الحكمة من العطاء والمنع الإلهي وواجب المسلم تجاههما

الحكمة من العطاء والمنع الإلهي وواجب المسلم تجاههما

الناظر في واقع الناس يجد أن الله تعالى يعطي بعضهم الصحة ويمنعها عن آخرين، ويعطي بعضهم المال ويمنعه عن آخرين، ويعطي بعضهم الأولاد ويمنعهم عن آخرين، ويعطي بعضهم المنصب ويمنعه عن آخرين، ويعطي بعضهم الشهرة ويمنعها عن آخرين؛ (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ‌وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (القصص: 68).

هل العطاء والمنع مرتبطان بالرضا والغضب الإلهي؟

يظن بعض الناس أن الله تعالى حين يعطي عباده العطاء فإن هذا دليل الرضا، وإذا قَدَرَ وضيَّق على عبده، فإنما ذلك غضب من الله عليه، وهذا ليس صحيحاً، وقد وضح القرآن هذا الأمر في قوله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ {15} وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) (الفجر)، فالمؤمن الحق يدرك تمام الإدراك أن الله تعالى يعطي ويمنع لحكم جليلة يعلمها هو، وليس بسبب صلاح العبد أو فساده، ويدل على هذا قوله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ {49} أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى).

والواقع يشهد أن الله تعالى أعطى نبيه سليمان عليه السلام ملكاً عظيماً، وابتلى نبيه أيوب عليه السلام بمرض شديد، وكلاهما نبي، وأعطى نبيه إبراهيم عليه السلام الولد بعد أن منعه الذرية فترة طويلة من حياته، وأعطى نبيه يوسف عليه السلام الملك في مرحلة من حياته وابتلاه بالسجن في مرحلة أخرى منها، فالعطاء والمنع الإلهي غير مقرون بالطاعة والمعصية أو بالصلاح والفساد.

الحكمة من العطاء والمنع الإلهي

1- الابتلاء والاختبار للعبد:

أوضح القرآن الكريم أن الحكمة في العطاء والمنع الإلهي هي إخضاع العبد للابتلاء والاختبار، حيث قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ‌لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) (الأنعام: 165)، وقال تعالى: (‌وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: 35)، فقد أوضحت الآيات أن السبب في العطاء والمنع هو الابتلاء والاختبار للعبد، فمن شكر الله على نعمه وعطائه، فهو خيرٌ له، ومن صبر على المنع والسلب فهو خيرٌ له، أما من كفر فقد باء بغضب من الله، ولهذا قال تعالى: (‌لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام: 165).

2- انتظام حركة الحياة بتبادل الخدمة والمنفعة بين الناس:

أكد القرآن الكريم أن العطاء والمنع الإلهي للناس يعين على انتظام حركة الحياة، من خلال تبادل الخدمات والمنافع بين الناس، فالغني يحتاج إلى الفقير ليعمل عنده، والفقير يحتاج إلى الغني ليفيد من ماله، والضعيف يحتاج إلى القوي، والولد يحتاج إلى والده، وكذلك الوالد يحتاج إلى ولده، وهكذا يعين كل فرد غيره ويأخذ منه احتياجه ويعينه بما يستطيع، فتتبادل المنافع والخدمات، وفي هذا قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ‌سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32)، فقد أوضحت الآية أن تفاوت الناس في العطايا والمنح إنما ليكون كلٌّ منهم مسخرًا لخدمة الآخر، يقضي حاجته، ويقوم على أمره، فتنتظم حركة الحياة.

3- صلاح أحوال العباد:

قد يكون المنع في العطاء كما يكون العطاء في المنع، حيث يمنع الله عن العبد شيئاً من أجل إصلاح حاله، قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»: قَدْ يَكُونُ ‌الْفَقْرُ ‌لِبَعْضِ ‌النَّاسِ أَنْفَعَ مِنْ الْغِنَى وَالْغِنَى أَنْفَعَ لِآخَرِينَ كَمَا تَكُونُ الصِّحَّةُ لِبَعْضِهِمْ أَنْفَعَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البغوي وَغَيْرُهُ: «إنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْته لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إلَّا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْته لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إلَّا السَّقَمُ، وَلَوْ أَصْحَحْته لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ إنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي إنِّي بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ»، فسبحان الله، الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير!

واجب المسلم تجاه العطاء والمنع الإلهي

1- الرضا بما قسم الله:

من علامات الإيمان أن يرضى الإنسان بما قسم الله، فيشكر على السراء، ويصبر على الضراء، ويدل على هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ ‌صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌عَجَبًا ‌لِأَمْرِ ‌الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».

2- اليقين بأن المنع عطاء من الله:

على المؤمن أن يوقن بأن الله إذا منعه شيئاً من الأشياء؛ فقد اختار له شيئاً آخر هو الأصلح له، وأن عطاء الله له خير من اختيار العبد لنفسه، قال ابن عطاء الله السكندري في الحِكم: ربما ‌أعطاك الله ‌فمنعك، وربما منعك فأعطاك، متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع هو عين العطاء، متى أعطاك أشهدك بره، ومتى منعك أشهدك قهره، فهو في كل ذلك متعرف إليك، ومقبل بوجود لطفه عليك، إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه.

3- السعي لأن يكون المسلم أهلاً لعطاء الله:

المؤمن الحق هو الذي يسعى للتأهل لاستحقاق العطاء الإلهي، وذلك بزيادة الإيمان والقرب من الله تعالى، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فمن فعل ذلك فإن الله يمده بالزيادة، حيث قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا ‌زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: 17)، وقال عز وجل: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا ‌لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69).


اقرأ أيضاً:

العقل قيمة.. كيف نحميها في العصر الرقمي؟

المحن مقدمات الفرج.. ولكل شدة مدة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة