التغلغل «الإسرائيلي» في أذربيجان.. تقاعس عربي إسلامي أم دهاء صهيوني؟

غالباً ما يثير الحديث عن الطائفية الجدل، فالطائفية تضر بوحدة الأمة وتثير الفرقة والانقسامات.

وبالرغم أنه من الضروري تجنب الحديث عن هذا الموضوع، فإن الحالة الأذربيجانية تعد نموذجاً مغايراً للمعتاد، فالشعب الأذربيجاني ينتمي إلى العرق التركي، واللغة الأذربيجانية إحدى اللغات التركية، ورغم أن أذربيجان دولة ذات أغلبية شيعية، وأن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي ينتمي إلى هذا العرق التركي، ومن المفترض أن تجمع القواسم الثقافية والدينية المشتركة بين إيران وأذربيجان البلدين إلى أبعد حد، فإن «إسرائيل» استطاعت التوغل بعمق في هذا البلد المسلم، ونجحت في جعل أذربيجان تدعمها في حرب الإبادة على غزة، وربما بشكل غير معلن في حربها ضد إيران، ومن المثير للدهشة أن رموز الأقلية السُّنية في أذربيجان هم من أبدوا الدعم التام لإيران في حربها ضد «إسرائيل»!

مؤخراً، أشارت بعض التقارير إلى أن مسيرات «إسرائيلية» قد انطلقت من أذربيجان لمهاجمة إيران خلال حرب الاثني عشر يوماً، فقد أكد سفير إيران لدى أرمينيا مهدي سبحاني، في مؤتمر صحفي، أن طهران طلبت من باكو إجراء تحقيق حول التقارير بشأن استخدام طائرات مسيرة «إسرائيلية» للمجال الجوي الإيراني عبر الأجواء الأذربيجانية.

وأشار السفير الإيراني أن باكو أبلغت طهران بعدم السماح باستخدام أراضيها ضد إيران، لكنه شدد على صعوبة التنبؤ بتصرفات «إسرائيل»، قائلاً: من المعروف أن الكيان «الإسرائيلي» لا يلتزم بالقوانين أو الأنظمة الدولية، وقد يكون انتهك القوانين، ومع ذلك، نحتاج إلى معلومات دقيقة قبل اتخاذ أي موقف.

في العامين الماضيين، وقعت بعض الأحداث التي أدت إلى مزيد من التوتر القائم بالفعل في العلاقات بين البلدين، فقد وقع هجوم في يناير 2023م على سفارة أذربيجان في طهران، كما أعلنت باكو عن ضلوع طهران بأنشطة تجسسية ضدها، وقامت قوات الأمن الأذرية، في فبراير 2023م، بحملة واسعة ضد شبكة تجسس تعمل لصالح إيران، وفقاً للمصادر الأذرية، في باكو ومدن عدة، وداهمت مقارّ لقنوات تلفزيونية موالية لإيران، إلا أن إيران كانت تعرب دائماً عن قلقها من التوترات بين البلدين ومن التقارب الدبلوماسي الأذربيجاني - «الإسرائيلي»، ومن أن يتم استخدام الأراضي الأذرية لشنّ هجوم على أراضيها من قِبَل «إسرائيل»، وحاولت طهران رأب الصدع في العلاقات الثنائية، فقام الرئيس الإيراني بزيارة باكو في أبريل الماضي بعد سنوات من الجفاء، بسبب العلاقات الوثيقة بين أذربيجان و«إسرائيل».

لكن لم تتمكن إيران من احتواء الخلافات ورأب الصدع، فقد شهد نوفمبر 2024م نشاطًا غير مسبوق في مجال نقل الأسلحة والمعدات العسكرية من «إسرائيل» إلى باكو، حسب بعض التقارير، ومن المعلوم أن «تل أبيب» دعمت باكو بالأسلحة والمعدات في حرب القوقاز الأخيرة بين أذربيجان وأرمينيا، التي استعادت فيها أذربيجان منطقة ناغورنو كاراباخ المتنازع عليها.

أذربيجان و«إسرائيل».. تبادل الأدوار في مسابقة «يوروفيجن» الموسيقية

خلال منافسات «يوروفيجن» الموسيقية لهذا العام، رشحت أذربيجان مغنياً يهودياً ممثلاً لها يُدعى آصف ميشاييف، بينما شاركت «إسرائيل» بمغنية من أصول أذربيجانية تُدعى يوفال رافائيل، وهو ما يبدو تنسيقاً وتناغماً بين الطرفين، علاوة على ذلك، قامت أذربيجان بمنح الدرجة الكاملة للمغني «الإسرائيلي»؛ ما أدى إلى استياء إيران تجاه ذلك التقارب المتزايد بين البلدين، بينما أشاد المسؤولون «الإسرائيليون» بباكو، وشكر وزير الدفاع «الإسرائيلي» يسرائيل كاتس، في رسالة علنية الجنرال ذاكر حسانوف، وزير الدفاع الأذربيجاني، على هذا الدعم الفني، واصفاً إياه بأنها رمز لـ«الصداقة الحقيقية والصادقة» بين البلدين.

وذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست»، في مقال لها، أن العلاقات المتنامية بين «إسرائيل» وأذربيجان، ليست فقط في مجالات السياسة والأمن، بل أيضاً في المجال الثقافي؛ الأمر الذي استفز النظام الإيراني، فوصفت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية هذه العلاقات بأنها «مشينة وسرية»، بالطبع هذا التقارب في ظل العدوان الهمجي على الفلسطينيين وعلى دول عربية أخرى يثير المخاوف ويهدد مستقبل العلاقات بين الدول الإسلامية.

إيران تحذر من التقارب الأذربيجاني «الإسرائيلي»

عموماً، إيران هي أبرز من يبدي الاستياء من هذا التقارب وتحذر من عواقبه، منذ فترة وجيزة، أجرى الحرس الثوري الإيراني مناورات عسكرية بالقرب من الحدود الشمالية لإيران مع أذربيجان، وتم بث رسائل تهديد باللغة الأذرية التي تعد من اللغات التركية، وكان الشعار المرفوع هو «الطريق إلى القدس يمر عبر باكو»؛ وهو ما يعد تهديداً مباشراً من إيران.

علاقات في مجالات الطاقة والأسلحة

لا تقتصر العلاقات بين «إسرائيل» وأذربيجان على المستوى الاقتصادي والثقافي فحسب، فأذربيجان واحدة من أكبر مصدري الطاقة إلى «إسرائيل»، وقد حصلت شركة الطاقة الحكومية «سوكار»، مؤخراً، على تصريح لاستخراج الغاز من المياه «الإسرائيلية»، كما أن «إسرائيل» المورد الرئيس للأسلحة إلى أذربيجان.

وقد سارعت «إسرائيل» إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع أذربيجان منذ أبريل 1992م؛ أي بعد نحو 6 أشهر فقط من إعلان أذربيجان استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، وتبنت النخبة الحاكمة في باكو العلمانية؛ ما دفعها إلى توسيع علاقاتها مع «تل أبيب»، وأصبحت أذربيجان المورد الرئيس للنفط إلى «إسرائيل»، كما أصبحت «إسرائيل» مصدراً مهماً لبيع الأسلحة المتقدمة إلى باكو، ووفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، كانت «إسرائيل» ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى أذربيجان ما بين عامي 2011 و2020م.

تقاعس عربي وإسلامي وتوغل «إسرائيلي»

لقد تحولت البلدان الإسلامية السوفييتية سابقاً التي أهملها العرب والمسلمون ساحة للنزاع الثقافي والأمني والجيوسياسي، في منطقة تتشابك فيها المصالح والسياسة والدين والثقافة.

فبينما تخلف العرب والمسلمون عن احتواء الدول الإسلامية السوفييتية سابقاً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، سعت «إسرائيل» إلى التوغل في دول آسيا الوسطى وأذربيجان، وكانت من أوائل الدول التي أقامت علاقات وطيدة مع هذه الدول، واتخذت خطوات مختلفة لتعزيز هذه الروابط، واستندت «إسرائيل» في تحسين علاقاتها مع هذه المنطقة على القضايا التجارية والاقتصادية والتقنية والتعليمية والثقافية، والعسكرية والفضائية، بالرغم من الروابط التي تجمع المسلمين بشعوب تلك البقعة الغالية من العالم الإسلامي من تاريخ وقيم دينية مشتركة.

ومن أبرز الأسباب الرئيسة التي دفعت «إسرائيل» إلى التوجه مبكراً نحو القوقاز وآسيا الوسطى كانت موارد الطاقة الوفيرة في تلك المنطقة، وتطويق إيران والدول العربية والدول الإسلامية الأخرى.

وكانت كازاخستان من بين الأهداف الرئيسة لـ«إسرائيل» في تطوير علاقاتها مع المنطقة لبالغ أهميتها الإستراتيجية ولكونها مركزاً لإطلاق الأقمار الصناعية التي استغلتها أفضل استغلال، فيقع بكازاخستان مركز «بايكونور كوزمودروم» لإطلاق الصواريخ الفضائية، وقد منحت كازاخستان «إسرائيل» حقّ استخدامه كجزء من برنامج فضائي مشترك بموافقة روسيا، واستغلت «إسرائيل» هذا المركز لإطلاق أقمارها الصناعية التي تساهم في قتل العرب والمسلمين؛ حيث تمّ إطلاق سلسلة من أقمار الاتصالات السلكية واللا سلكية «الإسرائيلية»، كان من بينها قمر «عاموس-4».

وتمتلك كازاخستان ربع احتياطي العالم من اليورانيوم اللازم لصناعة الأسلحة النووية، وهو ما استطاعت «إسرائيل» النجاح في إبرام صفقات للحصول عليه واعتمدت ترسانتها النووية على اليورانيوم الكازاخي في خضم غياب وصمت وتقاعس عربي وإسلامي.

فبينما بذلت «إسرائيل» منذ وقت مبكر قصارى جهدها لاختراق هذه المنطقة، نجد أن الدول العربية تأخرت كثيراً في الاتصال والتعاون مع هذه الدول؛ نظراً لعدم وجود رؤية وإستراتيجية محددة ومدروسة تجاه هذه الدول؛ الأمر الذي أفضى في مجمله إلى محدودية الحضور العربي والإسلامي في هذه المنطقة والتوغل المتوحش «الإسرائيلي» الذي لن يضر إيران وحدها، بل سيمتد أثره على كافة الدول الإسلامية إذا لم يتم لملمة الشمل والوقوف في وجه أعداء الأمة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة