التكافل الاجتماعي وقت الحرب.. رؤية إسلامية

عامر شماخ

12 مارس 2026

215

مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران وكلٍّ من أمريكا والكيان الصهيوني، وامتداد آثار هذه الحرب إلى دول الخليج، دخلت المنطقة في أزمة كبيرة، لها تداعياتها السياسية والاقتصادية، وقد تزايدت المخاوف بعد تقارير تفيد بطول أمد المعركة، وما يمثله ذلك من ضغوط على المجتمع، كاضطراب الأسواق، واختفاء السلع، أو حدوث موجات نزوح.. إلخ ما تشهده البلدان المتحاربة.

وفي مثل هذه الأوضاع، كيف تحافظ المجتمعات على تماسكها؟ وكيف تعزِّز قدرتها على الصمود ومواجهة الأزمة واستمرارية الحياة؟ الإجابة تبدأ من التكافل الاجتماعي، وهو مبدأ يقوم على التضحية والإيثار، وتعاون الناس فيما بينهم، وأن يتشاركوا المسؤوليات، ويتحمّل القادرون منهم أعباء العاجزين في المجتمع، ويفرّجون كُربَهم.

ويعدُّ التكافل الاجتماعي من المعالم الحضارية في الإسلام، كمظلة تأمينية تغطي المجتمع بأكمله، وهو قيمة إنسانية مترسّخة في نفوس الأفراد والمجتمعات المسلمة، ومنظومة أخلاقية متكاملة، قائمة على التساند والتراحم، وتشير التجربة التاريخية للمجتمعات الإسلامية إلى أن التكافل كان أحد أسباب قدرتها على تجاوز القواصم التي عصفت بها.

التكافل في القرآن والسُّنة

يقوم التكافل الاجتماعي في الإسلام على أساس شرعي واضح، يستند إلى نصوص القرآن والسُّنة، ويتصل بمقاصد الشريعة الكبرى، ويتحول من قيمة أخلاقية إلى نظام ملزم ينظِّم علاقة الفرد بالمجتمع، وهو جزء من البناء الدائم للأمة؛ ما يعني جهوزيتها في أي وقت لمواجهة الكوارث، لا انتظار وقوعها، ويكون الأمر أوجب عند وقوع الحرب.

وهنا تأتي الأُخوة الإسلامية كأساس يقوم عليه التكافل والتراحم بين المسلمين، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 10)، (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: 29).

وتجسّدت هذه الأخوة عمليًّا، وبشكل يفوق الخيال، في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: 9)، ومن قبل بين مؤمني مكة في شِعب أبي طالب.

وكانت أوقات الحرب اختبارات حقيقية لتماسك المجتمع المسلم (ولنراجع غزوات «بدر»، «أُحد»، «الخندق»، «تبوك».. وغيرها) حيث لم يكن التكافل ردَّ فعلٍ عاطفيًّا، بل كان أمرًا منظمًا وموجَّهًا، ومبدأً شرعيًّا لحفظ استقرار المجتمع.

وقد حُشدت كتب السُّنَّة بأحاديث، تفتح أبواب التكافل على مصاريعها، وتشجع على التعاطف والتساند وتعظيم حقوق المسلمين، وهي في الحرب والكوارث أوْلَى بالتطبيق.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» ثم شبك بين أصابعه. (رواه البخاري)، ويقول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (رواه البخاري)، ويقول: «من كان له فضلُ ظهرٍ فليعدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زادٍ فليعدْ به على من لا زاد له» (رواه مسلم).

صور التكافل أثناء الحرب

يتجلى التكافل الاجتماعي في الرؤية الإسلامية عمومًا، في صور كثيرة، كالبذل والصدقة، وإطعام الطعام، وزيارة المريض، وكفالة اليتيم، وقضاء دَيْن المعسرين.. إلخ، وعندما تندلع الحروب تتغير أولويات المجتمع بشكل سريع، وتظهر احتياجات لم تكن مطروحة من قبل، وحينئذ يتخذ التكافل أشكالًا أخرى، تتجاوز الصور التقليدية، ليصبح منظومة دعم تستجيب لحجم الأزمة، ولحماية النسيج الاجتماعي من التمزُّق، ومن هذه الصور:

1- التكافل المالي: ويشمل الزكاة والصدقات والتبرعات المنظمة وصناديق الإغاثة.. وغيرها، ويؤدي دورًا أساسيًّا في توفير الاحتياجات الضرورية للمستحقين.

2- التكافل الإغاثي والخدمي: مثل توفير مراكز الإيواء، وتنظيم حملات توزيع الغذاء، وتأمين الرعاية الصحية.. وغيرها.

3- التكافل المهني: كخدمات الأطباء والمعلمين المتطوعين، وغيرهم من المهنيين، وهو عنصر حيوي يعتمد على الخبرة والوقت والجهد.

4- التكافل المعنوي: لما تخلِّفَهُ الحرب من آثار نفسية عميقة، من خوف وقلق وفقدان، وهنا يبرز دور الدعاة واختصاصيي الدعم النفسي.

5- حماية الفئات الأكثر ضعفًا: ويأتي في مقدمتهم الأطفال، والنساء، والمرضى، وكبار السن، والجرحى، والنازحون، وأسر القتلى والمفقودين.

واجب الفرد ومسؤولية الجماعة

في السياق الكويتي والخليجي، حيث توجد بنية مؤسساتية خيرية قوية، وتجربة طويلة في العمل الإنساني، يمكن للتكافل الاجتماعي أن يؤدي دورًا محوريًّا في تخفيف آثار أي اضطرابات إقليمية.

والمجتمع الذي يستبق الأزمة بخطط دعم واضحة يكون أكثر قدرة على الصمود من مجتمع يتحرك بعد فوات الأوان، ولا يمكن لمجتمع أن يواجه آثار الحرب بروح فردية منعزلة، ولا يمكن كذلك أن تُلقى المسؤولية كاملة على عاتق الدولة، والتكافل الحقيقي هو شراكة واعية بين الفرد والجماعة، يتحمَّل فيها كل طرف دوره بوضوح.

الواجب الفردي يبدأ من الإحساس بالمسؤولية الشخصية، فالمسلم لا يعيش لنفسه فقط، في الظروف العادية قد ينحصر دور الفرد في دفع الزكاة أو تقديم صدقة موسمية، لكن في أوقات الحرب تتسع دائرة المسؤولية، فيصبح مطلوبًا من القادر أن يراجع أولوياته، وأن يخصص جزءًا أكبر من موارده لدعم المتضررين، وأن يساهم بوقته وخبرته إن استطاع.

التكافل هنا لا يُختزل في تحويل مالي، بل يشمل كل ما يمكن أن يخفف أثر الأزمة عن الآخرين، يقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا، هم أهل المعروف في الآخرة» (أخرجه الحاكم).

والدولة مُطالبة أيضًا بوضع سياسات واضحة لتنظيم عمليات الإغاثة، وضمان عدالة التوزيع، والمؤسسات الخيرية مُطالبة بالتحرك وفق خطط مدروسة، بعيدًا عن العشوائية والارتجالية، وذلك يتطلب وضع جميع الموارد التي تضخ الحياة للمجتمع تحت رقابة مشددة، وتوفير ضوابط عادلة في صرفها وتوزيعها، ومنع الاحتكار والغش بشتى السبل.



اقرأ أيضاً:

10 مرتكزات للمسلم في مواجهة الأزمات والنوازل

ركائز تحصين الجبهة الداخلية في أزمنة الحروب

التكافل والتراحم والتضامن.. مقومات أساسية للدولة المسلمة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة