الحياة في كلمات
شوقي الكيلاني
من لم يكن له
وطن عزيز يؤويه، وقوة منيعة تذود عنه وتحميه، ومال يجيبه إذا ناداه، وأصدقاء
يواسونه في الرخاء ويعينونه في الشدة، كانت حياة أشبه بالموت، وموته خيراً من
الحياة.
••••
إن الأمة التي
لا تبني بأيديها بناء استقلالها، تعيش طريدة شريدة، والتي لا تستطيع أن تثبت
وجودها وتحفظ كرامتها، تكون مهانة ذليلة، فإن من لا يحمل الناس على احترامه لا
يحترم
••••
سمع ثعلب بوجود
دجاج في مكان غفل عنه صاحبه، فخف إليه لينال منه ما يريد، وبينما كان في طريقه، مر
على جماعة من الذئاب يتشاورون ويتآمرون، فسألهم ما الخبر؟ فقالوا له: إن بالقرب
منا غنماً نام عنها راعيها، فنريد أن نفترس منها ما يذهب عنا أذى الجوع، ويروي ظمأ
النفوس، ويشفي غلة الانتقام، وبينما هم كذلك، إذ سقط بجانبهم طائر وهو في آخر رمق
من الحياة، فصرخ مستنجداً بهم، ولكن الحدأة التي كانت تتبعه انقضت عليه واختطفته،
فصاح الجميع بصوت واحد: أيتها الحدأة، أمسكي فريستك جيداً لئلا تفلت منك ثانية،
وكان بالقرب من ذلك المكان أرنب مستتر في مكمنه، يسمع وينظر فقال في نفسه: يا ويل
الضعيف الذي حرم الناب والظفر وليس له حارس أمين يذود عنه ويحميه!
••••
من لم يكن له
أمل في الحياة يسعى لإدراكه، وهدف يجد لبلوغه، كان كالسفينة التي ضل ربانها، فسلمت
قيادتها للرياح والأمواج، فهي إن سلمت من الغرق لم تبلغ مكاناً محموداً.
••••
لا تكن الرغبة
في الثأر والانتقام، أحب إليك من لذة الصفح والعفو، فإن من أضاع الوقت مفكراً
بأساليب الانتقام، طال همه وأضر نفسه، وأضاع وقته، وكان كمن أراد أن يشرب نهراً
ليقطعه عن أعدائه، فهو إنما يهلك نفسه من حيث لا يشعرون به.
••••
إن إرخاص الأنفس
والأموال، وإراقة الدماء في الحروب قديماً وحديثاً، ليس في الحقيقة إرضاء للوطن،
وفداء للتراب والأحجار، ولكنه انتصار للمطامع والعقائد والمبادئ، وانتقام لها.
••••
سئل ثلاثة عن
حقيقة العز، ومتى يكون الإنسان عزيزاً.
فأجاب الأول
قائلاً: لا عز كالثراء، ولا شرف للمرء كالمال، به ينال الرغائب ويدفع النوائب،
ويتقي كثيراً من المصائب، فهو شرف لمن لا نسب له، وذخر لمن لا ذخر له، وعقل لمن لا
عقل له، ولسان ويد لمن لا يد له ولا لسان. فالغني محبوب وإن كان فظاً غليظاً،
ومحترم وإن كان رذلاً دنيئاً، الخير من غيره منسوب إليه، والشر منه منسوب إلى
غيره، مساويه خير من محاسن سواه، ومحاسن غيره لا تساوي مساويه، تتفتح الآذان
لحديثه، ويخضع الكل لحكمه، فنعم جوابه دائماً لا يجاب بلا أبداً، فكم من خامل أصبح
بالثراء نابهاً، وكم من وضيع أصاب مالاً فغدا بماله سيداً عزيزاً.
وأجاب الثاني
بقوله: العز هو أن يعتلي الإنسان منصباً كبيراً يصبح فيه آمراً ناهياً يفعل ما
يشاء، ويترك ما يريد، يلاقيه الناس بالحفاوة، ويودعونه بالمودة، ويسرعون إلى
خدمته، ويتسابقون إلى إطاعة أوامره، يدخل برحمته من أحب، ويخرج من أراد، يجازي من
يعاديه ويكافئ من يعينه ويناصره؛ وأي عز يعادل هذا العز؟
وأجاب الثالث: إنما العز أن يعيش الإنسان سيداً في وطن مستقل، متمتعاً بحريته، أميناً على دينه وعرضه وماله، لا يسيطر على وجدانه مسيطر، ولا ينال كرامته ذل الاستعباد وهوان الاستبداد، أو أن يموت في ساحة العز والشرف تحت راية الجهاد المقدس، وإلا فما عز الغني إن كان صاحبه عبداً؟ وما شرف الوظيفة إذا كانت لا تنال إلا بشروط أولاها قتل الوجدان؟ وأي عز في الجلوس على كرسي ملطخ بالعار متى أريد انتزع من صاحبه فخر إلى الحضيض ذليلاً(1)؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً