الحجاب كرمز حضاري.. قراءة ثقافية تتجاوز الجدل الفقهي
لم تتوقف قيمة
الحجاب في الإسلام عند الحكم الفقهي في كونه فريضة ربانية تأثم من تتركها، ولم
يتوقف عند كونه مجرد قطعة قماش تضعها النساء على رؤوسهن لإخفائها، بل إن السياق
التاريخي والحضاري الذي نشأ فيه هذا التشريع يكشف عن أبعاد أعمق بكثير، فهو قيمة
تختزن رؤية الإسلام للإنسان سواء كان رجلاً أو امرأة، ويعكس كيفية فهم المجتمع
المسلم للعلاقة بين الخصوصية والعامة، وبين الكرامة والحرية، وبين الأخلاق
والعمران.
وفي عصر اشتدت
فيه صراعات الهوية، وتدفقت الأسئلة حول ماهية الحرية ومكانة المرأة، تحول الحجاب
إلى مادة للصراع تجاوزت ميادين الفقه التقليدي، لتصبح عنواناً لصراع حضاري بين
رؤيتين للعالم؛ رؤية تخضع الجسد لقيم الاستهلاك، ورؤية تضعه في إطار الكرامة
الإنسانية.
الحجاب في القرآن.. من حماية الجسد إلى صناعة القيمة
يقول الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل
لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
جَلَابِيبِهِنَّ) (الأحزاب: 59)، يفسر ابن كثير كلمة «يدنين» بمعنى يرخين
ويسدلن، ويرى أن الحجاب جاء لحماية المرأة من أذى السفهاء في المدينة، وليس لفرض
عزلة اجتماعية عليها(1).
وفي قوله تعالى:
(وَلْيَضْرِبْنَ
بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ) (النور: 31)، يمثل خطاب هيئة اجتماعية،
حيث يذكر الطبري أن نساء المدينة كن يغطين رؤوسهن لكن يتركن صدورهن مكشوفة، فنزلت
الآية ترشد إلى تعديل الهيئة الاجتماعية بما يحقق الحياء(2).
والمعنى أن
القرآن لم يتدخل في أصل الزي، بل أعاد تشكليه الأخلاقي بما يناسب مجتمعاً يؤمن بأن
الجسد له قدسية ولا يصلح أن يكون مادة للنظرات العابرة.
وكذلك يرتبط
الحجاب في القرآن الكريم بمفهوم الستر والحياء، وهي قيم سابقة لتفاصيل الفريضة،
فيقول الله عز وجل عن آدم وحواء: (فَبَدَتْ
لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ) (الأعراف:
22)؛ يقول القرطبي: الستر أول فعل بشري بعد الوقوع في الخطأ، وذلك دلالة
على أن الحياء قيمة فطرية وضعها الله في عباده حين خلقهم(3).
وبهذا يصبح
الحجاب امتداداً لفطرة الإنسان، وليس قراراً فوقياً نزل بغير تمهيد.
الحجاب في السُّنة.. ترسيخ الحياء بوصفه قيمة مجتمعية
يقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «إن لكل دين خُلق، وإن خلق الإسلام الحياء» (موطأ الإمام مالك)،
هذا الحديث يضع الحياء في صدارة الأخلاق المؤسسة للمجتمع المسلم، بحيث يصبح سلوكاً
منتظماً ينعكس في الزي والعلاقات الاجتماعية وطبيعة الخطاب بين الناس.
وتتضح قيمة ضبط
الذوق العام جلية في حديث السيدة أسماء حين قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «يا
أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا»، وأشار إلى
الوجه والكفين. (سنن أبي داود).
الحديث السابق يرسخ
حدود الآداب العامة؛ إذ يحدد ما ينبغي أن يظهر في المجال الاجتماعي، وهو ما تفعله
جميع الحضارات ولكن بطرق مختلفة، والمرأة المسلمة لم تعش في عصر الرسالة منكفئة
على ذاتها، بل عاشت حياة عامة، تشارك في الأسواق، وتطبب الجرحى، وتخرج في الغزوات،
ولو كان الحجاب يعني العزل ما شاركت في كل هذه الأنشطة، ويذكر ابن سعد عن رفيدة
الأسلمية أنها كانت تعالج الجرحى في المسجد(4).
الحجاب كرمز حضاري.. الهوية التي تظهر في الزي
بعض الأشياء
تحمل رمزية معبرة، والحجاب في الإسلام ليس مجرد زي، وإنما يمثل شعيرة إسلامية، وأن
المرأة بحجابها محجوبة عن المتطفلين، فلا يجوز مصافحتها، وكونها امرأة مسلمة تلتزم
بفرائض الإسلام وسُننه.
وتشير الدراسات
السوسيولوجية (مثل أعمال بيير بورديو)(5) إلى أن معاني اللباس تتجاوز
الوظيفة العملية إلى الرمزية الطبقية والثقافية، وهذا ينسحب على الحجاب الذي أصبح
في العالم الإسلامي رمزاً لحياة نظيفة، وقيم ثابتة، وموقف ثقافي من فكرة تحويل
الجسد لشيء يمكن العبث به بالبيع والشراء.
الحجاب.. وحماية المرأة
هناك مقاصد
واضحة تتعلق بحماية العرض والكرامة والحياء، وهي مقاصد لا تخص المرأة وحدها بل
تشمل المجتمع كله، يقول الشاطبي: «التشريعات المتعلقة باللباس مبناها على حفظ
العورات وصيانة الأعراض»(6)، فالمقصد الأول للحجاب يتمثل في حفظ المرأة
من الابتذال، وأما الثاني فضبط الذوق العام للمجتمع المسلم، وحفظ العلاقة بين
الجنسين في حدود الاحترام المتبادل والأخوة الإسلامية، وبما يتوافق مع قول النبي
صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (أخرجه
البخاري)، وبهذا يصبح الزي نسخة من النظام الأخلاقي للمجتمع، وهو ما تكرر في كل
الحضارات التي تحدد لباساً رسمياً أو حدوداً للملابس في الأماكن العامة.
الحجاب في عمران المدينة
أتى الإسلام
وقام بتنظيم البيت والشارع والأسواق في المدن الإسلامية، يقوم على حماية الفرد
والأسرة والمجتمع بدرجة واحدة، ويأتي الحجاب بهذا النسق ليكون جزءاً من هندسة
اجتماعية أوسع، تشمل: احترام المجال العام، وحماية المرأة من النظرات، وإنشاء
مساحات عامة تحفظ المهابة بين الرجل والمرأة.
وقد وصف المفكر
التونسي عبدالرحمن بدوي المجتمع الإسلامي بأنه مجتمع «حياء عام لا حياء فردي»(7)،
ولم يكن الحجاب مانعاً للمرأة من أن تمارس المشاركة في العمل والبيع والشراء،
والحجاب ما كان إلا ستراً وحشمة.
لماذا يُستهدف الحجاب اليوم؟
هناك صراعات
علمانية تحت شعار حرية المرأة وحقوقها حول قيمة الحجاب كرمز للفكرة الإسلامية
وفكرة الحياء والحدود بين الجنسين، يقول طه جابر علواني: إن المعركة على الحجاب
ليست معركة فقهية، وهل هو فريضة أم فضيلة، وإنما هو صراع على المرجعية(8).
والحجاب يقف على
رأس منظومة أخلاقية كاملة، تشمل: الأسرة، وتقدير الأمومة، والحياء، وحفظ العلاقات،
وحين تستهدف هذه المنظومة، يستهدف رمزها وهو الحجاب، وهو رمز لرفض الهيمنة
الثقافية الغربية، ولذا يصبح صوته أعلى في زمن العولمة.
نحو خطاب عالمي إنساني
تحتاج المرأة
المسلمة اليوم إلى خطاب جديد يقدم الحجاب للعالم بوصفه حقاً ثقافياً يعبر عن حرية
الاختيار، وقيمة إنسانية تحمي الجسد من انتهاك النظرات، ورمزاً حضارياً يعبر عن
رؤية الإسلام للكرامة الإنسانية، وموقفاً أخلاقياً في مواجهة ثقافة الاستعراض
الدنية، علاوة على أنه هوية إيجابية تمنح المرأة مكانة وقوة اجتماعية.
وبرغم الحرب
الشرسة حتى من داخل المجتمع الإسلامي من بعض الرموز العلمانية، يظل الحجاب قيمة
حضارية وتاريخية ورمزاً قوياً للهوية وعلامة فارقة من علامات الحضارة الإسلامية،
وتتأكد أهميته بوصفه رمزاً لكرامة المرأة.
____________________
(1) تفسير
القرآن العظيم لابن كثير، ج6، ص422.
(2) الطبري،
جامع البيان، ج19، ص158.
(3) الجامع
لأحكام القرآن للقرطبي، ج7، ص202.
(4) الطبقات
الكبرى لابن سعد، ج8، ص352.
(5) بيير بورديو،
عالم اجتماع ومفكر فرنسي شهير يُعد من أبرز علماء الاجتماع في القرن العشرين،
اشتهر بتحليلاته عن التفاوت الاجتماعي وإعادة إنتاج الهياكل الطبقية من خلال
العوامل الثقافية والتعليمية، من أبرز أعماله كتاب «التمييز» الذي ربط فيه بين
الذوق الاجتماعي والمكانة الاجتماعية، ومفاهيمه الأساسية مثل «الهابيتوس» و«رأس
المال الثقافي» و«المجال الاجتماعي».
(6) الموافقات
للشاطبي، ج2، ص395.
(7) مبادئ
الفلسفة الإسلامية، ص204.
(8) أزمة الفكر
الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص112.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً