التقييم في العمل الدعوي.. ضرورة للإصلاح لا وسيلة للإسقاط
إن العمل الدعوي المؤسسي لا يقوم على حسن النيات وكثرة الجهود فحسب، بل يقوم –بعد توفيق الله تعالى– على المراجعة الدائمة، والمحاسبة المنصفة، والتقويم المستمر، وتصحيح المسار كلما ظهر خلل أو بدا تقصير، وهذه كلها ليست من كماليات العمل، بل هي من أعظم أسباب بقائه ونجاحه وتميزه.
وما من مؤسسة
ترجو النهضة والاستمرار إلا وهي في حاجة إلى معايير واضحة للتقييم، تكشف مواطن
القوة فتعززها، وتبصر مواضع الضعف فتعالجها، وتظهر مواقع الخلل فتسارع إلى
إصلاحها، وبذلك يبقى العمل حياً متجدداً، بعيداً عن الجمود والترهل.
وإذا أردنا أن
نعرف مدى نضج المؤسسة الدعوية، وحقيقة وعي القائمين عليها، فلننظر إلى كيفية
تعاملها مع النقد البناء، وجلسات المراجعة والتقييم؛ فالمؤسسة الناضجة هي التي
تستقبل النصيحة بصدر رحب، وتتلقى الملاحظات برغبة صادقة في الإصلاح، ثم تترجم ذلك
إلى خطوات عملية تصحح المسار، وترفع كفاءة الأداء، وتقدم المصلحة العامة على
العلاقات الشخصية والمجاملات.
ومن ثم، فقد
يقتضي العدل –أحياناً– إعادة النظر في بعض أصحاب المسؤوليات، وإسناد الأعمال إلى
من هم أقدر على حملها، فالمناصب في العمل الدعوي تكليف لا تشريف، والميزان فيها هو
الكفاءة والأمانة، لا الألقاب ولا السبق الزمني.
أما المؤسسات
التي لم تبلغ سن الرشد الإداري، فإنها تنظر إلى النقد على أنه خصومة، وإلى التقويم
على أنه تشهير، وإلى المراجعة على أنها انتقاص من المكانة، وربما استدل بعضهم
بنصوص شرعية في غير موضعها؛ ليجعلها حاجزاً يمنع به المراجعة، ويسكت بها كل صوت
يدعو إلى الإصلاح.
فيستشهد بعضهم
بقول الله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ
جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ) (التوبة: 79)، ويصور كل نقد مخلص على أنه من جنس لمز المنافقين، مع
أن الفرق بيِّن بيْن النصيحة المريدة للإصلاح، والسخرية والطعن والتنقص.
وإن من أخطر
المؤشرات على قرب ترهل المؤسسة وضعفها أن تتضخم ذات القائد، ويصبح النقد عنده
جريمة، والمراجعة تمرداً، والمناصحة خيانة؛ فإذا وصل الأمر إلى هذا الحد، فاعلم أن
المؤسسة قد دخلت مرحلة خطرة تنذر –إن لم تتدارك– بضعفها، وربما سقوطها.
إن التقييم في
العمل الدعوي يدور على ركنين متلازمين، لا يستغني أحدهما عن الآخر:
أولهما: تقييم
العمل نفسه؛ بالنظر في خططه، وأهدافه، ووسائله، ومدى تحقيقه للمقاصد المرجوة.
وثانيهما: تقييم
العاملين وأصحاب المسؤوليات؛ للتعرف على كفاءتهم، ومدى صلاحيتهم لما أسند إليهم من
أعمال.
ولا ريب أن
النظر في أحدهما يستلزم النظر في الآخر؛ فضعف العمل قد يكون سببه ضعف القائمين
عليه، وقد يكون العكس؛ ولذا فإن الحكم العادل لا ينفصل فيه تقييم الأداء عن تقييم
القائم به.
وإنني أريد أن
أركز هنا على تقييم أصحاب المسؤوليات من الدعاة؛ فما أحوج العمل الدعوي اليوم إلى
تقييم عادل، يبعد عن الهوى، ويقوم على الإنصاف، ويقصد الإصلاح لا الإسقاط، ومن
أبرز دواعي هذا التقييم:
أولاً: معرفة الرجال على حقيقتهم:
فلا يظلم محسن
بجهلنا بفضله، ولا يكلف أحد ما لا يحسنه، ولا يوضع الرجل في غير موضعه؛ فإن وضع
الكفاءات في غير أماكنها من أسباب فشل المؤسسات.
وقد كان هذا هدي
النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد عرف أصحابه معرفة دقيقة، وأنزل كل واحد منهم
منزلته، واستثمر مواهبهم وطاقاتهم في أنفع المجالات، حتى أقام جيلاً لا نظير له في
التاريخ.
ثانياً: تحديد مواطن القوة والضعف:
فإن التطوير لا
يقوم على التخمين، بل على المعرفة الدقيقة باحتياجات العاملين، فكيف نعالج ضعفاً
لا نعرفه؟ وكيف ننمي موهبة لا ندرك وجودها؟
إن التدريب
والتأهيل لا يؤتيان ثمارهما إلا إذا بنيا على تقييم واقعي صادق، يشخص الداء قبل
وصف الدواء.
ثالثاً: حفظ العمل الدعوي من العشوائية:
فالمؤسسات التي
لا تقيم أداءها، ولا تراجع قياداتها، تتحول شيئاً فشيئاً إلى بيئة تكافئ الولاء
أكثر مما تكافئ الكفاءة، وتقدم المجاملات على المصالح، وهو ما يفضي -مع مرور الزمن-
إلى ضعف المؤسسة وفقد تأثيرها.
ومن أجل أن يؤتي
التقييم ثماره المرجوة، فلا بد أن يخضع لضوابط شرعية ومهنية، تحميه من الهوى،
وتجعله وسيلة للإصلاح، لا أداة للخصومة أو التشفي.
ولما كان
التقييم من أخطر الوسائل المؤثرة في بناء المؤسسات أو هدمها، وكانت نتائجه تمس
سمعة الأشخاص ومكانتهم ومستقبل العمل الدعوي؛ وجب أن يضبط بضوابط شرعية وأخلاقية،
حتى يبقى وسيلة للإصلاح، لا أداة للإفساد منها:
1- التحرز من
الغيبة وانتقاص الأعراض: فالأصل في المسلم أن يصان عرضه، وأن تحفظ كرامته، ولا
يجوز أن يتحول التقييم إلى مجالس للغيبة، أو منابر للتشهير، أو وسيلة لتصفية
الحسابات.
فإذا غلبت
الغيبة على التقييم، فقدْ فقَدَ شرعيته، وضاعت ثقة الناس فيه، وأصبح معولاً لهدم
الصفوف بدلاً من بنائها.
2- العدل
والتجرد، والاعتماد على الوقائع لا على الأهواء: فلا يجوز أن يبنى التقييم على
الانطباعات الشخصية، أو الميل والنفور، بل ينبغي أن يقوم على البينات والمعطيات
الصحيحة، وعلى ما ثبت من أعمال الشخص وإنجازاته وتقصيره.
فالعدل روح
التقييم، وبه تحفظ الحقوق، وتصان المكانات.
3- الجمع بين
الحسنات والهنات: ومن الظلم البين أن ينظر إلى أخطاء الرجل وحدها، وتطمس فضائله،
أو يكتفى بمحاسنه ويتغاضى عن تقصيره.
فالمنصف هو الذي
يذكر الحسنة كما يذكر السيئة، ويقدر الإنجاز كما يشخص الخلل؛ ليكون حكمه أقرب إلى
الحق والإنصاف.
4- عدم نسيان
السوابق والفضائل: فإن من العاملين من أفنى سنين طويلة في خدمة الدعوة، وتحمل في
سبيلها ما لم يتحمله غيره، فلا يجوز أن تمحى تلك المآثر بسبب خطأ عارض، أو تقصير
طارئ.
وقد كان هدي
النبي صلى الله عليه وسلم أن يراعي السوابق والفضائل، وأن ينزل الناس منازلهم، وفي
قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه دليل ظاهر على ذلك.
5- شمول معايير
التقييم: فالقيادة الدعوية لا تقاس بخصلة واحدة، ولا بميزة منفردة؛ بل تقاس بمجموع
الخصال، من سلامة المنهج، وصدق الإخلاص، والكفاءة الإدارية، والإتقان، والانضباط،
وحسن التعامل، والقدرة على العمل الجماعي.
فإن الاقتصار
على معيار واحد يفسد الحكم، ويفضي إلى تقديم من لا يستحق، أو تأخير من هو أهل
للقيادة.
6- الابتعاد عن
الفردية في التقييم: فالقرارات الكبرى لا ينبغي أن تبنى على رأي شخص واحد، أو
انطباع فرد واحد؛ بل على الشورى، وتعدد وجهات النظر، وتكامل المعلومات.
فإن الرؤية
الجماعية أقرب إلى العدل، وأبعد عن التحيز والهوى، وأحفظ للمؤسسة من أن تخضع لمزاج
الأفراد وتقديراتهم الشخصية.
إن التقييم في
العمل الدعوي ليس ترفاً إدارياً، ولا لوناً من ألوان التشفي أو تصفية الحسابات،
وإنما عبادة يبتغى بها وجه الله تعالى، ووسيلة لحفظ الدعوة، وصيانة مؤسساتها،
وتحقيق مقاصدها.
والمؤسسة التي
تغلق أبواب المراجعة، وتصادر حق النصح، وتجرم النقد البناء، إنما تمهد –من حيث
تشعر أو لا تشعر– لأسباب ضعفها، وربما لانهيارها؛ لأن الخطأ الذي لا يراجع يتكرر،
والتقصير الذي لا يصحح يتضاعف، والإدارة التي لا تحاسب نفسها تفقد قدرتها على
الإصلاح والتجديد.
وفي المقابل،
فإن المؤسسة الناضجة تؤمن بأن المراجعة حياة، وأن النقد البناء نعمة، وأن الاعتراف
بالخطأ فضيلة، وأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، فلا تقدس الأشخاص،
ولا تجعل المناصب حصانة لأحد، بل يكون الجميع -مهما علت منازلهم- خاضعين لميزان
العدل، ومحاسبين بميزان الأمانة، وموزونين بميزان الكفاءة.
وليعلم كل من
أنيط به أمر التقييم أنه مؤتمن أمام الله تعالى قبل أن يكون مسؤولاً أمام الناس،
وأن الكلمة التي يكتبها، أو الشهادة التي يدلي بها، قد ترفع إنساناً إلى موضع
يستحقه، وقد تحرمه حقاً هو أولى به، فليتق الله في أحكامه، وليتجرد من هوى النفس،
وليستحضر قول الله تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ
كَانَ ذَا قُرْبَى) (الأنعام: 152)، وقوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: 90).
كما ينبغي لكل
صاحب مسؤولية أن يوقن أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن بقاءه في موقعه ليس حقاً
مكتسباً، بل هو أمانة مرتبطة بقدرته على الأداء، وإخلاصه في العمل، ونفعه للدعوة؛
فإذا قصر أو عجز، ثم رأى إخوانه أن المصلحة تقتضي إسناد المسؤولية إلى من هو أكفأ
منه، فليكن أول المعينين على ذلك؛ فإن المقصود انتصار الدعوة لا انتصار الأشخاص،
ورفعة المنهج لا رفعة الأسماء.
نسأل الله تعالى
أن يصلح أحوال الدعاة والعاملين، وأن يلهمهم رشدهم، وأن يجعل التقييم والمحاسبة
باباً للإصلاح والبناء، لا سبباً للفرقة والشحناء، وأن يرزق الجميع الإخلاص في
الأقوال والأعمال، والسداد في الأحكام والقرارات، إنه ولي ذلك والقادر عليه،
والحمد لله رب العالمين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً