الثوريوم في الخليج.. كنز الطاقة المستقبلية ومسار التنويع الاقتصادي

د. هبة جمال جاد

06 يوليو 2025

2556

الثوريوم في الخليج.. كنز الطاقة المستقبلية ومسار التنويع الاقتصادي

في ظل التوجه العالمي نحو التحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة النظيفة، تبرز أهمية الثوريوم (Thorium)  كبديل واعد للوقود النووي التقليدي، حيث تمتلك دول الخليج العربي التي تعتمد اقتصاداتها بشكل رئيس على عائدات النفط والغاز، فرصة تاريخية للاستثمار في تقنيات الثوريوم النووية كجزء من إستراتيجيات تنويع الاقتصاد التي تتبناها وفق الرؤى المختلفة لـ2030م.

ويأتي هذا التوجه منسجمًا مع ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا) (هود: 61)، في دلالة على أن تسخير موارد الأرض واستثمارها يُعد من مقاصد الاستخلاف والإعمار التي شُرع للإنسان تحقيقها.

هل نُصنِّع مستقبلنا قبل أن يُصنِّعنا؟! |  Mugtama
هل نُصنِّع مستقبلنا قبل أن يُصنِّعنا؟! | Mugtama
هل يمكن لدولنا أن تنتقل من مجرد مصدر للنفط، إلى مُنتِج للطاقة الخضراء؟
mugtama.com
×

تشير بعض التقديرات الجيولوجية إلى احتمال امتلاك السعودية احتياطيات من الثوريوم، وقد بدأت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، بالتعاون مع مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة (KACARE)، والشركة الوطنية النووية الصينية (CNNC)، تنفيذ مشروع استكشافي لتقييم موارد اليورانيوم والثوريوم في منطقة حائل؛ ما يعكس اهتمام المملكة بتطوير هذه الموارد لاستخدامات سلمية في الطاقة والمياه.

وقد كان الثوريوم يُعد سابقًا منتجًا ثانويًا في تعدين العناصر الأرضية النادرة، لكنه أصبح اليوم محط أنظار العالم كحل محتمل لأزمة الطاقة والمناخ.

أولًا: الإمكانات الاقتصادية للثوريوم في الخليج:

- تنويع مصادر الدخل في اقتصاد ما بعد النفط: تواجه دول الخليج تحديًا وجوديًا يتمثل في ضرورة تنويع اقتصاداتها بعيدًا عن الاعتماد شبه الكلي على عائدات النفط والغاز، فكما تشير التقارير، تعتمد بعض الاقتصادات الخليجية على النفط في 95% من صادراتها، فيأتي الاستثمار في تقنيات الثوريوم النووية كجزء من الحل لهذه المعضلة، حيث يمكن أن يشكل مصدر دخل مستدام يعوض عن تناقص عائدات النفط في المستقبل.

- تشير بعض الدراسات الأكاديمية إلى أن اكتشاف واستخراج الثوريوم وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة به (من التعدين إلى توليد الطاقة) قد يساهم بشكل ملحوظ في تقوية قطاعات الطاقة والاقتصاد، خاصة إذا تم توفر الاستثمارات المناسبة بحلول عام 2040م.

- الميزة النسبية في الموارد الطبيعية: تمتلك دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، احتياطيات كبيرة من الثوريوم الذي غالبًا ما يوجد مصاحبًا لرواسب العناصر الأرضية النادرة، حيث تشير التقديرات إلى أن احتياطيات المنطقة من الثوريوم تكفي لتلبية احتياجات الطاقة العالمية لعدة قرون إذا ما تم استخدامها في مفاعلات الجيل الرابع.

هذه الميزة تضع دول الخليج في موقع إستراتيجي مماثل لموقعها الحالي في سوق النفط العالمية، حيث يمكن أن تصبح مركزًا عالميًا لإنتاج وتصدير الوقود النووي القائم على الثوريوم، خاصة مع توفر البنية التحتية اللوجستية والخبرة في إدارة سلاسل التوريد العالمية للطاقة.

- تعزيز الصناعات المرتبطة بالطاقة النووية: يمثل تطوير صناعة الثوريوم النووية فرصة ذهبية لدول الخليج لتعزيز الصناعات المرتبطة بها، مثل: صناعة المفاعلات النووية الصغيرة والمتوسطة، ومراكز البحث والتطوير في التقنيات النووية المتقدمة، وصناعة معالجة الوقود النووي وإعادة تدويره، ومراكز التدريب على تشغيل المفاعلات النووية.

هذه الصناعات يمكن أن توفر آلاف الوظائف عالية المهارة للشباب الخليجي، وتسهم في بناء اقتصاد المعرفة الذي تسعى إليه رؤى التنمية في المنطقة.

ثانيًا: المزايا الفنية والبيئية للثوريوم:

1- الأمان النووي المتفوق:

تتميز مفاعلات الثوريوم بمستويات أمان أعلى بكثير من المفاعلات التقليدية، حيث إنها لا يمكن أن تتعرض لانصهار نووي كارثي، وتنتج كميات أقل بكثير من النفايات المشعة، ونفاياتها تبقى مشعة لفترات أقصر (300 سنة مقابل 10 آلاف سنة للوقود التقليدي)، وأيضًا لا يمكن استخدامها لإنتاج أسلحة نووية بسهولة.

هذه المميزات تجعلها خيارًا مثاليًا لدول الخليج التي تبحث عن حلول طاقة آمنة ومستدامة.

2- الكفاءة العالية في إنتاج الطاقة:

يتمتع الثوريوم بكفاءة طاقة أعلى من اليورانيوم، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن طنًا واحدًا من الثوريوم يمكن أن ينتج طاقة تعادل نحو 200 طن من اليورانيوم، أو 3.5 ملايين طن من الفحم تقريبًا؛ ما يعني حاجة أقل للوقود وتكاليف تشغيل أدنى على المدى الطويل، وذلك وفقًا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA).

3- التوافق مع أهداف الاستدامة:

يسهم استخدام الثوريوم في تقليل الانبعاثات الكربونية بشكل كبير؛ ما يتوافق مع التزامات دول الخليج بموجب اتفاقية باريس للمناخ، كما أن دورة الوقود الأقصر لنفايات الثوريوم تجعلها خيارًا أكثر استدامة بيئيًا من التقنيات النووية الحالية.

ثالثًا: التحديات والفرص تحديات التكنولوجيا والبنية التحتية:

على الرغم من المزايا العديدة، فإن تقنيات الثوريوم تواجه بعض التحديات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة في البحث والتطوير، منها: محدودية المفاعلات التجارية الجاهزة حاليًا، والحاجة إلى تطوير سلسلة توريد متكاملة للوقود، وعدم إغفال متطلبات بناء كوادر بشرية متخصصة.

- المنافسة مع مصادر الطاقة الأخرى: يأتي تطوير تقنيات الثوريوم في وقت تشهد فيه مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمسية والرياح تطورًا سريعًا وانخفاضًا في التكاليف، ومع ذلك، تظل الطاقة النووية ضرورية كطاقة أساسية (baseload) لا تتأثر بتقلبات الطقس.

- الفرص الاستثمارية: تمتلك دول الخليج، بفضل سيولتها المالية العالية، فرصة ذهبية للاستثمار في هذا المجال من خلال إنشاء صندوق خليجي لتمويل أبحاث الثوريوم، وإقامة شراكات إستراتيجية مع الدول الرائدة في هذا المجال كالهند والصين، مع تطوير مناطق صناعية متخصصة في التقنيات النووية المتقدمة.

رابعًا: دراسات حالة.. نماذج عالمية ناجحة:

- التجربة الهندية: تعد الهند رائدة في مجال تطوير مفاعلات الثوريوم، حيث تمتلك برنامجًا طموحًا لبناء مفاعلات تعمل بالثوريوم بحلول عام 2030م، يُقدر أن الهند تمتلك نحو 846.500 طن من احتياطيات الثوريوم المحددة، وهي من بين أعلى الاحتياطيات عالميًا، بحسب تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، ويمكن لدول الخليج الاستفادة من الخبرة الهندية في هذا المجال.

- التجربة الصينية: أطلقت الصين مشروعًا ضخمًا لتطوير مفاعلات الثوريوم في صحراء جوبي، كما أن احتياطياتها المؤكدة من الثوريوم تتجاوز 100 ألف طن؛ ما يعزز قدرتها على قيادة هذا النوع من الطاقة، طبقًا لتقرير «OECD»، وهو نموذج يمكن لدول الخليج محاكاته نظرًا للتشابه في الظروف المناخية.

خامسًا: الرؤية المستقبلية:

مع التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة، يمكن لدول الخليج أن تمارس دورًا محوريًا في سوق الطاقة العالمية من خلال:

- إنشاء مركز إقليمي لأبحاث الثوريوم: يستقطب الخبراء العالميين ويطور حلولًا مخصصة لظروف المنطقة.

- إطلاق برنامج خليجي مشترك: لتطوير مفاعلات الثوريوم وتوحيد الجهود والموارد.

- تأسيس صندوق استثماري خليجي: لتمويل المشاريع البحثية والتجارية في هذا المجال.

- بناء شراكات إستراتيجية: مع الدول والشركات الرائدة في تقنيات الثوريوم.

- تطوير التشريعات والضوابط: لتنظيم صناعة الثوريوم النووية بشكل آمن ومستدام.

يمثل الثوريوم فرصة استثنائية لدول الخليج للانتقال من اقتصاد يعتمد على الطاقة الأحفورية إلى اقتصاد متنوع يقوم على التقنيات المتقدمة، بامتلاكها الموارد المالية والبشرية والبنية التحتية اللازمة، يمكن لدول المجلس أن تتحول إلى مركز عالمي لطاقة المستقبل القائمة على الثوريوم؛ ما يضمن لها موقعًا إستراتيجيًا في خريطة الطاقة العالمية خلال العقود القادمة.

يتطلب تحقيق هذه الرؤية إرادة سياسية قوية واستثمارات ضخمة في البحث والتطوير، لكن المكاسب الاقتصادية والإستراتيجية التي يمكن جنيها تجعل من هذه الاستثمارات خيارًا لا بد منه لدول تسعى لضمان ازدهارها في عالم ما بعد النفط.






________________________

1- Argaam.(2017, December 17). Saudi Arabia begins exploration of uranium, thorium.

Argaam News. https://www.argaam.com/en/article/articledetail/id/519901.

2- Watts, M. (2017, May 7). 100 years of Middle East oil and gas exploration. MEED. https://www.meed.com/100-years-of-middle-east-oil-and-gas-exploration/.

3- OECD. (2015, August 10). Introduction of thorium in the nuclear fuel cycle. OECD

Publishing. P.35  https://doi.org/10.1787/9789264241732-en.

4- International Atomic Energy Agency (IAEA). (2005). Thorium fuel cycle — Potential benefits

and challenges. (IAEA-TECDOC-1450). Vienna: IAEA. https://www-pub.iaea.org/mtcd/publications/pdf/te_1450_web.pdf.

5- Elhiraika, A. B., & Hamed, A. H. (2006). Explaining growth in an oil-dependent

economy: The case of the United Arab Emirates. In Contributions to Economic

Analysis (Vol. 278, pp. 359–383). Elsevier. https://doi.org/10.1016/S0573-8555(06)80016-6.

6- Council on Foreign Relations. (2024, November 21). Economics: Middle East and North

Africa. CFR Education. https://education.cfr.org/learn/reading/economics-middle-east-and-north-africa.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة