التمذهب والاجتهاد عند الإمام القرضاوي.. هل كان لامذهبياً؟

التمذهب والاجتهاد عند الإمام القرضاوي.. هل كان لامذهبياً؟

التمذهب والاجتهاد عند الإمام القرضاوي


كثيرًا ما يُقدَّم شيخُنا الإمام يوسف القرضاوي في بعض النقاشات المعاصرة بوصفه فقيهًا “لامذهبيًّا”، ويُستدل على ذلك بأنه لم يلتزم مذهبًا فقهيًّا واحدًا في فتاواه واجتهاداته، وأنه رجَّح بين المذاهب، وأخذ أحيانًا بأقوال من خارج المذاهب الأربعة، بل انتهى في بعض النوازل إلى اجتهادات لم يجدها بصورتها في الفقه الموروث.

غير أن هذا الوصف، حين يُعرض على نصوص القرضاوي نفسه، يبدو أضيق من أن يستوعب تجربته، بل قد يؤدي إلى الخلط بين أمور متباينة: بين رفض المذاهب ورفض التعصب لها، وبين عدم التمذهب وعدم الالتزام بمذهب واحد، وبين الاجتهاد واللامذهبية، وبين التيسير وتتبع الرخص.

والإنصاف العلمي يقتضي ألا نحاكم فقيهًا بحجم القرضاوي إلى فتوى مفردة، أو مقطع مرئي، أو اختيار فقهي خالف فيه مذهبًا أو مذاهب، وإنما إلى مجموع مشروعه الفقهي الممتد في فتاوى معاصرة، والفتوى بين الانضباط والتسيب، والاجتهاد في الشريعة الإسلامية، وكيف نتعامل مع التراث والتمذهب والاختلاف، فضلًا عن كتبه التطبيقية في الزكاة وفقه الأقليات وغيرها

وحين تجمع هذه النصوص يظهر أمامنا منهج له بنية واضحة: اعتراف بالمذاهب وثروتها، وإجازة للتمذهب، ورفض للتعصب والتقليد الأعمى، وفتح للاجتهاد لأهله، ورفض صريح للامذهبية التي تحرم التمذهب على العالم والعامي جميعًا.

المذاهب ثروة فقهية وليست قيودًا على الشريعة

ينطلق القرضاوي من تقدير عميق للتراث الفقهي؛ فالمذاهب عنده ليست أربعة أسماء تاريخية نتبرك بها، وإنما مدارس علمية نضجت داخلها طرائقُ فهم النصوص، وقواعد الاستنباط، ومناهج الجمع والترجيح، وتراكمت فيها خبرةُ الأمة جيلًا بعد جيل في التعامل مع الوقائع والأعراف والحاجات المتجددة.

ولهذا فإن تحرير الفقيه من التعصب للمذهب لا يعني عنده تحرير الفقه من المذاهب، وهذه الثنائية تظهر مبكرًا في مشروعه؛ ففي مقدمة فتاوى معاصرة، وهو يحدد “نهجه في الإفتاء”، يجعل من أصوله: “لا عصبية ولا تقليد”، ثم يفسر مراده بأنه “التحرر من العصبية المذهبية، والتقليد الأعمى”، لكنه يستدرك في السياق نفسه مؤكدًا “التوقير الكامل لأئمتنا وفقهائنا”، وأن عدم تقليدهم ليس حطًّا من شأنهم، وإنما سير على نهجهم في طلب الدليل(1).

فالقضية إذن ليست رفض أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد، وإنما رفض تحويل اجتهاد الإمام إلى نص لا تجوز مخالفته. الإمام يُوقَّر ولا يُعصم، والمذهب يُنتفع به ولا يتحول إلى شريعة موازية للشريعة.

وهذه الفكرة ليست خاصة بالقرضاوي؛ بل لها جذور عميقة في التراث الفقهي. وقد كان ابن تيمية في رفع الملام عن الأئمة الأعلام حريصًا على الجمع بين أمرين: تعظيم الأئمة، وبيان أن مخالفة أحدهم لحديث صحيح في مسألة لا تعني رده للسنة؛ إذ قد لا يبلغه الحديث، أو لا يثبت عنده، أو يراه معارضًا بما هو أقوى منه، أو يفهم دلالته على وجه آخر. فاحترام الأئمة شيء، وتحويل أقوالهم إلى مرتبة العصمة شيء آخر.

التمذهب جائز.. وليس فريضة شرعية على كل مسلم

إذا أردنا نصًّا يحسم موقف القرضاوي من أصل التمذهب، فلن نحتاج إلى استنتاجه من تطبيقاته؛ لأنه قرره بنفسه بوضوح بالغ، فبعد عرضه موقف الإمام الشوكاني، وموافقته له في الدعوة إلى الاجتهاد ورفض إيجاب التقليد على الأمة كلها، خالفه في نقطة جوهرية فقال:

“ولكني لست معه في تحريم التقليد على عوام الناس، وتحريم التمذهب عليهم. بل لا أرى مانعًا من اتباع هؤلاء لإمام من أئمة المسلمين، والتزام مذهبه، مثل أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد... على أن يكون هذا مما يسوغ له، وليس مما يجب عليه شرعًا”(2).

هذا النص ينبغي أن يكون حاكمًا على كل حديث عن “لامذهبية القرضاوي”. فهو لا يكتفي بإجازة التمذهب، بل يخالف صراحة من يحرمه على العامة.

ولكنه يفرق في الوقت نفسه بين المشروعية والإلزام. فمن حق المسلم أن يتمذهب، وأن يتعلم دينه من خلال مدرسة فقهية معينة، وأن يعمل بأقوالها، ولكن ليس هناك ـ في نظر القرضاوي ـ دليل يلزم كل مسلم شرعًا أن ينتسب إلى واحد من الأئمة الأربعة، ثم يبقى أسير جميع أقوال مذهبه لا يجوز له الانتقال عنها.

ومن هنا نفهم المعادلة التي قد تبدو متناقضة لأول وهلة: القرضاوي يجيز التمذهب، ولكنه لا يوجب الالتزام الأبدي بمذهب واحد. وبين الأمرين فرق كبير.

ليس العامي كالمجتهد

ومن أهم ما يحول دون سوء فهم هذه الرؤية أن القرضاوي لا يتحدث عن الناس جميعًا كما لو كانوا في مرتبة علمية واحدة. فالعامي له وظيفة، وطالب العلم له وظيفة، والفقيه القادر على النظر والترجيح له وظيفة أخرى.

وقد عبّر عن ذلك بقاعدة واضحة: “والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة... وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد”(3).

وهذه العبارة تهدم تصورًا شائعًا للامذهبية يجعل كل مسلم قادرًا على الرجوع المباشر إلى الكتاب والسنة وانتقاء الأحكام منهما. فالعامي لا يعرف درجات الحديث، ولا دلالات الألفاظ، ولا مواضع الإجماع والخلاف، ولا الناسخ والمنسوخ، ولا طرق الجمع والترجيح، ولا قواعد تنزيل الأحكام على الوقائع؛ ولذلك كانت وظيفته أن يسأل أهل الذكر.

أما من امتلك أدوات النظر، فإلزامه بقول إمامه بعد أن ظهر له ضعف دليله ليس في نظر القرضاوي وفاءً للمذهب، بل إخلال بأمانة العلم. ولهذا يقول: ففي مثل هذه الأحوال يجب على العالم المتمذهب بمذهب: أن يتخلى عن مذهبه في تلك المسألة... التي تثبت له بالبحث العلمي أن دليلها واهٍ لا يستند إليه، ولا يعتمد عليه(4).

إذن ليس أمامنا انتقال من “المذهبية” إلى “اللامذهبية”، وإنما انتقال من التقليد المشروع في مرتبته إلى الاجتهاد المشروع في مرتبته.

القرضاوي يرفض اللامذهبية قولًا واحدًا

وهنا نصل إلى القضية التي ينبغي ألا تبقى ضمنية: القرضاوي لم يكن فقط غير داعية إلى اللامذهبية؛ بل ناقشها ورفضها نصًّا، فهو يصف أصحاب الاتجاه الذي يحرم التمذهب فيقول: “وأصحاب هذا الرأي هم الذين يسميهم خصومهم "اللامذهبيين"؛ لأنهم ينكرون التمذهب بأي مذهب، ولا يجيزونه لعالم ولا لجاهل”(5).

ثم يقارن بينهم وبين الاتجاه الذي يوجب التقليد على الناس جميعًا، فيقرر: “فإن الاتجاه المقابل اتجاه تحريم التقليد على كل الناس ـ عليه مآخذ مماثلة لذلك، ككل طرفي الإفراط والتفريط”(6).

ثم يصل إلى صيغة ربما كانت من أصرح العبارات في تحديد موقعه: “وهنا أحذر من نوعين من العلماء: الأول: من يتعصب لمذهبه ضد المذاهب الأخرى بالجملة. والثاني: من يتعصب ضد المذاهب كلها، ويحمل عليها ويجرحها”(7).

إذن موقفه ليس غامضًا: يرفض التعصب للمذهب، ويرفض التعصب ضد المذاهب، وهذا يقتضي قدرًا من الدقة في استعمال مصطلح “اللامذهبية”. فإذا كان المراد به إنكار التمذهب وعدم إجازته للعالم ولا للجاهل، فهذا هو المعنى الذي ذكره القرضاوي نفسه وانتقده، فلا يستقيم وصفه به.

أما إذا أريد باللامذهبية أن الفقيه المؤهل لا يلزم نفسه بمذهب واحد في كل مسألة، وأنه يجوز له الترجيح بين الأقوال بحسب الدليل، فهذا بالفعل وصف لممارسة القرضاوي، لكن تسميته “لامذهبية” توقعنا في اشتراك لفظي؛ لأن القرضاوي يسمي هذا اجتهادًا وترجيحًا وانتقاءً، لا رفضًا للمذاهب.

من المذهب الواحد إلى فضاء الفقه الإسلامي

وإذا لم يكن المجتهد ملزمًا بقول واحد داخل مذهبه، فمن الطبيعي أن تتسع دائرة نظره إلى المذاهب الأخرى. بل إن القرضاوي لا يرى التراث الفقهي الإسلامي محصورًا أصلًا في المذاهب الأربعة؛ فقبل استقرارها وانتشارها عرف الإسلام أئمة مجتهدين كبارًا ومذاهب اندثر أتباعها وبقي علمها، كالأوزاعي والثوري والطبري وأبي ثور وغيرهم، فضلًا عن فقه الصحابة والتابعين.

ومن هنا فإن مخالفة المذاهب الأربعة في مسألة لا تكفي في ذاتها للحكم على صاحبها باللامذهبية. فقد عرف تاريخ الفقه علماء انتسبوا إلى مذهب معين وخالفوا مذهبه بل المذاهب الأربعة أحيانًا فيما ظهر لهم من الدليل.

والمعيار الحقيقي عند القرضاوي ليس: كم مذهبًا خالف الفقيه؟ وإنما: هل يملك أهلية المخالفة؟ وما دليله؟ وما أصوله في النظر والترجيح؟ وهنا يظهر الفرق بين الفقيه الذي يتحرك داخل التراث بعلم، وبين من يقفز فوق التراث لأنه لا يعرفه.

الاجتهاد الانتقائي.. التراث كله مائدة للبحث لا سوق للرخص

وقد أعطى القرضاوي لهذه الحركة الاجتهادية اسمًا واضحًا هو “الاجتهاد الانتقائي” أو “الترجيحي”، وعرّفه بأنه اختيار أحد الآراء المنقولة في التراث الفقهي للفتوى أو القضاء به ترجيحًا له على غيره(8).

وهو لا يتعامل مع الاختلاف الفقهي بوصفه شرًّا يجب القضاء عليه؛ ولذلك جعل في كتابه نفسه عنوانًا صريحًا: “الخلاف الفقهي ليس شرًّا”، ثم تحدث عن “سعة دائرة الترجيح والانتقاء”، وعن العوامل العصرية المؤثرة فيه، ومنها التغيرات الاجتماعية والسياسية، ومعارف العصر، وضروراته وحاجاته. وتظهر هذه البنية بوضوح في فهرس الكتاب نفسه.

وهذا الانتقاء لا يعني أن يدخل الفقيه إلى المذاهب باحثًا عن الأسهل دائمًا. فالفرق بعيد بين الانتقاء العلمي وتتبع الرخص. الأول تحكمه الأدلة والأصول والمقاصد والواقع، والثاني قد يحكمه الهوى.

ولهذا ظل التيسير عند القرضاوي محكومًا بسقف الشريعة. وفي عرضه لمنهجه في الفتوى جعله تيسيرًا “لا يصادم نصًّا ثابتًا محكمًا، ولا قاعدة شرعية قاطعة”، بل يسير في ضوء النصوص والقواعد والروح العامة للإسلام(9)، وبهذا يصبح التيسير ثمرةً للاجتهاد المنضبط، لا بديلًا عنه.

الاجتهاد الإنشائي.. حين لا تكفي أجوبة السابقين

لكن القرضاوي لم يقف عند اختيار قول من الأقوال الموروثة؛ لأن الحياة قد تنتج وقائع لم تكن موجودة في عصور الفقهاء السابقين، أو كانت موجودة في صورة تختلف جذريًا عن صورتها المعاصرة.

ومن هنا قرر النوع الثاني: الاجتهاد الإنشائي أو الإبداعي، وقد شرح في أعماله أن الاجتهاد في المسائل الجديدة هو استنباط الحكم المناسب لها في ضوء الأدلة والقواعد الشرعية، من النصوص العامة والقياس والاستصلاح والاستحسان والعرف والقواعد الكلية وغيرها، وأن هذا الاجتهاد “فرض كفاية على أمة الإسلام عامة، وعلمائها خاصة”. كما أحال بنفسه إلى كتابه الاجتهاد في الشريعة الإسلامية مبينًا أن الاجتهاد الإنشائي يقابله “الاجتهاد الانتقائي أو الترجيحي، وهو الذي يختار الأرجح والأوفق من أقوال الفقهاء السابقين”.

فالشريعة في تصوره لا تستطيع قيادة حياة تتجدد وقائعها إذا كان الفقيه ممنوعًا من تجاوز الإجابات التي أنتجتها صور تاريخية مختلفة، لكن هذا الانفتاح ليس بلا حدود. فالقرضاوي يشدد على أن الاجتهاد الصحيح يجب أن يكون “مستوفيًا لشروطه، صادرًا من أهله، في محله”، ويربط قدرته على تحقيق أهداف الشريعة بهذه الضوابط نفسها، ومن هنا نعود إلى المعادلة ذاتها: لا جمود باسم التراث، ولا فوضى باسم الاجتهاد.

لا مذهبية المتعالمين كما لا مذهبية المجتهدين

وهذه النقطة شديدة الأهمية في زمن أصبح فيه الوصول إلى النصوص أسهل من امتلاك أدوات فهمها. فقد كان القرضاوي شديد النقد لمن يملك “قشورًا من العلم” ثم يتعامل مع نفسه بوصفه مجتهدًا قادرًا على إسقاط تراث المذاهب والأئمة.

فالاجتهاد عنده ليس شعار “اتبع الدليل” مجردًا؛ لأن السؤال الذي يسبق ذلك هو: من الذي يملك أهلية معرفة الدليل، وثبوته، ودلالته، ومعارضه، ومرتبته، وموقعه من بقية النصوص والمقاصد؟

ولهذا اشترط للمجتهد العلم بالقرآن والسنة، والعربية، ومواضع الإجماع، وأصول الفقه، ومقاصد الشريعة، فضلًا عن معرفة الواقع وأحوال الناس. والدراسات التي استقرأت مشروعه الاجتهادي تجمع هذه الشروط وتبرز معها تحذيره من الاجتهاد في القطعيات ومن الخضوع لضغط الواقع أو تحويل الظنيات إلى قطعيات.

واللافت أن القرضاوي نفسه، في محاضراته عن الاجتهاد المعاصر، وضع ضمن اتجاهات “التضييق والتشديد” عنوانين متجاورين: “المدرسة المذهبية” و”المدرسة اللامذهبية”، ثم قابل ذلك باتجاه المبالغة في التوسيع، قبل أن ينتهي إلى “المدرسة الوسطية” التي يعرض بعدها الاجتهاد الانتقائي والإنشائي.

وهذا نص منهجي بالغ الدلالة: فالمذهبية المنغلقة واللامذهبية المنغلقة قد تلتقيان ـ على تضادهما ـ في تضييق مجال الفقه؛ الأولى لأنها تحبس النظر داخل المتأخر من المذهب، والثانية لأنها تضيق الثروة الفقهية الواسعة إلى ما يراه الفرد مباشرة من النص.

رؤية مقاصدية تحفظ طرفي المعادلة

وعند هذه النقطة يظهر البعد المقاصدي في رؤية القرضاوي للتمذهب والاجتهاد، فهو لا يجيز التمذهب عبثًا، وإنما لما يؤديه من وظيفة في ضبط التفقه، والاتصال بالتراكم العلمي، وحماية غير المؤهل من الادعاء والفوضى. ولا يرفض إلزام المجتهد بمذهب واحد رغبة في التحرر المجرد، وإنما ليحفظ فاعلية الاجتهاد وقدرة الشريعة على استيعاب الوقائع المتجددة

ويرفض التعصب المذهبي لأنه يحول المدرسة العلمية إلى حاجز يحجب قوة الدليل، ويرفض اللامذهبية لأنها قد تهدر التراكم الفقهي وتحمل غير المؤهل ما ليس من شأنه. ويعتني بالتيسير تحقيقًا لرفع الحرج، لكنه يقيده بالنص والقواعد حتى لا يتحول اليسر إلى تحلل. ويعتبر تغير الزمان والعرف والحاجة والواقع، لكنه لا يجعل الواقع حاكمًا على الوحي.

بل إن القرضاوي يربط الاجتهاد صراحة بتحقيق مقاصد الشريعة؛ فهو يرى أن الشريعة “لا تؤتي أكلها، ولا تحقق أهدافها” في حياة الفرد والأسرة والجماعة والأمة إلا بإعمال الاجتهاد في مجالاته المختلفة، شريطة أن يكون صحيحًا صادرًا من أهله وفي محله.

وهنا يمكن أن نفهم رؤيته في مجموعة من الثنائيات المتوازنة: حفظ التراث مع استمرار الاجتهاد، والانضباط مع السعة، والثبات مع التجدد، والتيسير مع الالتزام، والوحدة مع التنوع.

فأين يقف القرضاوي إذن؟

ليس من الدقة أن نصف القرضاوي بأنه فقيه مذهبي إذا كان المقصود بالمذهبي من يلزم نفسه بكل ما استقر عليه مذهب واحد، ولا أن نصفه بأنه لامذهبي إذا كان المقصود باللامذهبية رفض المذاهب والتمذهب، لقد كان مجتهدًا يستوعب المذاهب ولا يستغني عنها، لكنه لا يجعل واحدًا منها نهاية النظر الفقهي.

ويمكن أن نختلف معه في ترجيح بعينه، وأن نناقش اختياره لقول خارج الأربعة، وأن نرى أنه وسع دائرة الحاجة أو المصلحة في مسألة كان الأولى فيها التضييق، أو العكس. فهذا كله من صميم النقد الفقهي الذي قبله القرضاوي نفسه، ولم يدع لنفسه فيه عصمة.

لكن ينبغي أن نفرق بين نقد اجتهاداته ونقد منهجه، وبين أن يخطئ المجتهد في تطبيق أصوله وأن ننسب إليه أصلًا صرح هو برفضه، ونصوصه المتعددة، الممتدة من فتاوى معاصرة والفتوى بين الانضباط والتسيب إلى الاجتهاد في الشريعة الإسلامية وكيف نتعامل مع التراث والتمذهب والاختلاف، ترسم خطًّا متصلًا: لا عصبية مذهبية، ولا تقليد أعمى؛ لا إلغاء للمذاهب، ولا عصمة لها؛ لا اجتهاد لغير أهله، ولا إغلاق له في وجه أهله؛ لا تتبع للرخص، ولا تشديد لمجرد التشديد.

ولعل العبارة الأقدر على تلخيص رؤيته هي تحذيره من طرفين: “من يتعصب لمذهبه ضد المذاهب الأخرى” و”من يتعصب ضد المذاهب كلها”.

وبين هذين الطرفين بنى القرضاوي منهجه: تمذهبٌ منفتح، واجتهادٌ منضبط، وانتفاعٌ بالتراث دون الارتهان له، وتيسيرٌ تحكمه الأدلة والمقاصد، وتجديدٌ يبني على ما أنجزته الأمة ولا يبدأ من الصفر.

وهكذا لا يكون السؤال الحقيقي: هل كان القرضاوي مذهبيًّا أم لامذهبيًّا؟ بل: كيف أعاد تحديد وظيفة المذهب في عصر الاجتهاد؟

وجوابه، كما تكشف عنه كتبه، أن المذهب ينبغي أن يكون مدرسةً يتكون فيها الفقيه، وثروةً يستفيد منها المجتهد، لا قيدًا يمنعه من اتباع ما ظهر له من الحق؛ وأن الاجتهاد ينبغي أن يكون بابًا مفتوحًا لأهله، لا ممرًّا للفوضى والمتعالمين.

وهذه الرؤية هي التي تفسر مسيرة القرضاوي الفقهية كلها: لم يهدم المذهب باسم الاجتهاد، ولم يهدم الاجتهاد باسم المذهب؛ وإنما سعى إلى حفظ المذهب من التعصب، والاجتهاد من الانفلات، والشريعة من الجمود، والناس من الحرج.

الهوامش
  • 1 فتاوى معاصرة، ج1، ص8-9. دار القلم.
  • 2 كيف نتعامل مع التراث والتمذهب والاختلاف، ص80 ضمن موسوعة الأعمال الكاملة.
  • 3 كيف نتعامل مع التراث والتمذهب والاختلاف، ص93.
  • 4 المصدر نفسه، ص111.
  • 5 كيف نتعامل مع التراث والتمذهب والاختلاف، ص76.
  • 6 المصدر نفسه، ص77.
  • 7 المصدر نفسه، ص111-112.
  • 8 الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، دار القلم، ط1، 1996م، ص115.
  • 9 هذه من القواعد أبرزها في كتابه: الفتوى بين الانضباط والتسيب. طبعة دار الصحوة الثالثة للكتاب صدرت سنة 1413هـ/1992م في 145 صفحة.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة