الحج.. شعيرة تهزم الانقسام
لم يزل خيال
الكثيرين ممن قدر الله لهم أن يؤدوا فريضة الحج عاجزاً عن استيعاب كيف يمكن لأكثر
من 1.6 مليون حاج وحاجة هم عدد حجاج بيت الله الحرام العام الماضي، وفق الإحصاءات
الرسمية للحاصلين على التصاريح، فضلاً عن أعداد أخرى لا تحصى بدقة أن يجتمعوا في
زمان واحد ومكان واحد بهذا القدر المدهش من التنظيم، وقد نشأت بينهم حالة فريدة من
الانسجام الروحي والتوحد الإنساني قلَّما تعرفها تجمعات بشرية أقل عدداً بكثير.
لكنها الحقيقة
التي شهد بها الجميع وأصبحت واقعاً معلوماً يتكرر كل عام دون أن يفقد قدرته على
الإدهاش، إذ تتحول تلك الحشود الهائلة على اختلاف أوطانها وألسنتها وألوانها
وثقافاتها إلى كيان واحد تحكمه غاية واحدة ومشاعر مشتركة وتنفيذ لتوجيهات إله
واحد، فلا تسمع منهم إلا تلبية واحدة، فيما لا يتوجهون إلا إلى قبلة واحدة، وقد
ذابت بينهم أكثر الفوارق التي صنعتها الدنيا؛ فلا تعرف الغني من الفقير ولا الحاكم
من المحكوم.
بهذا يصبح الحج
نموذجاً حياً ومتجدداً ورسالة بليغة على أن اتباع تعاليم الإسلام وقيمه كفيل بأن
يصهر هذا التنوع الإنساني والثقافي والاجتماعي الهائل داخل بوتقة واحدة لا تقوم
على المصالح العابرة ولا الحسابات السياسية الضيقة، وإنما على رابطة العقيدة التي
تجعل ملايين البشر رغم ما بينهم من اختلافات أقرب إلى الجسد الواحد.
دروس الحج
والحقيقة أن
الحديث عن رمزية الحج بوصفه مظهراً من مظاهر وحدة المسلمين لا ينبع فقط من كونه
شعيرة تجمعهم من شتى أقطار الأرض في مكان واحد وزمان واحد رغم أهمية هذا البعد في
حد ذاته، وإنما يستند أيضًا إلى جملة من الدروس العميقة التي يقدمها الحج.
فالحج يعيد
صياغة علاقة الفرد بالجماعة وعلاقة المسلم بالمسلم الآخر على أساس من المساواة؛
فتتلاشى الفوارق الطبقية والاجتماعية والعرقية، حيث يقف الجميع في مشهد واحد بلباس
واحد لا يميز بينهم إلا التقوى والعمل.
ويقدم الحج درساً
في إدارة التنوع، فاختلاف اللغات والمذاهب والثقافات لا يتحول إلى صراع أو تصادم،
بل يدار ضمن منظومة واحدة من الشعائر تتسع للجميع دون إقصاء أو إلغاء، فيما يعمل
على ترسيخ الانتماء القائم على العقيدة المشتركة.
كما يبرز الحج
قيمة الانضباط الجماعي، فالتزام الحجاج بالنظم والتعليمات وتحركهم في جماعات ضخمة
دون انهيار أو فوضى يعكس أن الوحدة لا تقوم على العفوية أو الشعارات، بل على وعي
جماعي بقواعد السلوك المشترك واحترام النظام العام.
أيضاً يكتشف
المسلمون في الحج أنهم لا يعرفون عن بعضهم إلا قليلاً، فيما أن أغلبه خطأ حيث
يعتمدون في ذلك على ما تتناقله الفضائيات -بعضها مغرض ومتعصب- والخطابات المذهبية
والدعاية السياسية ومواقع التواصل، بينما هم متشابهون في الهموم والمشاعر
والأحلام.
بين الوحدة والانقسام
لكن وبكل أسف،
فإننا وفي مقابل تلك الصورة الناصعة نجد واقعاً مغايراً لحال العالم الإسلامي الذي
يشهد انقسامات حادة وصراعات ممتدة واستقطابات لا محدودة، حتى باتت الأمة التي
تجتمع في موسم الحج على قلب رجل واحد تبدو في غالب أيامها وكأنها أمم متفرقة لا
تربط بينها سوى الذكريات والشعارات، وقد مزقتها النزاعات السياسية والصراعات الطائفية
والمذهبية والحروب الداخلية وحملات الكراهية والتحريض الإعلامي.
وما زاد الطين
بلة أن هذا الواقع المزري للأمة الذي استنزف قدراتها وطاقاتها كان بمثابة الضوء
الأخضر الذي منح الأعداء كل الفرص الممكنة للتدخل في شؤون بلداننا العربية
والإسلامية؛ ما أضعف كل محاولة للتقريب ورأب للصدع بين عناصر الأمة لتتفاقم حالة
التشرذم وتتسع الهوة بينما يبدو العدو وكأنه ولي حميم.
ونسي المسلمون
أمام تلك الأوضاع أحد أهم مقاصد الحج، ففضلاً عن عبادة الله التي يمكن أن تتحقق
أيضاً في الصلاة والصيام، فإن هناك مقصداً لا يقل أهمية يتعلق بأن هذه الشعيرة
العظيمة لم تشرع فقط ليؤدي الناس مناسك محددة في زمان ومكان معلومين، وإنما لتعيد
إلى الأمة وعيها بذاتها وتذكرها بحقيقة الروابط التي تجمع أبناءها، فالحج إعلان
عملي بأن المسلمين أمة واحدة.
وهنا يأتي
السؤال الأهم: كيف للمسلمين الذين نجحوا وباقتدار خلال أيام الحج في إدارة هذا
التنوع الإنساني والثقافي الهائل بروح من الانضباط والتسامح والتعاون، بينما عجزوا
في ذات الوقت عن نقل هذه الروح إلى واقعهم السياسي والاجتماعي والثقافي؟ ولماذا لا
يحافظون ولو على الحد الأدنى من وحدة الأمة وتماسكها حتى بدا الحج وكأنه مجرد
تجربة روحية مؤقتة تنتهي بانتهاء المناسك؟
نحو استعادة الوحدة
لا يعني ما سبق
أنه لا سبيل إلى استعادة الأمل، أو أن الأمة قد فقدت إلى الأبد قدرتها على استعادة
شيء من وحدتها المفقودة، فالحج نفسه سيظل، رغم التغافل عن أحد أهم مقاصده، دليل
عملي متجدد على أن إمكانية أن يجتمع المسلمون.
يؤكد ذلك ما
أشار إليه أحد المنصّرين في أوائل القرن العشرين عندما كتب تعقيباً على فشل حملته
التنصيرية في مصر يقول: «سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها محاولات التبشير
المسيحي ما دام للإسلام هذه الدعائم الأربع؛ القرآن والأزهر واجتماع الجمعة
الأسبوعي ومؤتمر الحج السنوي»، فالحج بما هو عليه سيبقى وكأنه آلة تنبيه ستجد
صداها العملي يوماً ما.
في هذا الإطار،
فإنه لزم ألا يتوقف الدعاة أو المفكرون أو الكتّاب أو سائر الفاعلين في الحقل
الديني والثقافي والإعلامي عن إبراز المقاصد العملية للحج، لا باعتبارها مقاصد
موازية أو هامشية للبعد التعبدي، بل باعتبارها جزءاً أصيلاً من فلسفة هذه الشعيرة
التي لا تكتفي بتزكية الفرد روحياً، وإنما تسعى في الوقت نفسه إلى بناء معنى الأمة
الواحدة في الوعي والسلوك والعلاقات.
وبالطبع، لا
يتوقف الأمر عند التوعية أو العمل على إيقاظ الوعي الجمعي للأمة بشأن الحج ومقاصده
فيما يتعلق بوحدتها، مع أهمية ذلك في الظرف الراهن، وإنما لا بد أيضاً أن تكون ثمة
خطوات أخرى يمكن اتخاذها لتحقيق استفادة الأمة من هذه الشعيرة العظيمة ومقاصدها.
خطوات عملية لاستثمار الحج
يبقى بعد
استعراض ما سبق أن التحدي الحقيقي الذي يفرض نفسه هو كيفية تحويل الدلالات
الوحدوية للمسلمين في الحج إلى آثار ممتدة في حياتهم بعد انقضاء المناسك، وهو ما
يمكن أن يتحقق بالفعل عبر عدة خطوات عملية، ومنها:
1- حرص الحجاج على التعارف عبر فتح مساحة من
الحوار الإنساني والاطلاع على التحديات التي يواجهها كل طرف وتبادل وسائل التواصل
لترسيخ العلاقات المعرفية والإنسانية.
2- العمل على
استثمار ما ينشأ من علاقات بعد الحج عبر التواصل اللاحق للتنسيق والتعاون في
مجالات متعددة سواء أكاديمية أو إعلامية أو اجتماعية أو دعوية، فضلاً عن استغلال
الفضاء الرقمي لإنشاء مدونات وصفحات خاصة تعنى بمتابعة أخبار العالم الإسلامي.
3- تبادل
الخبرات الاجتماعية الناجحة مثل تجارب حفظ القرآن والعمل الخيري والتطوعي
بأشكالهما المتعددة.
وعلى الرغم من
أن هذه الخطوات على بساطتها لا تستهدف صناعة بدائل تنظيمية للحج أو تحويله إلى
إطار سياسي أو مؤسسي، لكنها تسعى إلى استعادة وظيفته الحضارية وإعادة اكتشاف معنى
الأمة وتجديد الروابط بين أبنائها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً