغص على النفس زمانها ومكانها، بل تحت راية الصوم يتحول المنع إلى طريق للحرية، لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يمنع نفسه يصير أسيراً لنزواته وشهواته، فيأتي الصوم ليفك هذا الأسر، ويُحرِّر صاحبها من العبودية، لأنه يُزود الإنسان بطاقة داخلية، وقناعة ذاتية بأنه قادرً على الترك وليس بعاجز.

التربية بالمنع.. طريق للتوازن

علم النفس الحديث يقرر أن النفس البشرية السَّوية لا تُبنى على العطاء فقط، وإنما المنع في مقابل العطاء يجعل منه إنساناً متوازناً متناسقاً، يجعله يتعامل مع المواقف، ويتحمل الصِّعاب، فالعطاء المفرط يُنشئ لنا شخصية متواكلة مدللة، والمنع غير المنضبط والمُبالغ فيه يُنشئ لنا شخصية مقهورة ذليلة، وهذا فيه من الأخطار ما الله به عليم، كما قال ابن خلدون في «مقدمته»: «ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المُتعلّمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيّق عن النّفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب، والخبث؛ وهو التّظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانيّة الّتي له من حيث الاجتماع والتّمرّن وهي الحميّة والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك بل وكَسُلت النّفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيّتها فارتكس وعاد في أسفل السّافلين».

النفس بين العطاء والمنع

إن التنشئة بين العطاء والمنع من أفضل الأساليب التربوية التي ينشأ الإنسان عليها، فالعطاء مع المنع يُغذِّي لديه الثقة والحب والأمان والعطاء والمشاركة، والمنع مع العطاء يبني عنده الإرادة والعزيمة والصبر وقوة التحمل، عطاء ينبني تحت مظلته الشعور بالأمان، ومنع يُكرس في شخصيته تحمل المسؤولية، فالتربية بين المنع والعطاء يُنمي شخصية سوية؛ لأن النفس البشرية لا تستقيم ولا تنضج بجناح واحد.

وبين العطاء والمنع تُبنى الشخصية السويَّة، التي لا تنهار عند المنع، ولا يطغى عند العطاء، يعرف أن الحياة ليس استجابة سريعة لرغباته واحتياجاته، ولا هي كذلك سجن يُمنع فيه كل شيء يشتهيه ويستلذ به، بل فيها العطاء الواعي والمنع الواقي، ميزان يُعطي حينما يكون العطاء يبني، والمنع في وقته منع لا يهدم، وتحت مظلة هذا الميزان تنمو الشخصية المتزنة، التي لا إفراط فيها ولا تفريط، شخصية تُحسن الأخذ وقت العطاء، وتستجيب للمنع حين يكون المنع هو الدواء، وتبقى ثابتة وراسخة في كِلا الحالتين على السواء.


اقرأ أيضا

الصوم تهذيب لا تعذيب

أثر الصوم في كسر المألوفات

الهوامش
  • 1 المصنف لابن أبي شيبة.
  • 2 تروم: تطلب وتشتهي.
  • 3 صيد الخاطر لابن الجوزي، ص 529.
  • 4 المرجع السابق، ص 127.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة