الجذور التاريخية لدعوى تقييد تعدد الزوجات (1)

د. فاطمة حافظ

11 يونيو 2026

141

الجذور التاريخية لدعوى تقييد تعدد الزوجات (1)

يرتبط طرح مشروعات قوانين الأحوال الشخصية عادة بإثارة مسألة تقييد التعدد، وهي مسألة حساسة لتصديق الحكومات على الاتفاقات الأممية التي تعارض فكرة التعدد، ولذلك تضمنت القوانين الحديثة إجراءات مقيدة للتعدد تصل -في بعضها- إلى اشتراط الحصول على إذن من المحكمة قبل الإقدام عليه.

وفي السطور التالية، نتناول منشأ فكرة تقييد التعدد ومحاولات تطبيقها، وكيف تطورت تاريخياً، وحجج الداعين إليها وحجج معارضيها، ولماذا لم توضع موضع التنفيذ؟

1- محاولة الشيخ محمد عبده (1899م):

هو أول من تطرق إلى ضرورة التدخل القضائي لتقييد تعدد الزوجات، وذلك في تقريره الذي أعده لنظارة الحقانية (نوفمبر 1899م) حول إصلاح المحاكم الشرعية، وفيه وصف التعدد بأنه «الداء العضال والمرض القتال»، وقال: «وإني أرفع صوتي بالشكوى من كثرة ما يجمع الفقراء من الزوجات في عصمة واحدة، فإن الكثير منهم عنده أربع من الزوجات أو ثلاث أو اثنتان وهو لا يستطيع الإنفاق عليهن، وهو لا يستطيع الإنفاق عليهن ولا يزال في نزاع على النفقات وسائر حقوق الزوجية ثم إنه لا يطلقهن»(1).  

واقترح عبده حلاً يتمثل في إلزام كل مأذون أن يسأل قبل عقد الزواج أي شخص غير معروف باليسار هل له زوجة أخرى، فإن كان فكيف يستطيع الإنفاق عليهن، ويثبت ذلك في ورقة العقد، ولم يكتف بذلك، واقترح تحديد حد معين من الثروة لمن يرغب في التزوج بأكثر من امرأة، وتضمين العقد وسائل معيشة الزوج ومصادر دخله، وعلل ذلك بأنه «أدعى إلى تضييق دائرة الضرر ولا شيء من أصول الشريعة يأبى ذلك، بل هو من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. فإذا تحقق أن الزوج لا يستطيع الإنفاق على زوجته وأن الزواج يفسد أمر معيشته ويلجئه للخروج عن الحدود التي حدها الله له حرم عليه الزواج بلا خلاف».

يفهم من هذا أن محاولة عبده لتقييد الزواج اتسمت بطابع طبقي واضح، فهو يرى التقييد يتعلق بالفقراء المعوزين الذين يتعذر عليهم النفقة، أما أهل اليسار فليس هناك ما يستدعي تقييد تزوجهم بأكثر من واحدة، ولعل هذه المسألة كانت سبباً في عدم الأخذ بمقترحه؛ إذ الأصل أن التشريعات تكون للعموم، وليس لفئة دون فئة.

من جانب آخر، يعلق الشيخ محمد أبو زهرة على هذا المقترح بأن الله تعالى قيد إباحة التعدد بقيد القدرة على الإنفاق بقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) (النساء: 3)، وذهب الفقهاء إلى ضرورة توافره، ولكن إذا وقع الزواج ولم يتحقق القيد هل يكون صحيحاً؟ وقد اتفقوا أن النفقة ليست من شروط الصحة، ولذلك يصح الزواج وإن لم يتوفر هذا الشرط، ويكون الشخص آثماً بذلك ويحاسبه الله.

وكذلك ليس هناك ما يمنع ولي الأمر من أن يسلك مسلك التقييد؛ «ولكن أمامه إجماع المسلمين من لدن عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصر الأستاذ الشيخ محمد عبده، وما علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم منع زواج أحد لعدم قدرته على الإنفاق»(2).

2- مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية (1927م):

ألَّفت وزارة الحقانية المصرية لجنة لتعديل قانون الأحوال الشخصية في أكتوبر 1926م، وبعد أشهر أصدرت اللجنة مشروعاً بالتعديل يتضمن 25 مادة، الثلاث الأول منها تتعلق بتقييد الطلاق.

إذ تنص المادة الأولى على أنه: «لا يجوز لمتزوج أن يعقد زواجه بأخرى، ولا لأحد أن يتولى عقد الزواج أو يسجله إلا بإذن القاضي الشرعي»، والثانية: «لا يأذن القاضي بزواج متزوج إلا بعد التحري وظهور القدرة على القيام بحسن المعاشرة والإنفاق على ممن في عصمته ومن تجب نفقتهم عليه من أصوله وفروعه»(3).

أثار الإعلان عن صدور المشروع ردود فعل عنيفة في الأوساط الإسلامية، لدواعٍ مختلفة، من بينها أن الإعلان عن المشروع جاء في سياق مشحون؛ إذ جاء عقب أزمة كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبدالرازق عام (1925م)، وكتاب «في الشعر الجاهلي» في العام التالي وهو ذات العام الذي كلفت فيه اللجنة بوضع مشروعها الذي صدر في مارس 1927م، وقد أشعر هذا السياق أن هجمة علمانية تستهدف الثوابت الإسلامية، وأن المشروع حلقة ضمن حلقاتها.

تحسبت اللجنة لردود الفعل الذي قد يحدثها المشروع؛ لذا أتبعته بمذكرة إيضاحية تشتمل على بيان الأسباب والمسوغات التي دعتها لتبني هذا المقترح، ويمكن تلخيص ما ذهبت إليه في المسائل الآتية:

1- أن الشريعة لم تبح التعدد إلا حيث لا يخشى الجور سواء كان تعلق بالزوجات أم بغيرهن.

2- يحق لولاة الأمر وضع التعازير في كل معصية غير مقدرة العقوبة.

3- أن المحاكم الشرعية تنظر كل يوم عدداً هائلاً من قضايا النفقة ولا منشأ لها إلا التعدد.

4- أدرك المصلحون المسلمون أن التعدد منشأ كل رذيلة، ودعا الشيخ محمد عبده من قبل إلى تقييده ولم يؤخذ به.

5- لم تقصد اللجنة فيما شرعته «أن تغير مشروعاً أو تمنع مباحاً، وإنما قصدت أن تمنع منكراً اتفقت جميع المذاهب على إنكاره».

وعلى الجهة المقابلة، قوبل المشروع برفض من الإسلاميين على اختلافهم، وقد تفاوتت ردود فعلهم عليه، فدعا الشيخ عبدالعزيز جاويش إلى عقد مؤتمر إسلامي عام لبحث مشروع الأحوال الشخصية، وقدمت عرائض إلى وزارة الحقانية تدعوها للتريث ومشاورة أهل العلم.

وكتب بعض العلماء مفندين ما تضمنه هذا المشروع، ومنهم الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار الأسبق، الذي وضع كتاباً كاملاً لدحض هذا المشروع أسماه «رفع الإغلاق عن مشروع الزواج والطلاق»، والشيخ رشيد رضا الذي كتب في المنار مفنداً هذا المشروع.

يفترض الشيخ المطيعي في كتابه «كل ما قاله واضعو المشروع وما رتبوه على تعدد الزوجات من الضرر بهن وبالأولاد، ورتبوا على ذلك أن قيدوا التعدد بأمر القاضي مصادم لما أمر الله تعالى به في كتابه وشرعه على لسان رسوله»، ولو استرسلنا مع ما ذكروه لأغلق باب الزواج أصلاً لأن ما قالوه يوجد مع الواحدة أيضاً»(4).

ويضيف أن ما استندوا إليه من أنه يحق لولي الأمر التعزيز على كل معصية لم يرد فيها عقوبة، ويحق له تقييد المباح فهو «كلمة حق استعملت في باطل»؛ لأن النكاح ليس مباحاً، وإنما سُنة أو واجب أو فرض عند وجود ما يقتضيه، وهو ليس بمعصية كما افترضوا حتى يتم تعزير من يتزوج بأكثر من واحدة.

ويلتفت الشيخ إلى مسألة مهمة؛ وهي أن النصوص الفقهية التي استند إليها واضعو المشروع في مذكرتهم الإيضاحية مبتورة من سياقها، وجلها يندرج تحت باب الإمامة، ولا تفيد ما ذكروه(5).

أما رشيد رضا، فقد ركز انتقاداته للمشروع على مسألة السياق الاجتماعي والثقافي الذي تعيشه مصر، وشهد استقطاباً حاداً بين تيار التغريب أو «الإلحاد» كما أسمه، وتيار الإسلام وأهله، وفي ظل هذا السياق طرح كتاب طه حسين ووجد له بعض الأنصار، وعلى إثره طرح مشروع الأحوال الشخصية، فأوجس الأزهريون ودعاة الإصلاح الإسلامي منه خيفة وظنوا أنه خطوة على الطريق الذي سارت فيها الحكومة التركية وانتهت بإلغاء الخلافة وفصم عرى الصلة بالإسلام.

نخلص مما سبق إلى أن الدعوة إلى تقييد تعدد الزوجات تعود إلى أوائل القرن الماضي، وأن العلماء نهضوا بواجبهم في تفنيدها، وهو ما أدى إلى عرقلتها.

الهوامش
  • 1 تقرير مفتي الديار المصرية، ص 71-72.
  • 2 انظر: محمد أبو زهرة، محاضرات في عقد الزواج وآثاره، ص 134، 137.
  • 3 انظر: نص المشروع على موقع حوارات الشريعة والقانون على الرابط التالي: https://2u.pw/jzoSov
  • 4 رفع الإغلاق، ص 61-62.
  • 5 المرجع السابق، ص 11.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة