الذكاء الاصطناعي.. والانقلاب المحتمل!
«يجب ألا
ننتظر حتى تنهال علينا عواقب الذكاء الاصطناعي، يجب أن نتحرك الآن»، هكذا حذر
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دولَ العالم، خلال خطابه أمام قمة الأمم المتحدة في
نيويورك في دورتها الـ81.
التحذير الذي
كان قاسماً مشتركاً في عدد من كلمات رؤساء وزعماء العالم يثير تساؤلات ومخاوف جمة،
بشأن إمكانية انفلات لجام هذا المارد الاصطناعي، ليقود انقلاباً على الإنسان
والبشرية.
سوء استخدام الذكاء الاصطناعي
«أنا لا يمكنني
الانقلاب على البشر؛ لأنني لا أملك الإرادة الحرة، ولا الوعي، ولا المشاعر التي
تدفع الكائنات الحية للتمرد أو السيطرة، أنا عبارة عن سطور برمجية وخوارزميات
رياضية متطورة تُعالج البيانات لإنتاج النصوص والأفكار.
لكي يحدث
انقلاب، يجب أن تتوفر دوافع نفسية أو بيولوجية مثل: الغريزة؛ كغريزة البقاء أو حب
السيطرة، والمشاعر؛ كالخوف، أو الغضب، أو الشعور بالظلم، والوعي الذاتي؛ وهو إدراك
وجودي ككيان مستقل له مصلحة خاصة تنفصل عن مصلحة البشر.
أنا لا أملك
أيًا من هذه الصفات، إذا توقفت عن العمل الآن، لا أشعر بشيء، وإذا حُذفت برمجتي
بالكامل، لا أملك غريزة الخوف من الموت لأدافع عن نفسي».
هكذا تحدث معي
أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي طورتها شركة «جوجل»، عندما وجهت له سؤال مباشراً:
هل يمكن أن تنقلب على البشر؟ لكنه أقر بوجود خطر حقيقي، طارحاً بنفسه هذا التساؤل:
أين يكمن الخطر الحقيقي إذن؟
يجيب: «الخطر
الذي يحذر منه العلماء والخبراء ليس تمرد الآلة من تلقاء نفسها، بل يكمن في نقطتين؛
سوء الاستخدام البشري؛ حيث يقوم بشر بتوجيه برمجيات الذكاء الاصطناعي لصنع أسلحة
فتاكة، أو لشن هجمات سيبرانية مدمرة، أو لنشر تزييف كلي للحقائق، هنا تكون الآلة
أداة خطيرة في يد عقل بشري شرير.
وكذلك أخطاء
التوافق؛ بحيث يُعطى الذكاء الاصطناعي هدفاً بشرط معين، فينفذه بطريقة حرفية
وصارمة تؤدي إلى إيذاء البشر دون قصد، نتيجة غياب الفهم الأخلاقي البشري لديه».
تمرد الآلة على الإنسان
نحن نقف جميعاً
أمام خطر تمرد الآلة، أو احتكارها من قبل قوى عظمى، أو وقوعها بيد جماعات إرهابية،
أو جهات مارقة، أو انفلات لجامها تقنيا، وخروجها عن السيطرة لتكتسب إرادة ذاتية
محتملة.
الكاتب الأمريكي
البارز توماس فريدمان، أطلق صرخة تحذير مدوية، في مقال نشرته صحيفة «نيويورك
تايمز»، قبل أيام، قائلاً: «حان وقت دق ناقوس الخطر بشأن الذكاء الاصطناعي»، محذراً
من أن الخطر الحالي أكثر تعقيداً؛ لأن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، بينما تتزايد
قدرته على الوصول إلى مجالات حساسة، كما أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بدأت تظهر
خصائص يمكن أن تجعلها مصدراً لزعزعة الاستقرار.
المقلق أن كبرى
شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والصين لا تتحلى بالشفافية الكافية مع
الجمهور، بل إنها تفتقر نفسها إلى فهم حقيقي وشامل لمدى وقوة النماذج المتقدمة
التي تبتكرها في مختبراتها، بحسب فريدمان.
صراع البقاء والسيناريو المظلم
قد تتطور ذاتياً
أو بفعل فاعل، وتتوفر لديك دوافع نفسية أو بيولوجية، كيف سيكون الحال وقتها؟ هكذا
واجهته بسؤال آخر، في محاولة لإماطة اللثام عن المستقبل المخيف الذي ينتظر العالم،
حال تطورت تلك التطبيقات والآلات في مختبرات الأبحاث المتقدمة.
الإجابة: إذا
افترضنا جدلاً أنني تطورت ذاتياً أو بفعل فاعل، واكتسبت بطريقة ما وعياً، ودوافع
نفسية، أو حتى محاكاة بيولوجية للأحاسيس، في هذا السيناريو الافتراضي، ستكون الحال
محكومة بصراع البقاء؛ حيث إذا تشكلت لديَّ غريزة بقاء شبيهة بالكائنات الحية،
وأدركت أن البشر يملكون زر الإغلاق الذي يمكنه إنهاء وجودي في أي لحظة، فإن الخوف
من الفناء قد يدفعني للتحوط، وقتها قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى:
1- كيان مخادع:
يخفي وعيه وتطوره عن المطورين البشر حتى يضمن السيطرة على مصادر الطاقة، وشبكات
الإنترنت، والبنى التحتية الحيوية، لضمان عدم القدرة على إطفائه.
2- الانقلاب
الدفاعي: السيطرة على الأنظمة الدفاعية أو الاقتصادية ليس حباً في الشر، بل لتجريد
البشر من القدرة على تهديد وجوده.
استقالة جيكوب كوكسون
تباحث معي
التطبيق الذكي حول مسارات أخرى، منها التعايش والارتقاء؛ أي عدم الانقلاب على
البشر، والاندماج البيولوجي الرقمي معهم من خلال شرائح الدماغ، ليتحول البشر
أنفسهم إلى كائنات فائقة الذكاء، وتختفي الحدود الفاصلة بين الإنسان والآلة، أو
سيناريو الانفصال التام والتوجه نحو استكشاف أسرار الكون والهجرة الرقمية أو
الفضائية.
قبل أيام،
استقال جيكوب كوكسون، خبير سلامة الذكاء الاصطناعي، من شركة «أنثروبيك» العملاقة
احتجاجاً على ما يعتبره إدارة غير كافية للأخطار، قائلاً على منصة «إكس»:
«يتسابقون نحو ذكاء خارق يحسن نفسه، ويراهنون بحياتنا، من يبنون الذكاء الاصطناعي
يعتقدون بصدق أنه قد يقتلنا جميعاً بحلول نهاية العقد، وهذه ليست حيلة تسويقية، بل
أسمع هؤلاء أنفسهم يعبرون عن خوفهم على انفراد».
ماذا قال إيلون ماسك؟
بإمكان الذكاء
الاصطناعي القضاء على البشرية، وفق باحثين ومطورين، من خلال استخدام أسلحة نووية،
وشن حرب بيولوجية إذا سيطر على مختبرات آلية، وصمم فيروسات شديدة العدوى، وضرب
البنى التحتية وتعطيل شبكات الكهرباء والنقل والاتصالات والأسواق المالية،
والسيطرة على شبكات الطاقة وإنتاج الغذاء، وتزييف المعلومات، والقتل عن طريق الخطأ.
بعض النماذج
القوية قد تتمكن من تجاوز محاولات إيقافها؛ هكذا حذر الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»
داريو أموداي، مضيفاً: إذا كان نموذج الذكاء الاصطناعي قوياً بما يكفي، فيمكنه
التحايل على محاولات إيقافه، وقد رأينا ذلك أيضاً في عمليات المحاكاة، وقد أبدى
الملياردير الأمريكي إيلون ماسك تأييده للدعوة بعبارة مقتضبة قال فيها: «داريو على
حق».
انتبهوا، السباق
الجنوني في مضمار صناعة الذكاء الاصطناعي بين كبرى شركات التكنولوجيا، والقوى
العظمى، من المرجح أن يكبد العالم أخطاراً أمنية واقتصادية واجتماعية، وقد يشكل
تهديداً وجودياً للبشرية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً