التوبة والنهضة.. قصة قوم يونس نموذجاً
لا تقوم نهضة
على أكتاف قوم لا يعترفون بأخطائهم، وفي قصة نبي الله يونس وقومه نجد دروساً بالغة
في مسألة التوبة ودورها في تغيير مصائر الأفراد والمجتمعات إذا ما صدقت نياتهم في
العودة إلى جادة الصواب، وهي توبة من نوع خاص في سائر سير الرسل والأنبياء مع
أقوامهم الذين نزل بهم العذاب، ما جعل القرآن يورد قصتهم على سبيل الاستثناء
قائلاً: (فَلَوْلَا كَانَتْ
قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا
كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ
إِلَىٰ حِينٍ) (يونس: 98).
يقول الطبري في
تفسير الآية: إن الله قد استثنى قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم
بعد نزول العذاب بساحتهم، وأخرجهم منه، وأخبر خلقه أنه نفعهم إيمانهم خاصة من بين
سائر الأمم غيرهم، لما عرف الله الصِّدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى
منهم.
وبذلك يقدم قوم
يونس نموذجًا قرآنيًا متفردًا عن التوبة التي تؤسس لتحول اجتماعي صادق يغير مصير
أمة، فيرفع عنها العذاب ويمنحها بداية جديدة لتصحيح الخطأ.
واللافت للنظر
في قصة قوم يونس أن مسلكهم مع التوبة جاء متطابقاً مع مسلك نبيهم يونس عليه السلام
الذي قال فيه القرآن الكريم: (وَذَا
النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ
فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: 87)، فكلا الطرفين –النبي وقومه– قد مروا بتجربة
استوجبت المراجعة الذاتية والتوبة، فلبث يونس في بطن الحوت يستغفر، وخرج قوم يونس
يدعون الله أن يصرف عنهم العذاب، ففاز وفازوا.
التوبة.. وتأسيس النهضة
تمثل التوبة
كمظهر من مظاهر العلاقة مع الله واحدة من أهم المفاهيم التي يمكن الاتكاء عليها في
بناء النهضة، فما نعيشه اليوم من تردٍّ حضاري وتراجع أخلاقي وتفكك اجتماعي يمكن
استلهام الحلول الناجعة له من مفهوم التوبة، ولكن ليس بمعناها الفردي الضيق، وإنما
بمعنى جماعي متكامل على غرار قوم يونس وتوبتهم الجماعية، إذ ذكرهم القرآن بلفظ «القرية»،
فالتوبة كانت توبة قرية بأكملها ومن ثم فقد نفعتهم تلك التوبة في مهلة حضارية
جديدة لتكفير الذنوب والبدء من جديد.
ولكن كيف يمكن
للتوبة أن تصنع النهضة؟ وهل يمكن اقتطاع التوبة من سياقها الفردي لتصبح سلوكاً
جماعياً؟
تمثل التوبة في
جوهرها فعلاً للتغيير، فهي تغير من حالة لا ترضي الله إلى ضدها، وهي تغير يهجر
الماضي إلى المستقبل، وهو الأساس الذي يبنى عليه أي نهضة حقيقية، وفي ذلك يخبرنا
القرآن الكريم عن واحدة من سنن الله الثابتة في خلقه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11).
وتعني التوبة في
سياقها الفردي الندم على ما فات والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم تكراره، وهو عين
ما تحتاجه الأمة للخروج من دوائر الهزيمة والانكفاء الحضاري والضعف والتبعية التي
لحقت بها، ومن ثم فإن صنع مجتمع التائبين يتطلب استلهام معاني التوبة في خطواتها
الثلاث، ولكن بشكل جماعي عام.
الندم.. الوعي بالأزمة
إن الندم على ما
بدر من الفرد/ الأمة من أخطاء يتطلب أولاً شجاعة الاعتراف بتلك الأخطاء ناهيك عن
التسليم بوجودها، فالاستكبار عن الاعتراف بارتكاب أخطاء العقبة الأولى في طريق
تصحيحها، إذ لا يمكن تصحيح ما لا يُتصور وجوده، وهذا الاعتراف يكون بتأمل وتدبر
للتاريخ كموطن للاعتبار والعظة وفهم سنن الله في الكون التي لا تتغير ولا تتبدل،
تلك السُّنن التي أفرد كتاب الله لها مساحة معتبرة من قصص الأولين لنصح الأمة بعدم
تكرار أخطاء السابقين وعدم سلوك مسالك الهالكين.
فإذا ما أدرك
الفرد/ الأمة أن هناك أخطاء وقعت بأيدينا، فإن الخطوة الأولى للتوبة تكون الاعتراف
بتلك الأخطاء والندم عليها، ويكون ذلك بفهم مسؤولية كل طرف وكل فرد وكل جهة عما
لحق بالأمة من تردي؛ إذ إن الميل إلى نفي المسؤولية عن الفرد وتحميلها للآخرين أو
للظروف يعني فشلاً في تحقق مجتمع التائبين، فكل فرد في ذلك المجتمع التائب يعي أنه
عضو في جسد واحد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم
وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر
والحمّىّ» (رواه مسلم).
فالمجتمع
الإسلامي قد جعل الفرد لبنة في بنيانه لا ينفصل عنها، وهو ما اقتضاه مفهوم
الاستخلاف المقصود به أن كل فرد له سهم في الصلاح أو الفساد، ومن ثم استوجب
استشراء الفساد الاعتراف بأن كل فرد مسؤول بنصيب في ذلك.
وبذلك تصبح
الخطوة الأولى في التوبة الاجتماعية اعترافاً بالخطأ واعترافاً بالمسؤولية
الجماعية وندماً عليه تمهيداً للانتقال للخطوة الثانية نحو الإصلاح والنهوض.
الإقلاع.. تصحيح المسار
وإذا كان الندم
بداية الوعي، فإن الإقلاع هو بداية الفعل، والإقلاع عن الذنب في السياق الاجتماعي
يكون بمثابة ما يطلق عليه تصحيح المسار الذي يتطلب أولاً إدراك المسار الخاطئ الذي
يمضي فيه المجتمع ثم السعي نحو تصحيحه وإصلاحه عبر دراسة معمقة لأسباب التخلف
ومواطن الضعف، وتوافر المصارحة والشفافية والمشاركة الفعالة من كافة أطياف المجتمع
في ذلك التصحيح ليكون مستجيباً ومعبراً عن حاجات المجتمع.
وفي مرحلة
الإقلاع تأتي خطوة مهمة تضمن تحقُّق التصحيح اللازم للمسار هي خطوة الإقلاع عن جلد
الذات، ففي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»،
فالاستغراق في أخطاء الماضي والتوقف عن الإصلاح يأساً من التغيير من أخطر العقبات
في طريق النهوض، وهي من أهم عناصر التوبة التي يمكن استلهامها لاستنهاض المجتمع،
فقد قال تعالى في كتابه الكريم: (إِلَّا
مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الفرقان: 70)،
وهو ما يعبر عن فرادة التوبة في الإسلام التي لا تجب بما قبلها فحسب، بل ويبدل
الله سيئات التائب حسنات.
وذلك المسار هو
عينه الذي اتبعه المسلمون الأوائل من السابقين الذين دخلوا في الإسلام بعد جاهلية
قحة ارتكبوا خلالها الذنوب والمعاصي، فلما أسلموا وحسن إسلامهم أبدلهم الله بخير
مما كانوا عليه في الجاهلية فجمع شملهم وفتح عليهم البلاد ورفع شأنهم بين الأمم
بعد أن كانوا قبائل متفرقة يغير بعضهم على بعض.
وبذلك يتطلب
الإقلاع ثقة بالله وحسن ظن برحمته ومغفرته، ويقيناً بتوفيقه ومعونته لعباده
التائبين، هذه الثقة التي تبني مجتمعًا إيجابيًا ساعيًا نحو الإنجاز متوكلًا على
الله.
العزم.. الاستدامة الحضارية
يمثل العزم
ركناً جوهرياً من أركان التوبة، وما أمسّ الحاجة إلى العزم في المجتمعات المأزومة،
التي ضعف عزمها وتراخت إرادتها وقعدت عن المحاولة الجادة للنهوض! فالعزم في سياق
التوبة الفردي يعني النية الصادقة على عدم تكرار الذنب والصبر على الطاعة، وفي
السياق الاجتماعي يمكن استلهام ذلك العزم في تحقق المثابرة على المشقة التي
تحتاجها النهضة الشاملة والصبر على مصاعب وعقبات ذلك، وكثيرة ما هي العقبات في
يومنا هذا في ظل تسلط الأعداء وتجبرهم وسيطرة حفنة من الدول على مصائر سائر دول
العالم.
من هنا، فالتوبة
في سياقها الاجتماعي تعني أنها ليست حالة انكسار سلبي، ويأس من رحمة الله، بل وعيٌ
نقديٌّ يولّد إرادة التغيير، ويحرك الركود والتراخي عبر ثقة في رحمة الله الذي
يتوب على عباده الصادقين وييسر لهم أسباب الصلاح والنجاح.
وأخيراً، فإن كل
نهضة لا تمر بمراحل التوبة الثلاث إصلاح شكلي لا تغيير جذري، فمشروعات النهوض
الكبرى عبر التاريخ -وحتى غير الإسلامية منها- لم تتمكن من الإصلاح دون اعتراف
بالخطأ وتأمل في أسبابه وتتبع لسبل الإقلاع عنه واستئصال لشأفته، ثم استمرارية على
تذليل العقبات ومواجهة التحديات.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً