الدعوة في عصر «الإنفوميديا».. تحديات الشباب وتحولات الخطاب
ليس من العسير على الدعاة أن يدركوا تلك الآثار الجمة التي أحدثتها الثورة المعلوماتية (الإنفوميديا) على شريحة الشباب التي هي مستهدفهم الأول من الدعوة، فقد أعادت تلك الثورة الشباب خلقاً آخر يغاير تمام المغايرة أجيال الآباء والأجداد، ويتعين عليهم أن يقدحوا الفكرة في هذه الآثار، وأن يغوصوا في أعماقها حتى يقدروا على صياغة أساليب دعوية ذات مرونة تكفل لها التكيف مع تلك المتغيرات، ولها القدرة على النفاذ إلى دواخل الشباب، فتفكك تعقيداتهم النفسية، وتشخص مشكلاتهم التي خلفتها تلك الثورة.
كان الناس فيما
غبر من الزمان، وإلى عهد قريب، يتلقون الدعوة المواعظ من فوق المنابر أو على دكك
الواعظين، وكانوا يقنعون بها، ويلبون نداءها إن كان صادراً عن قلب نقي ولسان ذكي،
ولم يكن يجول في خواطرهم أن ينظروا فيما يسمعون أو يقلبوا فيه الرأي، ولا يخطر
ببالهم أن يقفوا على ما يغاير الذي سمعوا، وكان البحث والمقارنات آنئذٍ حكراً على
نخب العلم والفكر.
ولكن شبيبة
اليوم ليسوا هكذا، فقد غمرتهم ثورة الاتصالات بسيل عرم من المعلومات، تضع بين
أيديهم كثيراً من الآراء، وتعرض لهم القول وما يناقضه، وهنا تجري المقارنة لدى
الشباب رغماً عنهم، وقد يختلط لديهم من ذلك حابل المعلومات بنابلها، فيغم عليهم
الأمر، فيعوزهم من يهديهم إلى قول الحق، ويفرز لهم الغث من السمين، وتلك مهمة
الدعاة، ويتوجب عليهم النهوض بها، والنهوض يقتضي القدرة على الفرز، والقدرة بدورها
يعوزها الثراء المعلوماتي بصحبة المهارة.
ومن مثالب تلك
الثورة المعلوماتية على جيل الشباب أنها خلقت فيهم القلق الوجودي، وأثارت
التساؤلات القاسية: من نحن؟ ولمَ جئنا إلى هذه الدنيا؟ وتولَّد فيهم من ذلك تمزق
نفسي مؤلم، وراحوا يرقبون في لهفة منجداً لهم من ذلك التيه، وتلك فرصة سانحة
للدعاة أن يكونوا هذا المنجد والمخلص، فيشتبكون مع الشباب مرشدين لهم إلى طريق
الخلاص، آخذين بنواصيهم إلى سبيل الله.
وتولد مع هذا
القلق الوجودي الشعور بالاغتراب، على الرغم من ذلك الزحام الذي يزخر به الفضاء
الأزرق، ومن قدر على انتشال جماهير الشباب من اغترابهم هذا فاز بهم تابعين
ومريدين، وليس غير دعاة الحق خليقاً بتلك المهمة، فعليهم صناعة مجتمع افتراضي يلبي
رغبة الشباب، ليأنسوا به من وحشتهم، ويدفع عنهم شعور الغربة المرير.
ولأن مواقع
التواصل كلأ مباح ميسور الارتياد لكل مبتغٍ، فقد جعلت شباب المسلمين يلتقون وجهاً
لوجه مع المخالفين، والمخالفون لا يضمرون لملة الإسلام خيراً، فألقوا على الشباب
شبهات وشبهات، وأكثر الشباب لا عهد له بها، فضعضعت عقيدة الكثيرين منهم، وأثارت
الريب في آخرين، وليس أمام دعاة الإسلام إلا النزول إلى ميدان المواجهة، والتصدي
لغائلة الشانئين، ذوداً عن عقول الشباب وقلوبهم.
وكل الذي سلف من
مهام ألقيت على عواتق الدعاة لا تصلح لإنجازها طرائق الدعوة التي كانت، طرائق
الوعظ الملقى والخطب المسرودة، فإنها قد تجاوزها الزمان وفقدت صلاحيتها، وإنما
يوائم هذه المهمة سبيل الحوار، والاشتباك والمناقشة، فهو الأجدى والأنفع، وهو
الخليق بتحفيز الشباب لإفراغ مكنون ذواتهم، والتصريح بما يعتمل في صدورهم، فيكون
من ذلك الراحة لهم من آلام الحيرة وعذابات الاغتراب، فينقادون طائعين لداعية الحق،
ضاربين الذكر صفحاً عن أرباب التشكيك، هاربين من دروب التيه وسبل الضياع.
ومع التحاور،
وبصحبته، يأتي طريق القصص الأدبي مسانداً ومعيناً، فهو الميسور في التناول،
والمحبب إلى القلوب، والجاذب لها، فليكن للدعاة منه نصيب غير منقوص، فليصيغوه
إبداعاً، أو ليلقوه من كتب التاريخ بمهارة، وليبثوا خلال قصصهم ما يحبون من أفكار
تخدم المرام الذي يبتغون.
على الدعاة
اقتفاء أثر الأنبياء والمرسلين، فإنهم لم يقصروا دعوتهم على الوعظ والإرشاد، بل
حاوروا وناقشوا، وضربوا الأمثلة، وحكوا الحكايات، واستمعوا إلى الأتباع وأصغوا لهم
السمع، يجيبونهم عما يسألون، ويفندون لهم الشبهات التي تعترضهم أو يثيرها الغرماء
والكارهون، فبنوا بدعوتهم أجيالاً صمدت بإيمانها لكل عاديات الزمان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً