الخلافة في المخيال السياسي الإسلامي.. رؤية نقدية

د. مي سمير

22 فبراير 2025

250

تتطرق دراسة المخيال السياسي إلى الرؤى والأفكار التي تحكم سلوك الفاعلين السياسيين في الممارسة، فخلف كل قرار وتحرك من جانب دولة أو حزب أو جماعة ما تكمن مجموعة من المعتقدات التي تشكل رؤيتهم عن العالم وما يسعون لتحقيقه لإصلاح واقعهم السياسي، وهو ما يجعل الخيال السياسي ركناً مهماً لتفسير السلوك السياسي والوقوف على دوافع الأفراد والجماعات والدول في الفضاء السياسي بما يسمح بفهم أعمق لمسار ومسيرة أطراف العملية السياسية سواء داخل الدولة الواحدة، أو في العلاقات بين الدول، بل وإمكان توقع مستقبل تلك الأفعال ومآلاتها.

وفيما يتعلق بالفكر السياسي الإسلامي، فإن المحاولات الفكرية التي سعت إلى الاقتراب من الخلافة من زاوية الخيال السياسي للإسلاميين تعتبر قليلة نسبياً إن لم تكن نادرة، نظراً لندرة الدراسات في مجال الخيال السياسي بشكل عام، بالإضافة إلى انصراف أغلب الدارسين إلى التركيز على الفكر السياسي الإسلامي باعتباره ممثلاً حصراً إما في كتابات المفكرين والفلاسفة والفقهاء عبر العصور، أو في فكر وممارسات حركات «الإسلام السياسي».

الخلافة الإسلامية.. بين الواقع التاريخي والخيال السياسي

لكن الخلافة كنظام سياسي ابتكره المسلمون عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، واستمر لقرون طويلة بأنماط مختلفة، ليست مجرد ممارسة واقعية، بل هي منتج حضاري يمثل الإسلام وهي في الوقت عينه حُلم ومشروع ومثال راسخ في العقل الجمعي للمسلمين عن الحكم الفاضل كما يجب أن يكون، فهي تجمع بين الواقع والفكر والخيال.

ورغم أن دراسة تاريخ الخلافة كما مورست في الواقع وكما دونت نظرياً كفكر واجتهاد سياسي قد قُتلت بحثاً في الفكر السياسي الإسلامي والعربي في خضم الصراع المحتدم منذ قرنين من الزمان بين التيارين الإسلامي العلماني، فإن الخلافة كرؤية خيالية لم تحظ بالقدر نفسه من الاهتمام، وهو ما يدفعنا إلى التحليق في هذا الخيال الإسلامي لفهم أعمق لشكل الخلافة كـ«طوبى» أو «يوتوبيا» بعيداً عن الواقع الفعلي وما وقع فيه من أحداث وبعيداً عن الصراعات الفكرية النظرية.

إذ تعمد «الطوبى» أو الخيال السياسي في كثير من جوانبها إلى أن تكون غير منطقية وخالية من الحجاج العقلاني، وإنما تتداخل العوامل الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي تنحرف بالفكرة عن شكليها النظري والعملي لتتحول إلى خيال قد يصل إلى حد الأسطورة أحياناً.

ملامح «يوتوبيا» الخلافة

وللوقوف على ملامح ذلك الخيال السياسي الإسلامي عن الخلافة، فإن هناك عدداً محدوداً من الدراسات التي قدمت مقاربات حول ذلك الموضوع، على رأسها كتاب «الدولة المستحيلة» لوائل حلاق، وكتاب «الخيال السياسي للإسلاميين» للدكتورة هبة رؤوف عزت، وكلاهما حاول مناقشة أسباب فشل التوفيق بين الخلافة الإسلامية كرؤية كامنة في الخيال السياسي الإسلامي والواقع الفعلي ممثلاً في الدولة القومية الحديثة.

وهنا يجب التأكيد على سعة وتنوع المصادر التي يمكن الاستناد إليها لتحليل الخيال السياسي الإسلامي، إذ ينعكس الخيال السياسي في الكتابات الأدبية والسياسية والاجتماعية وفي الخطب الدينية وفي تفاصيل الممارسات اليومية والشعارات السياسية، فهو ظاهرة يصعب الإمساك بها، ومن ثم فإن ما يمكن ذكره من ملامح عامة بشأن الشكل المثالي المتخيل عن الخلافة الإسلامية هو تبسيط بغرض تقريب الصورة وفهم مأزق الحركات الإسلامية المعاصرة والفكر الإسلامي المعاصر في التوفيق بين نموذج الخلافة الإسلامية ونموذج الدولة القومية الحديثة، ويمكن تلخيص تلك الملامح الطوباوية لنموذج الخلافة في الفكر الإسلامي المعاصر فيما يلي:

- منزهة عن الزلل: تتجه كثير من رؤى الحركات الإسلامية المعاصرة إلى تنزيه الخلافة الإسلامية عن الأخطاء، وتخيل تاريخ سياسي إسلامي مثالي ونموذجي، في ظل جهل كثيرين بحقائق التاريخ الإسلامي التي تقف شاهدة على مرور الخلافة الإسلامية بكثير من الصراعات والحروب والفتن؛ وهو ما حرم الفكر السياسي الإسلامي المعاصر من دراسة ناقدة ومتأنية للتراث السياسي الإسلامي ومحاولة استلهام الدروس والعظات منه دون إضفاء هالة خيالية من التقديس المبالغ فيه.

بينما يتفق المفكرون الأكاديميون الذين درسوا التاريخ السياسي للإسلام بأن الفترة المثالية التي يمكن أن تتصف بهذا الوصف هي مرحلة النبوة التي قاد فيها النبي صلى الله عليه وسلم بوحي إلهي الدولة ووضع لبناتها الأولى وخاصة في المدينة المنورة، وعن ذلك يقول د. محمد ضياء الدين الريس في كتابه «النظريات السياسية الإسلامية»: إن تلك المرحلة قد أوجدت النموذج أو المثل الكامل الذي تنظر إليه الآراء، مهما اختلفت وجهاتها، وتؤلف النقطة التي تلتقي عندها كل المذاهب مهما تضاربت وتصادمت.

ورغم ذلك، فإن الجماعات الإسلامية قد توافقت على الخلافة كنموذج مثالي للحكم الإسلامي مع اختلافهم في تحديد الفترة الزمنية الخاضعة لذلك الحكم، فبينما يحصر البعض تلك الفترة في أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما فقط، يرى آخرون كافة أشكال الحكم السياسي الإسلامي منذ عهد الراشدين وحتى الدولة العثمانية، هو نموذج إسلامي جدير بالاتباع ومنزه عن النقد.

- واجبة شرعاً: يقول أبو موسى الأشعري في كتابه «مقالات الإسلاميين»: إن الخلافة كانت أول ما وقع من خلاف بين المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، حيث جرى الخلاف حول وجوبية تعيين خليفة للمسلمين بعد أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر دون توجيه أو وصية، ثم اختلفوا حول الأحق بالخلافة بين المهاجرين والأنصار، ثم في مراحل تاريخية تالية اختلف الفقهاء والمتكلمون حول كون موضوع الخلافة ينتمي إلى الأصول أم الفروع، وهو ما ولد التنافر المذهبي السُّني الشيعي؛ إذ اعتبر الشيعة الخلافة –التي يسمونها إمامة– ركناً من أركان الإيمان وواجبة في كل زمان ومكان ويجب لكل إنسان أن يعرف إمامه ويبايعه حتى وإن كان مستوراً، أما أهل السُّنة والجماعة فقد أقروا الخلافة ضمن الفروع التي يتم فيها تقديم الاجتهادات استنباطاً من القرآن والسُّنة لوضع ملامح ذلك النموذج المنشود كل بحسب رؤيته.

واليوم، فإن كثيراً من الحركات الإسلامية والمفكرين الإسلاميين المعاصرين يعتقد في الخلافة اعتقاد وجوبيتها شرعاً، رغم انتماء تلك الحركات في غالبيتها إلى المذهب السُّني، وقد تجلى ذلك الموقف فيما تعرض له د. علي عبدالرازق مطلع القرن الماضي حين قرر تقديم مؤلفه المثير للجدل «الإسلام وأصول الحكم» الذي أعلن فيه صراحة أن الخلافة ليست نظامًا دينيًا واجبًا في الإسلام، بل هي اجتهاد سياسي بشري نشأ وفق الظروف التاريخية، ولا يوجد في القرآن أو السُّنة ما يلزم المسلمين بها كنظام حكم محدد، وهو ما قوبل بطوفان من الرفض التام والملاحقات الفكرية الغاضبة التي تصدت للرد عليه وتفنيد رؤيته.

- وجوب الاستعادة: ونتيجة للاعتقاد السالف، فإن استعادة ذلك النموذج المثالي واجب شرعي على المسلمين، ومن ثم تعتبر الحركات الإسلامية على اختلاف مشاربها ومآربها بأن استعادة الخلافة الهدف الأوحد لتلك الحركات، بل إن الإخوان المسلمين أولى الجماعات السياسية في «الإسلام السياسي» المعاصر قد نشأت بعد سقوط الخلافة العثمانية بسنوات قليلة بغرض إحيائها مرة أخرى، ورغم طول الأمد والفشل المتكرر في استعادة ذلك النموذج المبتغى، فإن جُل المنتمين لـ«الإسلام السياسي» لم يمتلكوا شجاعة المراجعة الفكرية لفهم الأسباب الحقيقية لفشل النموذج.

وأخيراً، يطرح الفشل المستمر في استعادة الخلافة كهدف أساسي لـ«الإسلام السياسي» والفكر الإسلامي تساؤلات عدة تحتاج إلى التدبر بشأنها حول نموذج الخلافة الإسلامية، هل هذا النموذج الماثل في أذهاننا حقيقي أم بمرور الزمن قد تحول إلى أسطورة «طوباوية» شديدة المثالية ما جعله بعيد المنال عن التطبيق الفعلي، وهل حان الوقت لمراجعات فكرية تستهدف إعادة صياغة المخيال السياسي حول الخلافة عبر دراسة متأنية وناقدة في الوقت نفسه للتاريخ الإسلامي كما حدث في الواقع لا كما نتصوره كملاحم وبطولات، وهل المؤامرة وحدها هي السبب في فشل تأسيس دولة إسلامية قوية بمعايير عصرية منفتحة؟


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة