الحج في روايتنا العربية.. اغتسال على شاطئ النجاة

الحج في روايتنا العربية.. اغتسال على شاطئ النجاة

حبل سُري شفيف يربط الأديب بعالمه والدنيا والناس؛ فكما يفتش عن الإلهام في كومة قش الخيال، وبين طيات الذكريات، يبحث عنه أيضًا في شوارع الخلق، وفي أسواق الأحزان والأفراح والمعارك والضحكات. ومن أعمق مُنعشات الأدب ومحفزات الإبداع مساحات الإيمان والمحبة والتطهر من العصيان، أقصد ذلك الانقلاب الدرامي المُدهش الذي يجري على بعض الأشخاص في الحياة، الطيبين والأشرار والبين بين، إذا مسهم ريح من بيت الله الحرام؛ حيث تحترق أجنحة الشيطان وتتفتت جبال الثلج، وينقاد قلب البطل للخير والجمال؛ فيتوجه إلى بيت الله الحرام باحثًا عن عتبات النهاية الحلوة، وعن خلاص من ثقل الأوزار ومحو سجلات الهرب من ساحات الخضوع لله.

ليلة من ألف ليلة

لقد كان "الحج" حاضرًا في أوراق الليالي الألف، ساكنًا خيالات مؤلفيها؛ فكان الأبطال يمدون بساطهم من ديارهم السحرية الغائبة في جغرافيا اللامكان إلى الحجر الأسود ومقام إبراهيم؛ ففي إحدى لياليها يحكي راوي ألف ليلة وليلة أن الشاب "ضوء المكان" كان مسكونًا بحب بيت الله الحرام واشتعل فيه الشوق عندما طاف محمل الحج ببغداد معلنًا وشوك الارتحال، فأسرع "ضوء المكان" إلى والدهِ يرجوه ويطلب منه مالًا: "إني أتيت إليك لأستأذنك في أن أحج" لكن الأب كان قاسيًا فمنعه، وقال: انتظر عامًا. لكن ضوء المكان لم يستطع الانتظار، وذهب ليخبر شقيقته "نزهة الزمان" بنيته: "يا أختي إني قد قتلني الشوق إلى حج بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وقد منعني والدي، فسآخذ شيئًا من المال وأخرج إلى الحج سرًّا" قالت لهُ "نزهة الزمان": بالله عليك خذني معك ولا تحرمني الزيارة"، فأخذا المال وانطلقا مع الركب تحت ستار الليل متجهين إلى بيت الله الحرام ومنه إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنه إلى بيت المقدس في رحلة شائقة طويلة من رحلات ألف ليلة وليلة.

يتيمة مالك بن نبي.. وعودة الابن الضال

"الحج" له مركزية روحية متعلقة بالحضارة الإسلامية ومسيرتها، وهو أحد أهم شواهد الكمالية في الإسلام؛ حيث يعتني بكل ما يزكي الإنسان ويرفع نفسه على بساط الهداية والشفاء؛ لذا نجد الحج حاضرًا في جدالات الفكر والدعوة للإسلام، وقد أحس المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ مالك بن نبي بهذا الثقل الروحي لزيارة بيت الله وعلاقتها بالإنسان المسلم، فدوّن له روايته الوحيدة "لبيك حج الفقراء".

ويقرر السيد عمر مسقاوي (تلميذ بن نبي) في مقدمة الترجمة مقام الحرم في عقل الأستاذ، فيقول: «مكة والكعبة مثلتا في فكر بن نبي أنشودته وروحه والمنطلق في مشروعه والمعاد إليها في بناء جديد لحضارة الإسلام وهي تُبعث من جديد... هي نموذج روح حُجاج إفريقية حين تقودهم (لبيك) رجالًا مشاة إلى مكة في هجير الصحراء في اشتياق واحد مع دمع سكان المدن إلى حج العام القادم، وهم يستقبلون قوافل الحجاج من أطراف الجزائر في طريقهم إلى مرفأ مدينة عنابة».

والمطالع لهذا الإبداع الاستثنائي بالنسبة لمفكر قدير مثل بن نبي يجد المحاولة - رغم بساطتها - رسمت روحًا مغايرة للنفس المؤمنة الباحثة عن ضميرها في زحام الآلة والعصرنة، فيجعل بطلها "إبراهيم" ذلك الرجل الذي خدعته بهرجة الذنب، وانكسرت قوته أمام إغواء الانحلال، لكن شيئًا جميلًا في داخله كان لا يزال يراوده ويشده إلى الأصل والجذور؛ فانشرح صدر إبراهيم للعودة إلى ديار عقيدته القديمة مجددًا، وعندما عزم الفكاك من غربته لم يجد أفضل من أن يتوجه إلى "مكة"، فهناك سيكون التطهر والاغتسال والبهجة الأخيرة.

لذا عندما همس إبراهيم صاحب سجل الآثام في أذن الشيخ الطيب يخبره بإرادته الجديدة ونيته الحج «صُعق الشيخ من هذا الخبر الذي لم يرد أن يعتبره إحدى نوبات إبراهيم الجنونية؛ فلقد كان طبيعيًّا على غير عادته، لم يراود الشيخ شك في أمر إبراهيم، ولكنه لم يكن مقتنعًا تمامًا، رد قائلًا: أجل إن الله قوي قدير، يهدي إلى طريقه من يشاء"..

لكن كانت عزمة إبراهيم صادقة، وكانت الروح قد كسرت قيدها الشهواني وصدقت في إرادتها، وأخبرها حدثها الفطري أن بيت الله خير مواضع الاغتسال «تأمل الشيخُ إبراهيمَ الذي أحس في نبرات صوته، وفي هيئته علامات خفية وفي وجهه شيئا جديدا. أحس الشيخ بارتياح عميق لقد اهتزت روحه المؤمنة لوقع المعجزة التي تحققت أمام عينيه.. الحاج إبراهيم!»

ميمونة الأفريقية.. وحكايات الخلاص

الكاتب السعودي محمود تراوري له لمسة خاصة تدعمها طبيعة نشأته وأدبه، وقد استثمر ذلك في روايته "ميمونة"؛ حيث وضع خارطة لرحلة أفريقية مريرة خرجت من وسط مناوشات الغابات وظُلمة الأدغال وفزعة الأهوال حتى وصلت بسلام إلى تراب الخلاص على باب البيت الحرام، تقول الراوية الأم: "مضينا وأهلنا يلاحقون موج بحر لا يطرش، بنغمات تناهت إلينا: قالوا الحجيج قطع.. قاصد نور البقع".

الجميل هنا أن النجاة خرجت من رحم الهلاك؛ فاكتسب الرحيل عند عائلة ميمونة أبعادًا جديدة لمعنى الارتحال إلى مكة؛ فهو لم يكن فقط زيارة مشتاق، لكنها كانت هروبًا من الكرب والهم وفقر الحياة. وقد قاست العائلة قبل الوصول مرار المتاهة والموت والدماء، فسقط كثيرون على الطريق؛ حيث تقول الراوية: "حين جاء أبي إلى مكة مهاجرًا لمجاورة بيت الله، ما كنتُ موجودة. أمي كانت معه، تزوجها للتو، استأذن أمَّه مودعًا، مخبرًا بأنه سيشد الرحال للمقدسات، أما أبوه فقد حط قبله هناك، يوم أن حبا وبكى. شغف أبوه بالحجاز، فشحذ شغفه، ومضى، ولم يعد لأن التماسيح كمنتْ له، فباركت لحمها بلحمه!".

هلك الجد في جوف الوحوش قبل تمام الأمنية، ثم هلك أحد رجال الرحلة الذي تصفه ميمونة وصفًا له مغزاه: "كان حلمه أن يسقي الناس في الحرم لبنًا مع الزمزم"، لكن العائلة وصلت، وارتاحت وأناخت وامتدت بها الحياة.

"صفق القلب للحجاز وسار/ شفه الوجد للحبيب فطار/ واقتفت إثره الجسوم غراما.. فترى الركب في الرمال، واصلين إلى نور البقع، توحدت أفئدتهم، واختلط الوجدان المتعدد باللسان المتباين، بسحن متمايزة، لكنها لا تتنافر، لتسكب شيئا جديداً، لا يُخلق إلا هنا".

يحيى حقي.. شاهد على يوم الحشر

لم يبسط الأديب الكبير يحيى حقي للحج عملًا قصصيًّا منفردًا رغم تجربته الثرية، ووجوده في أرض الحجاز عهدًا من الزمان، لكنه ترك لنا مشهدًا ليوم عرفة في أحد مقالاته من واقع مشاهدة عاينها هناك، جاءت بهية الوصف سخية الشعور، واستطاع أن يلتقط لنا صورة واقعية من قلب الحدث لأحوال الحجيج، ومن زمان بعيد يعود لعام 1929م.

يقول "حقي" في وصفه في كتابه "كناسة الدكان": "ملايين من الخلق تكفّنوا وهم أحياء، أرواحهم مشعشعة، وأبدانهم مشدودة كالقوس. وجوههم وأذرعهم مرفوعة إلى السماء، ترجهم فرحة اللقاء والعشم في وجه الله، في صدق الوعد، لا يمتلئ الجو - لا قط ولا أبدًا امتلاءه هذا اليوم بزئير آدمي بطلب الرحمة، إنه يوم الحج، بروفة من هذه الدنيا ليوم الحشر في الآخرة".

وفي "شفاء النفوس" تصف الأديبة السعودية "وفاء منور" حلم امرأة متعلقة بأستار الكعبة بعدما طاردتها الآلام شهورًا وعجز عن مداواتها الأطباء، وفرش الهم بساطه على أهل الدار، لكنها بعد الذهاب إلى بيت الله الحرام وتحقق النجاة، تقول: "ومن ماء زمزم أرتوي، وأغسل وجهي، وأنا أحمد الله وأشكره أن عافاني، وجعل شفاء نفسي في هذه الثلاث: كلامه، وبيته، وماء زمزم".

ولا يزال الحج يثير شوارد الإبداع وحبر الأقلام، ولا تزال قلوب الطائعين، قبل العصاة، تهفو إلى الاغتسال عند مائه والارتواء والتأمل والشفاء.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة