الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة (5 - 10)

يتبين بأس اللجنة اليهودية الأمريكية من خلال اجتماعاتها السنوية التي تحضرها شخصيات أمريكية ويهودية وإسرائيلية بارزة، من بينهم رؤساء أمريكيون سابقون ووزراء وأعضاء في الكونجرس. وتحدد اللجنة خلال هذا الاجتماع برامجها وقراراتها السياسية التي توزعها على رجال السياسة ووسائل الإعلام والمنظمات الأخرى.

وتُعتبَر اللجنة خزاناً فكرياً (بوتقة تفكير) للنشاط المناصر لإسرائيل حيث تقوم بإعداد الدراسات وإجراء استطلاعات الرأي العام بشأن عديد من الموضوعات وخصوصاً معاداة اليهود، وكذلك لتبيُّن اتجاهات الرأي العام الأمريكي خلال الأزمات أو القضايا الخلافية التي تمس إسرائيل مثل حرب لبنان والانتفاضة وبيع الأسلحة لدول عربية. وللجمعية شبكة واسعة من المجلات والمنشورات والمذكرات من أهمها مجلة كومنتري Commentary (تعليق) وهي أشهر دورياتها وبرزنت تنس Present Tense (الزمن المضارع) وهي مجلة تُصدر كتاباً سنوياً يُسمَّى أمريكان جويش يير بوك American Jewish Year Book (الكتاب السنوي اليهودي الأمريكي) يُعتبَر مرجعاً جامعاً عن حياة الجماعة اليهودية في أمريكا الشمالية. ذلك بالإضافة إلى المنشورات والمذكرات المرتبطة بمناسبات محدَّدة التي تُصدرها دوائر اللجنة وأقسامها المختلفة والتي تقدم موقف اللجنة إزاء الأحداث والقضايا الجارية ويتم توزيع بعضها على وسائل الإعلام وعلى السياسيين والمنظمات التي تمثل الأقليات والمجموعات النسائية وعلى نقابات العمال والكنائس وأعضاء ومناصري اللجنة اليهودية الأمريكي.

ويتبيَّن من مجلات ومطبوعات اللجنة مواقفها المتشددة إزاء قضايا الشرق الأوسط. فمجلة كومنتري التي كانت أميل إلى الليبرالية، وتُعَد الآن منبراً للمحافظة الجديدة في الولايات المتحدة، تدعو على صفحاتها إلى ضرورة التدخل العسكري الأمريكي في الخليج كحل لأزمة الطاقة وإلى ضرورة استناد الإستراتيجية الإسرائيلية إلى أسلحة نووية. كما أنها تهاجم الأفراد والمنظمات اليهودية التي تنتقد إسرائيل مثل بريرا والأصدقاء الأمريكيين للسلام. وأيَّدت اللجنة بحماس الاجتياح الإسرائيلي للبنان. كما تهاجم اللجنة المقاطعة العربية وتُنبِّه إلى خطورتها الاقتصادية، وتهاجم كذلك صفقات السلاح مع الدول العربية، مثل صفقة طائرات الأواكس إلى السعودية (١٩٨١). وتُقدِّم كثير من منشورات ومذكرات اللجنة المواقف الرسمية للحكومة الإسرائيلية تجاه القضايا الخاصة بالشرق الأوسط.

إلا أن ذلك لا يعني غياب التوتر والخلاف بين اللجنة اليهودية الأمريكية وغيرها من المنظمات اليهودية من جانب، وإسرائيل من جانب آخر، وخصوصاً خلال حكم الليكود حيث تسببت بعض سياسات الحكومة الإسرائيلية في إحراج أعضاء الجماعة اليهودية وفي إثارة استيائهم، مثل: مذابح صبرا وشتيلا خلال حرب لبنان، وقضية الجاسوس بولارد التي أثارت مسألة ازدواج ولاء اليهود الأمريكيين، وتورُّط إسرائيل في فضيحة إيران كونترا وأسلوب معالجتها للانتفاضة الفلسطينية وقضايا السلاح. وكانت اللجنة قد أصدرت عام ١٩٨٠ وثيقة تنتقد سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة وتحذِّر من آثار تلك السياسة على صورة إسرائيل.

كذلك قامت اللجنة اليهودية (التي تتبع المؤسسة القومية للعلاقات الإنسانية) برعاية دراسات علمية واجتماعية مهمة خارج البرامج الخاصة بإسرائيل، كما تشارك في الحوارات بين الأديان. كذلك ساهمت في تأسيس عدد من المعاهد ومراكز الأبحاث والدراسات. واللجنة اليهودية الأمريكية منظمة معفاة من الضرائب ولها مكاتب في كلٍّ من إسرائيل وفرنسا والبرازيل والمكسيك.

المؤتمر اليهودي الأمريكي

منظمة يهودية أمريكية انبثقت عن المؤتمر اليهودي الأمريكي الأول الذي انعقد في فلادلفيا عام ١٩١٨ بهدف حماية الحقوق الدينية والمدنية للجماعات اليهودية داخل الولايات المتحدة وخارجها، ومحاربة كل أشكال التمييز ضدهم، وكذلك مساندة إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين. وتعود فكرة تأسيس المؤتمر إلى عام ١٩١٥ حينما تزعَّم لويس برانديز وستيفن وايز وغيرهما من اليهود الأمريكيين الصهاينة أو المتعاطفين مع الصهيونية الدعوة إلى تشكيل مؤتمر يهودي أمريكي ليكون هيئة مظلِّية ذات طابع ديموقراطي وقومي تتألف من المنظمات اليهودية القائمة وليكون بديلاً عن اللجنة اليهودية الأمريكية التي كانت موضع انتقاد بسبب هيكلها وسياستها النخبوية المناهضة للديموقراطية وكذلك بسبب رفضها للصهيونية. وقد أيَّد المؤتمر فكرة أن يقوم المؤتمر اليهودي الأمريكي بتأسيس المنظمات الصهيونية الأمريكية واليهودية المتعاطفة معها والتي كانت تمثل جماهير المهاجرين اليهود القادمين من شرق أوربا والمتأثرين بالصهيونية وبالمقولات الخاصة بالشعب اليهودي والقومية اليهودية، وذلك في حين عارضت هذه الفكرة مجموعة أخرى من المنظمات اليهودية وعلى رأسها اللجنة اليهودية الأمريكية التي كانت تمثل البورجوازية اليهودية الأمريكية المندمجة ذات الأصول الألمانية. ولم يتم تشكيل المؤتمر إلا بعد أن تم الاتفاق على أن يكون ذلك بصفة مؤقتة ولهدف محدد هو إرسال وفد إلى مؤتمر فرساي للسلام يعمل

على ضمان حقوق الجماعات اليهودية وحقوق غيرهم من الأقليات في معاهدات السلام، وكذلك المطالبة بالاعتراف بتطلعات الشعب اليهودي وبمطالبه التاريخية (فيما يختص بفلسطين) طبقاً لوعد بلفور، وتأكيد تحويل فلسطين إلى كومنولث يهودي، على أن يتم حل المؤتمر بعد ذلك. ولكن أنصار المؤتمر اليهودي الأمريكي نجحوا في تحويله إلى منظمة دائمة عام ١٩٢٢ تحت زعامة الحاخام ستيفن وايز، ولكنها لم تتحوَّل قط إلى مظلة واسعة القاعدة بديلة عن اللجنة اليهودية الأمريكية كما كان يتطلع مؤسسوها.

وقد اكتسب المؤتمر اليهودي الأمريكي شعبية واسعة بين الجماهير اليهودية خلال الثلاثينيات والأربعينيات، حيث تزعَّم الحملات والتظاهرات المناهضة للنازية وشارك في تنظيم الحظر التجاري ضد البضائع والخدمات الألمانية. وقد هاجم المؤتمر الكتاب الأبيض البريطاني عام ١٩٣٩، ولعب دوراً مهماً في تنظيم المؤتمر اليهودي الأمريكي عام ١٩٤٣ الذي أقر مبدأ الكومنولث اليهودي في فلسطين كما تزعَّم الجهود الرامية إلى تأسيس المؤتمر اليهودي العالمي عام ١٩٣٦ وعمل حتى عام ١٩٤٨ على فرض القضية الصهيونية على الساحة الأمريكية. ولابد من الإشارة إلى الدور الذي لعبه ستيفن وايز في إفشال المقاطعة اليهودية المنظمة والتلقائية للبضائع الألمانية حتى يتم توقيع معاهدة الهعفراه بين الصهاينة الاستيطانيين والنظام النازي.

أما بعد الحرب العالمية الثانية وإقامة الدولة الصهيونية، فقد وجَّه المؤتمر اليهودي الأمريكي جُل اهتمامه إلى قضايا الحقوق والحريات المدنية في الولايات المتحدة وأصبح أكثر انشغالاً بمشاكل فقراء اليهود السود وغير ذلك من القضايا الاجتماعية والسياسية التي تهم التيار الليبرالي الأمريكي. واستمر المؤتمر اليهودي الأمريكي في دفاعه عن إسرائيل وإن تضاءل هذا الالتزام مع انشغاله بالقضايا الطائفية والأهلية الأخرى. وينص برنامج المؤتمر لعام ١٩٨٣ على ضرورة تنمية دَعْم الولايات المتحدة لاحتياجات إسرائيل الأمنية، والتصدي للدعاية العربية، وإظهار العرب باعتبارهم العقبة أمام السلام، وعلى ضرورة محاربة المقاطعة العربية ومحاربة معاداة اليهود، والعمل من أجل هجرة اليهود السوفييت. ويقوم المؤتمر اليهودي الأمريكي بالدعاية لإسرائيل في الأوساط السياسية والإعلامية، كما يؤكد أهمية إسرائيل بالنسبة إلى المصالح الأمريكية الإستراتيجية الحيوية. وللمؤتمر برامج لتشجيع السياحة في إسرائيل وترتيب سفر مسئولين أمريكيين إليها. كما أن من برامجه عَقْد ندوات حوار بين اليهود الأمريكيين والإسرائيليين تضم شخصيات سياسية وثقافية مهمة من كلا الطرفين. ويعمل المؤتمر اليهودي الأمريكي عن كثب مع مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى في إعداد كثير من مذكرات الشرق الأوسط والبيانات العامة. كما يهاجم المؤتمر الأفراد والمجموعات اليهودية وغير اليهودية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية، مثل: مجلس الكنائس القومي، وناعوم تشومسكي، ولجنة الأصدقاء الأمريكيين للخدمات. كما يعمل على ترويج فكرة التهديد العربي وسيطرة النفط العربي على الولايات المتحدة، ويتعاون مع عصبة مناهضة الافتراء واللجنة اليهودية الأمريكية من أجل دَفْع الكونجرس للموافقة على التشريع المناهض للمقاطعة العربية. ومع ذلك، فإن المؤتمر اليهودي الأمريكي يُعَدُّ من المنظمات اليهودية الأمريكية الأقل ميلاً إلى تكييف مواقفها مع المصالح الإسرائيلية إذا ما تعارض ذلك مع مبادئها وسياستها الليبرالية. وقد رفض المؤتمر، مثلاً، التحالف مع اليمين المسيحي (الإنجيلي) الجديد في الولايات المتحدة الذي يؤيد إسرائيل ويدعمها وهو ما أقدمت عليه منظمات يهودية أخرى.

والمؤتمر اليهودي الأمريكي مسجل كمنظمة دينية معفاة من الضرائب، وهذا يعفيه من تقديم تقرير سنوي علني. وتصل عضويته إلى ما بين ٤٠ و٥٠ ألف عضو. وقد تحوَّل المؤتمر عام ١٩٣٨ من عضوية المنظمات إلى العضوية الفردية. وهو من مؤسسي المجلس الاستشاري القومي لعلاقات الجماعة اليهودية وعضو فيه، ويعقد مؤتمراً كل عامين تحضره شخصيات إسرائيلية وأمريكية مرموقة. وتشمل منشوراته جودايزم Judaism (اليهودية) وهي مجلة فصلية تركز على الأبحاث العلمية اليهودية، وكونجرس منثلي وهي المجلة الشهرية للمؤتمر التي تنشر مقالات عامة مع الاهتمام بالموضوعات الخاصة بإسرائيل ونشاط الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة.

 

 

 

____________________

المصدر: كتاب «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة