الحبل السُّري وتفكيك «الأمومة» في الدراما والسينما

د. صفاء البيلي

16 نوفمبر 2025

878

الحبل السُّري وتفكيك «الأمومة» في الدراما والسينما

ما تزال العلاقة بين الأم وأبنائها في وجداننا العربي راسخة، تتجسد فيها أعظم معاني التضحية وأصدق مشاعر الحنان، فهي «الحبل السري» الخفي الذي يشدّ الماضي إلى الحاضر، ويربط الأصول بالفروع، والشذا بالندى والعطر بوردته، ولطالما قدمت الدراما العربية الأم في بداياتها عبر صور تفيض بالكمال والجمال والطيبة والعفة، وتجسدها في شخصيات معجونة بالتضحية، والعطاء، ورمزاً عائلياً مقدساً لا يجوز انتقاده بأي حال من الأحوال.

ولكن، مع تسارع إيقاع الحياة واصطدام قيم المجتمع ببعضها، وفوران التكنولوجيا وثورتها اللاهثة، لم يعد هذا القالب الدرامي التقليدي أو المثالي يحافظ على مثاليتها، فشاهدنا الدراما وهي تتجه نحو تفكيك جريء لبنيتها الرهيفة وكيانها المقدس رويداً رويداً، لتكشف لنا عن مستويات جديدة في شخصيتها، مستويات ما كانت تظهر إلا على خجل كنماذج: الأم المتسلطة، أو المغبونة، أو المهملة، أو اللاهية.. إلخ!

والسؤال: كيف حولت الدراما هذا «الحبل السري» من مرادف للقداسة إلى ساحات للصراع، والنقد، ووضعها بعيداً عن مقولة المثالية؟ لعل هذا ما سيكشفه لنا تجسدات صورتها عبر تاريخ الدراما العربية الممتد.

المسرح.. أكثر الثيمات تعددية

على خشبة المسرح، نرى صورة الأم من أكثر الثيمات حضوراً وعمقاً، حيث تختزل مسيرة الفطرة البشرية في أنقى صورها، وتمثل غالباً المرتكز العاطفي الذي يحاول جاهداً أن يحفظ للأبناء أمنهم وسعادتهم بأي ثمن، والعروض المسرحية التي تناولت هذا الدور كثيرة، سواء التي كانت تعتمد على كتابات عالمية أو عربية أو محلية.

فمثلا عرض «دائرة الطباشير القوقازية» (مصر، 1968م)  لسميحة أيوب يقف على مساءلة الأمومة البيولوجية مقابل أمومة الرعاية، أما عرض «الأم شجاعة» ( مصر، 2011م) لدلال عبدالعزيز قدمت فيه الأم في سياق الحروب، مع وقوف غريزة البقاء في مواجهة وحشية الحرب، وكذلك عرض «مشاحنات» (مصر، 2022م) لريم حجاب كشف التعقيدات النفسية وهشاشة العلاقات الأسرية، عبر أم تحتضر وصراع الشقيقتين حولها، ولا ننسى عرض «العيال كبرت» (مصر، 1979م) لكريمة مختار وفيه لم يكن صراع الأبناء الحقيقي مع الأب، بل خوفهم من أن يؤدي تفكك الزواج إلى خسارة الدفء الأمومي.

أما على الصعيد العربي، فقد احتفت عروض مثل «يا رب» (العراق، 2016م) لسهى سالم الذي يركز على مأساة الأمهات العراقيات الأرامل المفجوعات بفقدان أولادهن جراء العنف والحروب.

أما المسرح الخليجي وبخاصة الكويتي، فقدم لنا نماذج معقدة للأم، التي غالباً لم يكن يتم انتقادها لذاتها بل لتصرفاتها، فعرض «سكانه مرته» (الكويت، 1964م) لمريم الغضبان، حيث تم تصوير الأم كشخصية متسلطة تُسيّر أمور بيتها بسوء المعاملة والتفريق بين أبنائها، وفي المقابل، ظهرت الأم في مسرحية «السدرة» (الكويت، 1976م) لحياة الفهد، الحاضنة للأسرة كرمز للإيجابية.

كما تميز المسرح الكويتي بتقديم نموذج للأم الحافظة للجذور والتراث، ولم يتوقف الطرح عند حدود المنزل، بل شمل دور الأم النشط اجتماعياً وسياسياً في الانتخابات، كما في مسرحية «انتخبوا أم علي» (الكويت، 1993م) لانتصار الشراح، وكذلك عرض «سيف العرب» (الكويت، 1992م) لمريم الصالح التي قدمت خلاله صورة الأم في دورها الوطني المقاوِم.

الدراما التلفزيونية.. الحفاظ على السلطة المطلقة

في الدراما التلفزيونية، اتسعت الصورة، لتشمل كل الأقطار العربية؛ ما أتاح تعددية النماذج، فمثلت الأم «فاطمة تعلبة» هدى سلطان في مسلسل «الوتد» (مصر، 1996م) نموذجاً للسلطة الأمومية المطلقة والحكيمة التي تفرض هيمنتها على أبنائها حتى بعد زواجهم، بعكس شخصية الأم «ناجية» فيفي عبده في مسلسل «الحقيقة والسراب» (مصر، 2003م) التي جسدت نموذجاً للأم ذات السلطة المطلقة.

وفي المقابل، كانت الدراما الخليجية تركز بشكل كبير على دور الأم كـحارسة للنسيج الاجتماعي والتقاليد القبلية، ففي أعمال مثل «القدر المحتوم» (الكويت، 2001م)، و«الخراز» (الكويت، 2007م)، نجد الأم طرفاً في صراع الطبقات، حين تقف بحزم ضد رغبات أبنائها في الزواج من طبقات اجتماعية لا ترضيها، وتمارس الوصاية للحفاظ على اسم العائلة فقط.

ومع التغيرات الاجتماعية السريعة في منطقة الخليج، بدأت الدراما تعالج صورة الأمومة في ظل التحرر الاقتصادي والاجتماعي، فبدأنا نرى الأم القلقة على أبنائها الذين يدرسون في الخارج، كما في مسلسل «دفعة لندن» (إنتاج خليجي مشترك، 2023م) ليلى عبدالله، لتتحول العلاقة بأولادها من أمر مباشر إلى الإدارة عن بُعد للقلق الأبوي.

أما التحول الأكبر والأكثر إثارة في العقد الأخير، فتمثل في مواجهة الأم للتحديات القانونية والتكنولوجية، كما في مسلسل «تحت الوصاية» (مصر، 2023م) حيث انتقلت الأم منى زكي من دائرة المنزل إلى صراع قانوني واقتصادي من أجل حقها في الوصاية على أبنائها، ومناقشة القوانين التي تضعف دور الأم المستقلة، بالتوازي، نرى الأم العصرية التي تخوض معركة يومية لفهم جيل التكنولوجيا الذي يتشكل وعيه بعيدًا عنها، كما في مسلسل «كامل العدد» (مصر، 2023م)، فنرى العلاقة وكأنها جسر يحاول العبور فوق فجوة ثقافية عميقة بين الأجيال.

وفي الدراما الشامية الحديثة، نرى مسلسل «عشرين عشرين» (لبنان، 2021م) لنادين نجيم، لنرى الأم في سياق الطبقة المتصارعة أو المضطربة، بعلاقتها المتوترة مع أبنائها بسبب انخراطها في صراعات كبرى، تخرجها عن النمط التقليدي.

السينما.. تحولات جذرية على مدار نصف قرن

أما في السينما، فسنرى تحولاتها على مدار أكثر من نصف قرن التي تأسست على نموذج الأم بمختلف أطوارها؛ فنراها كشريكة للكفاح وربة بيت تحمل الأسرة مادياً ومعنوياً مثل تحية كاريوكا، في فيلم «أم العروسة» (مصر، 1963م)، مديرة مالية وعاطفية للأسرة، تكافح لتجهيز ابنتها رغم الديون، ثم ما نلبث أن نراها في دور السلبية الخاضعة لزوجها آمال زايد بدور «أمينة» في فيلم «بين القصرين» (مصر، 1964م)؛ وهي صورة ليست سلبية بالمعنى الأخلاقي، بل سلبية من منظور التمكين (Empowerment)، وغياب السلطة التربوية الفاعلة التي يغيب عنها الوعي الاجتماعي والقدرة على المساءلة.

ثم تتجسد الأم المكافحة وشريك الهمّ الاجتماعي، في «إمبراطورية ميم» فاتن حمامة بدور «منى» (مصر، 1972م) حين يتحدى أبناؤها المراهقون سلطتها بإجراء انتخابات داخلية للتحرر من وصايتها، وهنا تصبح الأمومة في مواجهة مباشرة مع مفهوم الديمقراطية والاستقلال داخل الأسرة، محطِّمة جدار الحماية الأبوية المطلقة.

انتقل هذا التحدي إلى مستويات أكثر قسوة في نهاية الثمانينيات، حيث مواجهة الفقر المدقع، ففي فيلم «يوم مر ويوم حلو» (مصر، 1988م) جسدت فاتن حمامة بدور «عائشة» الأرملة التي تُعيل 5 أبناء، ولا تكتفي بالتضحية، بل تتحمل الآثار النفسية والاجتماعية القاسية للفقر.

ومع دخول الألفية الجديدة، تنوعت قضايا الأم لتشمل الصحة النفسية والتعايش مع المرض، كما في فيلم «آسف على الإزعاج» (مصر، 2008م) لدلال عبدالعزيز بدور «نوال»، ليتحول دور الأم إلى حارس نفسي وداعم لابنها المصاب بالفصام، وتصبح مهمتها الأساسية مساعدة ابنها على التعايش مع عالمه الداخلي.

وفي فيلم «ألف مبروك» (مصر، 2009م) ليلى عز العرب بدور «سعاد» التي قدمت نموذج الأم كمُحفِّز وجودي لتغيّر ابنها، حين يعلم بمرضها، فيحاول إنقاذها، لتصبح هي رمزاً للقيمة الحقيقية غير المشروطة، ويتحرر من الأنانية عبر واجب الحب والاعتناء بها.

بالفعل، لقد غيّرت الدراما العربية نظرة المجتمع للعلاقة بين الأم وأبنائها، فحطمت جدار المثالية لا لتكشف عن واقعيتها فقط بل عن ابتذالها أحياناً!

السؤال الآن: هل يعكس هذا التفكيك الدرامي لـ«الأم المثالية» واقعاً اجتماعياً مُرعبًا للتفكك الأسري؟ أم أنه ضرورة فنية لإنضاج الوعي المجتمعي بدور الأم المعقد والمتغير؟ وهل ستنجح الدراما في المرحلة القادمة في تقديم نموذج للأم التي توازن بين هويتها الشخصية ومسؤوليتها التربوية دون أن تتحول إلى شخصية خارقة أو ضحية مطلقة؟ والأهم من ذلك، متى سنرى الأب وهو يستعيد مكانه بجدية كشريك في هذا التحول الدرامي بعيداً عن كونه مجرد سلطة غائبة أو متسلطة؟!



اقرأ أيضاً:

المُعلِّم.. من أيقونة إلى مادة للسخرية في الدراما العربية!

خطيب المنبر في الأعمال الفنية.. رؤية نقدية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة