الخضر معلِّماً.. فلسفة العلم والتعلُّم في القَصص القرآني
تحظى قضية العلم
والتعلّم بمكانة مركزية في مسار الأمم وبناء الحضارات، فهي المدخل الأوسع للنهضة،
والوسيلة الأقدر لحماية المجتمعات من الجهل وما يجرّه من انحطاط، ومن الخرافة وما
تخلّفه من اضطراب فكري وخلقي.
ورغم أن الدول
المتقدمة تستثمر ميزانيات طائلة في البحث العلمي ورعاية العلماء ودعم التجريب
والفهم، فإن مجتمعاتنا العربية وإن أدرك بعضها قيمة العلم والتعلم وأنفق بسخاء على
دعمهما، فإننا لم نزل نحتاج إلى إعادة نظر جذرية في فلسفة التعليم نفسها؛ مقاصده، وبنيته،
وطرائقه، والوعي الذي يُفترض أن يصنعه، والخُلق الذي يجدر يُخْلِفه في نفوس
المتعلمين.
ولعلّ من أكمل
وأوسع المنابع التي تمدّ هذه المراجعات التعليمية بنور الهداية القصص القرآني؛ ذلك
المخزون التربوي والفكري الذي قال عنه الله تعالى أنه (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ
السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (المائدة: 16)، فهو المرجعية
الأساس لنا للحكمة ومعين الرشد الذي لا ينضب.
ومن بين أبرز
النماذج القرآنية التي تسلط الضوء على فلسفة العلم والتعلّم قصة موسى والخضر
عليهما السلام في سورة «الكهف»؛ إذ يقدّم القرآن هنا مشهدًا تربويًا فريدًا يتحول
فيه نبيّ الله موسى إلى مُتعلم يسعى في طلب مرشد يهديه إلى الحكمة والمعرفة.
وتعود القصة كما
في صحيح البخاري إلى أن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس
أعلم؟ فقال: «أنا»، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي
عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، فطلب موسى من الله أن يدله عليه ليتعلم منه،
فكانت القصة كما رواها القرآن في سورة «الكهف».
موسى وفلسفة التعلُّم
تنطلق تلك القصة
القرآنية المُتفردة من لحظة شديدة الأهمية قرر فيها نبي الله موسى أن يكون قدوة
صالحة للمؤمنين بأن يبحث رغم ما منحه الله إياه من العلم عمن هو أعلم منه ليستزيد
من العلم تواضعاً لله، ويشير الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب» إلى ما في تلك
اللفتة من تعليم من الله تعالى للمؤمنين بالتواضع، إذ تأتي القصة مباشرة بعد قصة
استكبار إبليس عن السجود لآدم ظناً منه أنه أفضل، فَضرب الله بذلك مثلاً لأهل
الضلال عبيد الهوى والكبر والحسد، أعقبَ تلك القصة بقصة هي مَثل في ضدها –قصة موسى
والخضر- وفي ذلك إبداء المقابلة بين الخُلُقين وإقامة الحجة على المماثلة
والمخالفة بين الفريقين المؤمنين والكافرين.
ويقدم موسى
كنموذج للمتعلم قدوة تامة الكمال في الكيفية التي يجب أن يكون عليها طالب العلم،
بغض النظر عن خلفيته العلمية أو نسبه أو مكانته الاجتماعية أو الدينية، ومن أهم
تلك الصفات والسلوكيات الفاضلة المبثوثة في ثنايا القصة ما يلي:
1- التواضع:
(قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن
تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) (الكهف: 66)؛ كانت انطلاقة موسى إلى البحث عن الخضر في نفسها
تواضعاً أولياً من نبي الله موسى، لكن هذا التواضع قد برز بشكل عملي مرة أخرى لحظة
لقائه بالعبد الصالح حين طلب منه متلطفاً أن ينفعه بما عنده من علم، فقدم بذلك
سلوكاً يُحتذى به بما يجب أن تكون عليه العلاقة بين المُتعلم ومُعلمه.
2- المثابرة والتفرغ:
(لا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) (الكهف: 60)؛ لم يعترف نبي الله موسى فحسب بتواضع بأنه ليس أعلم أهل
الأرض، بل ترك وراءه كل شيء سعياً إلى التعلم وتصميماً عليه غير عابئ بالمشقة أو الأخطار
أو طول مدة الرحلة، أو بُعد المسافة فيما بينه وبين هذا العبد الصالح الأكثر علماً
منه.
3- الصبر:
(سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي
لَكَ أَمْرًا) (الكهف: 69)؛
فالتواضع والتفرغ ليسا كافيين إن لم يدعمهما الصبر، فطلب العلم من أشق المهام على
النفس؛ إذ يحتاج جلداً ودأباً ومكابدة للنفس التي تميل إلى الراحة، وهو ما نراه
اليوم في عصرنا السريع المشبع بالرغبات والمكافآت اللحظية والمُتع الجاهزة، فلم
يعد في قدرتنا الصبر على طلب العلم وانتظار جني ثمار النتائج طويلة الأمد.
4- التساؤل:
(أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ
شَيْئًا إِمْرًا) (الكهف: 71)؛ يقال: إن العلم سؤال جيد لا إجابة جاهزة، فالمتعلم النجيب هو الذي يُخضع
كل شيء للسؤال ويستمسك بالعقلية النقدية التي لا تقبل التلقي المُطلق، فنبي الله
موسى وإن ذهب للخضر بوحي من الله وبيقين أنه عبد صالح أكثر منه علماً لم يستطع أن
يتوقف عن الاعتراض والتساؤل حين رأى ما ظهر له أنه منكر أو خطأ.
5- ديمومة التعلم:
رغم اختلاف
المصادر في عمر سيدنا موسى وقت لقائه بالخضر، فإن المؤكد أنه كان قد بُعث لبني
إسرائيل وهو ما يعني أن طلب موسى عليه السلام للعلم جاء انطلاقاً من مبدأ ديمومة
طلب العلم دونما اعتبار للمكانة التي وصل إليها ولا العمر الذي بلغه، وهو في ذلك
يقدم مثالاً يُحتذى به في استمرارية التلقي وطلب المعرفة طوال حياة الإنسان وأن
كبر السن ليس حجة للتوقف عن التعلم، والحكمة ضالة المؤمن.
الخضر ومنهجية المُعلم القدوة
الجانب الآخر من
معادلة العلم والتعلم يأتي «المُعلم» أو «المُرشد» كطرف أساس في نجاح العملية
التعليمية، ليس فقط لكونه الطرف الأقوى أو العامل المستقل في المعادلة، بل لأنه
عبر التزامه بالخلق الحسن والمنهجية الراقية يقدم في نفسه قدوة صالحة ونموذجاً
يحتذى سيسير على خطاه تلامذته من بعده، وهو في ذلك ليس مجرد ناقل أمين ولا موظف
تقليدي أو ترس في آلة.
وفي قصة موسى،
والخضر، يُقدم الخضر مثالاً نادراً وطرازاً متفرداً للمُعلم في نفسه ومنهجيته
وعلاقته بمن هم في إمرته، فنجد فيه أخلاقاً وسمات لا يمكن أن تفشل أي منظومة
تعليمية تقتدي بها، وتلك السمات تنبني على عدد من المبادئ كالتالي:
1- التوعية والإيضاح:
(قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) (الكهف:
67)؛ فالخضر لم
يرفض موسى ولم يرده، لكنه آثر أن يبين له صعوبة الطريق ويوضح له ما هو مُقبل عليه
ليكون على بصيرة من أمره، فالتوعية والصراحة والوضوح وإرشاد المُتعلمين بخطواتهم
المُقبلة من أجلَّ مهام المُعلم وتعكس النزاهة والشفافية والصدق الذي يجدر أن
تنبني عليه تلك العلاقة.
2- التشاركية في وضع القواعد:
(قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا
تُصَاحِبْنِي) (الكهف: 76)؛
أفسح الخضر المجال لموسى لكي يُشارك في وضع القواعد خلال الرحلة التعليمية، فبينما
كان قد نبه عليه في بداية الطريق: (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ
لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) (الكهف: 70)، وبينما قد خرق موسى القاعدة، فقد سمح
الخضر، لموسى، بأن يضع هو قاعدة جديدة بدلاً من تلك التي لم يلتزم بها، وقد أفادت
كثير من نظريات التعليم الحديثة أهمية مشاركة المتعلمين في وضع القواعد؛ لأن ذلك
يعزز من التزامهم بها بدلاً من فرض القواعد عليهم من أعلى بما يدفعهم للخروج
عليها.
3- التجربة العملية:
(فَانطَلَقَا) (الكهف: 71، 74، 77)؛ لم يقدم الخضر مواعظ صماء ولا نصائح نظرية، بل اتبع
منهجاً عملياً قائماً على التعليم بالتجربة والخطأ، بما أسهم في اختبار موسى
اختباراً حقيقياً، وساعد في إيصال الموعظة بشكل أكثر فاعلية، فاصطحبه مصاحبة
المُعايشة وارتحلا معاً بين البر والبحر.
4- الصبر والتسامح:
صبر الخضر على
موسى ثلاثاً وأمهله ولم يفارقه من الخطأ الأول، وهو إشارة لما يجب أن يتسم به
المُعلم من صبر وتأنٍّ وتسامح مع المتعلمين بما يضمن حفظ الود بينهم وينمي الثقة
والترابط بينهم.
5- التواضع:
(وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) (الكهف: 82)؛ رغم ما امتلكه الخضر من علم لم يكن متوافراً لموسى وهو
نبي من أولي العزم، لم يكن ذلك مدخلاً للاغترار والتكبر، بل حين انتهى من تأويل ما
لم يستطع موسى عليه صبراً ختم قوله بأنه لم يفعله بعلمه، بل رد العلم والفضل إلى
الله تعالى.
وانطلاقاً من
تلك الرحلة التعليمية الخالدة ندرك أن العلم خُلُق قبل أن يكون معرفة، وإن الأدب
شرط في الفهم، وإن الحكمة تُعطى لمن يطلبها بتواضعٍ وصبرٍ ومجاهدةٍ للنفس، وكل
مؤسسة تعليمية لا تعي هذا الدرس، مهما بلغت تجهيزاتها، ستظل تفتقد روح التعليم
التي صاغها القرآن، فإذا استطعنا أن نحول هذا النموذج إلى ممارسة يومية، فلن نحتاج
إلى استيراد نماذج الآخرين، لأن بين أيدينا قصة ترشدنا إلى كيف نصنع العقل قبل أن
نلقنه العلم، وكيف نبني الإنسان قبل أن نشيد الحضارة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً