الدور الحضاري للوقف الإسلامي وقت النوازل

الدور الحضاري للوقف الإسلامي وقت النوازل

الوقف حبس أصل مالي ثابت، كالعقارات أو الأراضي أو المؤسسات أو غيرها، وتخصيص منافعه لأوجه البر والخير التي يحددها الواقف؛ بحيث تظل محفوظة ومنفعتها مستدامة، ولا يكون محلاً للتوارث أو التصرف بما يخرجه عن مقصد الواقف، أما النوازل فهي القضايا والأحداث المستجدة التي تطرأ على المجتمع، وتستدعي البحث عن المعالجات المناسبة لما يترتب عليها من آثار دينية أو اجتماعية أو اقتصادية أو إنسانية، وتمثل الأوقاف أحد الموارد القادرة على تلبية الاحتياجات الطارئة، والإسهام في الحد من آثار الأزمات.

يعد الوقف في الإسلام أحد أبرز النظم الحضارية القائمة على مبدأ الصدقة الجارية، بما يحقق استدامة النفع للأفراد والمجتمعات، ويجسد مقصداً شرعياً يتمثل في استمرار الأجر بعد وفاة الواقف، كما ورد في الحديث: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»(1).

وقد أسهم الوقف عبر التاريخ الإسلامي في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة، وتبرز قيمته الحضارية بصورة أكبر في أوقات النوازل والأزمات؛ لما يتمتع به من مرونة تتيح توجيه موارده نحو الاحتياجات الطارئة بما يسهم في تخفيف الأعباء عن الدولة والمجتمع.

وليس المقصود هنا استقصاء جميع أدوار الوقف في تقديم الدعم خلال النوازل التي مرَّ بها المجتمع، وإنما يقتصر الحديث على عرض نماذج مختارة تُعد شواهد دالة على إسهاماتها في هذا الجانب.

الوقف ومواجهة النوازل في عهد النبي

عقب الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، برزت أزمة مائية حادة تمثل أحد التحديات التي واجهت المجتمع الإسلامي الناشئ؛ فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أثرياء المسلمين إلى شراء بئر «رُومة» ووقفها للمسلمين، ووعده بالجنة؛ فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه بمبلغ كبير جداً يقدر بـ35 ألف درهم وجعلها وقفاً عاماً للمسلمين(2).

وبذلك غدا وقف بئر رومة مثالاً رائداً على توظيف الوقف في التصدي للأزمات المجتمعية، وكان له أثرٌ بالغ في انتشار ثقافة الوقف بين الصحابة، حتى بادر القادرون منهم إلى وقف أموالهم، وخشي الورثة من كثرة الأوقاف ألا يبقى لهم شيء من التركة.

ويتجلى الدور الاجتماعي للإنفاق الإسلامي في مواجهة النوازل في تجهيز «جيش العسرة» سنة 9هـ في ظروف بالغة الصعوبة؛ حيث حث النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين للإنفاق في تجهيز الجيش بشتى السبل قائلاً: «من جهز جيش العسرة فله الجنة»؛ فتسابق الصحابة، وكان أكثرهم عثمان بن عفان؛ حيث جهز جزءاً كبيراً من الجيش من ماله حتى قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم»(3).

دور الوقف في معالجة أزمة المياه في الحج ونشر العلم

أسهمت الأوقاف في معالجة أزمة المياه التي تواجه الحجاج في مسالك الصحراء ومكة المكرمة؛ ما شكَّل تحدياً حقيقياً أمام أداء هذه الشعيرة؛ الأمر الذي دفع الخلفاء والأمراء والأثرياء إلى توظيف الوقف لمعالجة هذه النازلة من خلال حفر الآبار والعيون وإنشاء البرك وتسبيلها للحجاج، ومن أبرزها: أوقاف أبي مسلم الخراساني، وزبيدة زوجة هارون الرشيد، ويحيى البرمكي، وأبي دلف العجلي، إضافة إلى مشاريع مائية أخرى استمرت في العصور اللاحقة لخدمة الحجاج وسكان مكة في العصر المملوكي والعثماني(4).

وتعد الرحلة في طلب العلم لا غنى عنها للعالم، وفي ذلك يقول ابن خلدون: الرحلة لا بد منها في طلب العلم؛ لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ، ومباشرة الرجال.

وكان للوقف أثر بارز في دعم الحركة العلمية والثقافية بين البلاد الإسلامية شرقاً وغرباً، إذ وفر الموارد المالية اللازمة لطلاب العلم، وساعد على تمويل رحلاتهم بين مراكز العلم في مختلف أقاليم العالم الإسلامي التي يعجز طلاب العلم عن تدبيرها، فضلاً عن تخصيص أوقاف لإقامتهم ومعاشهم، الأمر الذي أسهم في ازدهار الرحلات العلمية بين البلاد الإسلامية.

دور الوقف في فداء الأسرى ومعالجة آثار الحروب

قد برز دور الوقف في فترات الأزمات الكبرى خلال الحروب الصليبية والغزو المغولي، إذ شكّلت قضية أسرى المسلمين في هذا العصر أخطر النوازل التي واجهت الأمة الإسلامية، فقد تجاوزت أعباؤها الإمكانات المالية للدولة؛ ما استدعى تضافر جهود المجتمع بمختلف فئاته، فبرز دور الوقف الحضاري في تمويل فداء الأسرى وتحريرهم، وفي مقدمتهم أمير الموصل نور الدين محمود الذي أوقف كثيراً من الأوقاف لهذا الغرض، وأنفق أموالاً كبيرة في سبيل تحرير الأسرى.

وكان تحرير الأسرى هدفاً إستراتيجياً لدى صلاح الدين الأيوبي، شاركه فيه العلماء والتجار بجهود كبيرة، وبذلوا كثيراً من الأموال في فكاك الأسرى، وأوقفوا من ممتلكاتهم أوقافاً لهذا الغرض، وامتدت هذه الجهود إلى المسلمين في صقلية الذين أسهموا بأموال الأوقاف لتحرير الأسرى، ومن أشهر هذه الأوقاف وقف صلاح الدين لبلدة بلبيس في مصر، ووقف القاضي الفاضل لداره المعروفة بـ«دار التمر»(5).

دور الوقف في مواجهة النوازل الصحية والكوارث

شكَّل الوقف في الحضارة الإسلامية دوراً كبيراً في مواجهة النوازل الصحية والكوارث العامة، إذ أسهم في تخفيف آثار الأوبئة والمجاعات والأزمات الإنسانية، وتظهر نماذج من هذا الدور منذ صدر الإسلام في عام «الرمادة» سنة 18هـ حين أصابت الحجاز مجاعة شديدة أدت إلى نقص الغذاء وانتشار الفقر؛ فأسهمت الصدقات والأوقاف في المساعدة بالطعام والماء وتقديم الرعاية للمحتاجين وتخفيف آثارها، وفي العام نفسه وقع طاعون «عمواس» في بلاد الشام، وهو من أعظم الأوبئة التي شهدها التاريخ الإسلامي، حيث خلَّف خسائر بشرية كبيرة، وتضافرت جهود المجتمع عبر الصدقات والأوقاف في دعم المرضى وأسر المتوفين.

وتكرر ذلك في العصر الفاطمي أثناء الشدة المستنصرية (457 - 464هـ) التي تعد من أشد المجاعات التي عرفتها مصر، وفي مواجهة هذه الكارثة خُصص ريع كثير من الأوقاف لتوزيع الحبوب والخبز والطعام، والإنفاق على دور الإيواء والمرافق الصحية، وتقديم العون للفقراء في وقت تراجعت فيه إمكانات الدولة.

وفي العصر المملوكي، انتشرت الأوبئة بصورة مروعة؛ وكثرت الوفيات في الطرقات والأزقة حتى عجز الناس عن القيام بشؤون دفن الموتى؛ ما ترتب عليه كوارث بيئية؛ فلذلك كثرت الأوقاف من أجل تغسيل الموتى وتكفينهم ودفنهم، وصناعة التوابيت في أوقات الطواعين، وأوقفوها لنقل الموتى والصلاة عليهم، مثل وقف «الطرحاء» الذي أنشأه الظاهر بيبرس، وغيره مما كان له أهمية كبيرة في تخفيف أثر هذه الأوبئة(6).

وهذه النماذج تؤكد أن الوقف يمكن أن يؤدي دوراً حضارياً في مواجهة النوازل، وترسيخ قيم التكافل الاجتماعي؛ ما يستدعي إعادة تفعيل دور الأوقاف وتطوير إدارتها واستثمارها بما يواكب متطلبات العصر، ويتحقق ذلك من خلال إنشاء أوقاف متخصصة لدعم الصحة والتعليم والبحث العلمي والإغاثة، وصناديق للطوارئ، مع توظيف التحول الرقمي والحوكمة والاستثمارات المستدامة بما يجمع بين أصالة الحضارة الإسلامية ومتطلبات التنمية الحديثة.

الهوامش
  • 1 صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان بالثواب بعد وفاته (1631).
  • 2 صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب في الشرب (2252).
  • 3 مسند الإمام أحمد، مسند أول البصريين، حديث عبدالرحمن بن سمرة، ج5 ص63، (20630).
  • 4 تاريخ الرسل والملوك للطبري، ج7، ص480.
  • 5 دور الوقف في فداء الأسرى في بلاد الشام ومصر (491- 589هـ)، د. حسن عبدالوهاب حسين، مجلة كلية الآداب، جامع المنوفية، العدد (44)، 2001م، ص139.
  • 6 الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر 648 - 923هـ، د. محمد محمد أمين، ص105.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة