الحج.. عبادة وعبودية

الحج.. عبادة وعبودية

العبادة والعبودية كلمتان بينهما علاقة وثيقة في المعنى والمبنى، فهما كمثل الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، بمعنى إذا ذكرت كلمة العبادة وحدها دلت على العبادة والعبودية، وإذا ذكرت كلمة العبودية كذلك دلت على العبودية والعبادة، أما إذا اجتمعتا فلكل منهما معنى يغاير الأخرى.

فالعبودية هي الأعم، فليس كل عابد عبدًا ربانيًّا، في حين أن كل عبد رباني عابدٌ محقق للعبادة، وهي تعني الخضوع التام لله تعالى حبًا ورضًا وطاعة له سبحانه، مع غاية التذلل له والافتقار إليه؛ أي هي حال العبد مع الله تعالى أثناء تأديته للعبادة، وهي عمل القلب، فالعبد يصلي مثلًا خاشعًا متذللًا محبًا راضيًا مقبلًا على مولاه، بهذا فهو يؤدي العبادة بعبودية تامة لله عز وجل، وهي علامة الإيمان، وعليها تتوقف درجة العمل عند الله تعالى.

كما أنها قد تكون لغير الله سبحانه، فيتذلل العبد لغير الله ويصرف العبادة لسواه أو يحب أحدًا دونه ولا يحب مولاه، فيكون بذلك صارفًا عبوديته لغير الله تعالى، وهذه علامة الشرك.

أما العبادة فهي المنهج العملي الذي يترجم به العبد عبوديته لله تعالى، فتراه من حبه لله يقوم بالعبادة من صلاة وصيام وحج وغير ذلك، فهي أنواع العبادات الظاهرة وهي أعمال الجوارح، وقد يؤديها المرء نفاقًا ورياءً فتكون بذلك عبادة لا عبودية، وهي بذلك غير مقبولة عند الله تعالى؛ لأنها لم تحقق شروط العبودية لله، وقد يفعل المرء أعمالًا على غير هدىً من الله تعالى ويظنها عبادة ولا تكون كذلك لكونها بدعة في الدين، وليست من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن تمثل فيها العبودية لله تعالى إلا أنها لا تقبل.

إذن، فالعبادة هي الشعائر والعبادات التي أمر بها الله تعالى، وكانت على هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء قُرِنَت بالعبودية أم لا.

ولو أردنا الربط بينهما لقلنا: إن العبادة دليل تحقيق العبودية لله تعالى، والعبودية هي ثمرة الالتزام بالعبادة مما يتحقق في القلب من الحب والرجاء والرضا والشكر والخشية والخوف والتذلل للمحبوب سبحانه.

الأنبياء ومقام العبودية

الأنبياء والرسل هم من حققوا العبودية التامة لله عز وجل، وهم من قاموا بالعبادة حق قيام، ولذلك أثبت الله تعالى العبودية الكاملة لهم، فيقول الله تعالى في شأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (الإسراء: 1)، ويقول سبحانه عنه أيضًا: (فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ) (النجم: 10)، ويقول سبحانه في شأن أيوب عليه السلام: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص: 44)، ويقول الله تعالى عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهما السلام: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) (ص: 45)، ويقول عن زكريا عليه السلام: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) (مريم: 2).

فهؤلاء الأنبياء حققوا العبودية لله تعالى فمدحهم بها، كما ذكر ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن نفسه، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا»(1).

وأما بقية الناس فمدحهم بصفات العبودية لا بذاتها، أي هذه صفات من حققها نال مقام العبودية لله تعالى كما قال ربنا سبحانه: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً {63} وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً) (الفرقان).

الحج عبادة لله تعالى

ولو نظرنا إلى الحج من مفهوم العبادة لوجدنا أن الحج عبادة من أَجَلِّ العبادات، فقد أمر الله تعالى به فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران: 97)، قال الإمام ابن كثير: وَقَوْلُهُ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا هَذِهِ آيَةُ وُجُوبِ الْحَجِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ(2).

وقال سبحانه: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (البقرة: 196)، قال الإمام الطبري: فتأويل هؤلاء في قوله تعالى: وأتِمُّوا الحجَّ والعمرةَ لله أنهما فرضَان واجبان أمرَ الله تعالى بإقامتهما، كما أمر بإقامة الصلاة، وأنهما فريضتان(3).

ويوضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»(4).

بل وجعله من أركان الإسلام الخمسة، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»(5)؛ فأي عبادة أعظم من هذه التي أمر الله بها، وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعلها ركنًا أساسيًا في الإسلام، وعليها إجماع العلماء، فلزم هنا المحافظة عليها، وعدم التقصير فيها، وتحري الاستطاعة لأدائها!

الحج عبودية لله تعالى

وكما أن الحج عبادة من أَجَلِّ العبادات، فهو عبودية حقة لله عز وجل، وبها يتحقق الحب والذل سويًا لله تعالى، ولذلك عظم ثوابها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»(6).

فأي ثواب أعظم من هذا ينتظره العبد! وهذا لا شك لمن حج بعبودية تامة لأنه قال: فلم يرفث ولم يفسق، أي جاء خالصًا مخلصًا لله تعالى، وأدى العبودية بحب وصدق ورضا ومرغ أنفه ولبى تذللًا لله تعالى، ولم لا، ألم يأت الحاج ليطوف حول أحجار ويسعى بين أحجار، وهو لا يدري ما العلة؟ سوى أنه يفعل ذلك استسلامًا لأمر الله عز وجل وسمعًا وطاعة له، ألم يرم الجمرات وهو لا يرى شيطانًا، ويحلق شعره، وهو لا يدري ما العلة، سوى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا فهو يستن بسنته؟ وينحر ويهدي في هذا المكان رغم أن أهله وذويه يحتاجون لهذا اللحم أكثر من هذا الحي، لكنه يفعل هنا راضيًا مستسلمًا لأمر الله تعالى وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أليست هذه حقيقة العبودية؟





_________________

(1) البخاري (4837).

(2) ابن كثير (2/ 70).

(3) الطبري (3/ 12).

(4) مسلم (1337) من حديث أبي هريرة.

(5) البخاري (8).

(6) البخاري (1521).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة