الدول المستقلة في التاريخ الإسلامي.. وشروط عطائها الحضاري

لم يعرف المسلمون الدول المستقلة زمن الراشدين ولا الأمويين، فقد كانت دولة الإسلام واحدة، وبالرغم من قسوة الفتنة الكبرى وصراع المسلمين فيها؛ لم تتقبل الذهنية الإسلامية فكرة أن يكون للمسلمين خليفتان؛ أحدهما في الكوفة (عليّ)، والآخر في دمشق (معاوية)، رضي الله عنهما.

إلا أنه مع بداية العصر العباسي الأول (132 - 232هـ) انفصل الأندلس تحت قياده أموية عن الدولة العباسية الناشئة، ثم ظهرت دولة الأغالبة في تونس (184 - 296هـ) التي أسسها إبراهيم بن الأغلب برضا الخليفة العباسي هارون الرشيد لتكون دولة عازلة تحجب أعداء العباسيين في المغرب والأندلس عن بقية الدولة في المشرق وشمال أفريقيا.

المسلمون لم يعرفوا الدول المستقلة زمن الراشدين ولا الأمويين فقد كانت دولة الإسلام واحدة

وما كاد العصر العباسي الثاني يظهر في الوجود حتى ظهرت عدة دول مستقلة في الشام ومصر؛ الطولونيون (254 - 292هـ)، ثم الإخشيديون (323 - 358هـ)، ثم الأيوبيون (567 - 648هـ)، والمماليك (648 - 923هـ)، وفي المشرق الإسلامي الطاهريون (205 - 259هـ)، والسامانيون (204 - 395هـ)، والصفاريون (253 - 300)، ثم البويهيون (320 - 454هـ)، والغزنويون (351 - 582هـ)، ثم السلاجقة (429 - 590هـ).

وفي المغرب ظهرت دول أخرى؛ بنو مدرار والرستميون الخوارج، والأدارسة العلويون، ثم المرابطون السُّنة (448 - 541هـ)، والموحدون (524 - 667هـ).

وكان الأصل في دويلات المشرق أن تعترف بالخليفة العباسي، ويدعو له خطباؤها وتأتيه جبايتها، أو نصيب منها، أما في المغرب والأندلس فكان الغالب على دولها أنها لا تعترف بالخليفة العباسي، مثل الأمويين في الأندلس والأدارسة ثم الرستميين والموحدين.

لم يكن أمام الخليفة العباسي المستضعف أن يوقف تلك الانقسامات، ولم يجد بداً من الاعتراف بها راضياً أو مكرهاً، إلا أنه في الحقيقة كانت هذه الدول قادرة على جلب منافع حضارية للإسلام فاقت شر الانقسام أحياناً.

فمن ينكر فضل الأغالبة في التصدي لخطر الخوارج والشيعة المجاورين لهم، وفضلهم الأكبر في فتح صقلية الذي بدأ عام 212هـ واستمر سنوات طوالاً من الجهاد والتضحية ونشر الإسلام بين أهلها، غير بعيدين عن روما مقر البابوية الكاثوليكية؟

في زمن العباسيين كانت الدول المستقلة قادرة على جلب منافع للإسلام فاقت شر الانقسام أحياناً

وكذلك كان للصفاريين والسامانيين فضل نشر الإسلام بين قبائل الترك، وفتح فريق منهم المناطق الوعرة التي لم تصلها جيوش الفاتحين الأوائل في بلاد ما وراء النهر.

ودور الغزنويين في نشر نطاق الإسلام إلى مناطق واسعة من الهند؛ لتقوم بعد ذلك دولة المغول العظيمة في الهند ناشرة الإسلام هناك وضاربة أروع المثل في التعايش السلمي بين المسلمين وملايين الهنود بما يمثلونه من ألوف الديانات واللغات والحضارات.

أما السلاجقة الصحراويون، فقد نفخوا من روحهم الوثابة في عروق الدولة العباسية اليابسة ومد عمر الخلافة حوالي قرنين من الزمان، وكان لهم فضل إعادة المذهب السُّني إلى بريقه بعد عقود من الوهن أمام المد الشيعي البويهي الذي سيطر على بغداد قلب العالم السُّني، وهدد بقاءه في الشام ومصر بعدما سيطر عليها الفاطميون (العبيديون).

إلا أن الفضل الأكبر للسلاجقة كان تصديهم للعدوان الصليبي، وهزيمة الدولة البيزنطية هزيمة داوية في «ملاذكرد» عام 463هـ/ 1071م؛ حيث أُسر الإمبراطور البيزنطي لأول مرة في التاريخ الإسلامي، ثم كانت فضيلتهم العظمى حين زحفوا على آسيا الصغرى (الأناضول) فأقاموا بها دولة سلاجقة الروم التي ظلت تقاوم الزحف الصليبي على بلاد الشام مدى حين.

ولم يقبل زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين أن يسمي نفسه أمير المؤمنين إجلالاً للخليفة العباسي؛ واكتفى بلقب أمير المسلمين، وكان للمرابطين فضل الحفاظ على الإسلام في الأندلس لما أوقفوا الجوش الصليبية هناك، وهزموها في موقعة الزلاقة عام 479هـ.

لم يكن للخليفة العباسي في بغداد طاقة بحرب الصليبيين، فأوكل مهمة جهادهم إلى قائده آق سنقر الذي خرج من نسله عماد الدين زنكي، ثم نور الدين محمود، ثم تلميذه الأنجب صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقد خضد هؤلاء الرجال الكبار شوكة الوجود الصليبي، ولما ورثهم المماليك كان من قدرهم أن أنقذوا عالم الإسلام -بل البشرية كلها- من خطر المغول، قبل أن يقضوا على بقايا الصليبيين في الشام.

يقظة شعوب الأمة وإدراكها عمق ما بينها من لُحمة عقائدية كانت سبباً في الحفاظ على سيادتها

لن ينسى التاريخ فضل السامانيين في بخارى بترجمة تفسير القرآن الكريم إلى اللغة الفارسية، ولم ينس أن البلاط الساماني ازدان بالمفكرين والشعراء والكتَّاب، كذلك كان الغزنويون في اهتمامهم الحضاري، فظهر الشاعر الملحمي الفردوسي، وبرز مؤرخون عظام هزتهم بطولات محمود الغزنوي، منهم أبو نصر العتبي، مؤلف «التاريخ اليميني»، نسبة إلى لقب الغزنوي؛ يمين الدولة، وأبو الريحان البيروني صاحب «الآثار الباقية عن القرون الخالية»، وأبو الفضل البيهقي صاحب «تاريخ بيهق».

وأنجب الحمدانيون (293 - 394هـ) ثلة من أكابر الشعراء، يكفيك ذكر سيف الدولة، والمتنبي، وفي عصر الأغالبة برز القاضي أسد بن الفرات أمير الجيش الذي بدأ فتح صقلية، أما في عصر متأخر فقد ظهر ابن تيمية، وابن القيم، وأسر علمية ممتدة مثل آل عساكر، وآل قدامة، وآل السبكي، في ظل الخلافة العباسية الاسمية في القاهرة.

وتحولت عواصم تلك الدول المستقلة ومدنها الكبرى إلى حواضر للعلم والحضارة الإسلامية، تحتضن المدارس والجامعات والمساجد والأوقاف، كما حدث في بخارى وسمرقند وغزنة والقاهرة ودمشق وتونس وقرطبة وطليطلة وشاطبة.. وتعاضدت شعوبها من عرب وفرس وترك وديلم وبربر وغيرهم، وحافظت على قيم العدل بينها، ذلك العدل الذي امتدت الأيدي إليه في ظل قضاء مستقل عن الإرادات السياسية المختلفة؛ لأنه ينتمي إلى شريعة تستعلي على أهواء الأرض، فشمل المسلمين وأهل الذمة جميعاً في مجتمع عج بديانات مختلفة، كانت تتزايد أعدادها كلما فُتخت أرض جديدة.

لا فلاح إلا بالعودة إلى أسباب النجاح والنجاة بالاحتكام إلى دين الحق وحضارة العدل

كان الدور الإيجابي إذن حاضراً بجوار الدور السلبي لاستقلال هذه الدول ضمن إطار الخلافة، أو بعيداً عنه، غير أن ذلك ظل مرهوناً بأمور، منها:

يقظة الرأي العام لشعوب الأمة، وإدراكها عمق ما بينها من لُحمة ورابطة لا تستطيع الفوارق السياسية أن تمحوها، ودورها في الدفع بحكامها إلى مقاصد الإسلام العظمى؛ في نشر الدين، والجهاد في سبيله، والتصدي لأعدائه.

كثير من الحكام أداروا ظهورهم للمشروعية العليا للإسلام وتسابقوا إلى إرضاء أعدائهم فتراجعت الأمة

وزاد من ذلك دور العلماء الذين جابوا تلك الدول والحواضر، يطلبون العلم، وينشرونه، ويؤكدون عمق الأخوة الإسلامية بين شعوبها، كما زادها وعي الساسة والحكام بوحدة الأمة، وتعدد أدوارهم السياسية، وأهمية المحافظة على رمزية الخلافة -وإن وهت- لما لها من قيمة عظمى في الوعي الإسلامي الجمعي.

حتى استدار الزمان، فولى كثير من الحكام ظهورهم للمشروعية العليا للإسلام، وتوزعتهم مذاهب المادة، وتسابقوا إلى إرضاء سادة من غير دينهم وجنسهم، ينتمون إلى غير تاريخهم وقيمهم وحضارتهم، يريدون بهم الشر، ويزينون لهم باطلهم فيخفوا إليه سراعاً؛ (كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) (المعارج: 43).

فلما غاب الاحتكام إلى الروح التي أمدت الأمة بالحياة -روح شريعتها وتوحيدها- تفرق ما بين الشعوب، وتدابرت بينها المقاصد والهمم، وأطمعوا فيهم أعداءهم، فنفذوا من منافذ الكيد لهم؛ وأوسعها قاطبة هو تعدد أجناسهم، وقومياتهم، ومظلوميات يسهل رفع راياتها، والدعوة إلى الانتصار لها.

فلا فلاح إلا بالعودة إلى أسباب النجاح والنجاة، بالاحتكام إلى دين الحق، وحضارة العدل؛ (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40).

اقرأ أيضاً:

-4 إمبراطوريات إسلامية قادت العالم

من دروس التاريخ.. ‏القيادة الأصيلة توحِّد الدول على المبادئ والقيم

الدور الأخلاقي للدولة في الفكر الإسلامي

 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة