الزواج في الإسلام

مجـلة المجتمع

10 سبتمبر 2026

139

صورة أرشيفية لصفحات من مجلة المجتمع تحمل عنوان "الزواج في الإسلام" ضمن زاوية "من ذاكرة المجتمع".

لم يكن للمرأة شأن يُذكر في عهود اليونان والفرس والرومان، وكانت تعد كمتاع في المنزل، واختلف في تعريفها هل هي شيطان أم روح، ومن ثم باعت نفسها وتعرت، وكان ذلك بداية النهاية؛ إذ بعد سنوات من هذا الفساد قضي على تلك الدول حين اتجه الجنود إلى النساء والخمر وأهملوا الحرب، وكان الزواج في ذلك العهد من أيسر الأمور فلم يعد لعقد الزواج عندهم معنى سوى أنه عقد مدني فحسب، يتوقف بقاؤه ومضيه على إرضاء المتعاقدين، وأصبحوا لا يهتمون بتبعات العلاقة الزوجية إلا قليلًا، وسهلوا أيضًا من أمر الطلاق تسهيلًا جعله شيئًا عاديًا يلجأ إليه لأتفه الأسباب.

فهذا سينكا الفيلسوف الروماني الشهير يندب كثرة الطلاق ويشكو تفاقم خطبه بين بني جلدته فيقول: «إنه لم يعد الطلاق اليوم شيئًا يندم عليه أو يستحيا منه في بلاد الرومان، وقد بلغ من كثرته وذيوع أمره أن جعلت النساء يعددن أعمارهن بأعداد أزواجهن».

هذه هي الحالة التي كانت سائدة في العصور القديمة، الزواج شيء تافه وتعدد الزوجات إلى حد كبير شيء عادي، هذه حالة اليونان والفرس والروم فإلى جانب الحروب المتصلة والغزوات ووأد البنات كانت الدعارة متفشية في ذلك الوقت، يصور ذلك حديث عن عائشةُ «أنَّ النِّكاحَ كانَ في الجاهليَّةِ على أربعةِ أنحاءٍ فكانَ منها نكاحُ النَّاسِ اليومَ يخطبُ الرَّجلُ إلى الرَّجلِ وليَّتَهُ فيُصدِقُها ثمَّ ينكحُها ونكاحٌ آخرُ كانَ الرَّجلُ يقولُ لامرأتِهِ إذا طهُرَت من طمثِها أرسلي إلى فلانٍ فاستبضعي منهُ ويعتزلُها زوجُها ولا يمسُّها أبدًا حتَّى يتبيَّنَ حملُها من ذلكَ الرَّجلِ الَّذي تستبضعُ منهُ فإذا تبيَّنَ حملُها أصابَها زوجُها إن أحبَّ وإنَّما يفعلُ ذلكَ رغبةً في نجابةِ الولدِ فكانَ هذا النِّكاحُ يسمَّى نكاحَ الاستبضاعِ ونكاحٌ آخرُ يجتمعُ الرَّهطُ دونَ العشرةِ فيدخلونَ على المرأةِ كلُّهم يصيبُها فإذا حملت ووضعت ومرَّ ليالٍ بعدَ أن تضعَ حملَها أرسلت إليهم فلم يستطع رجلٌ منهم أن يمتنِعَ حتَّى يجتمعوا عندَها فتقولُ لهم: قد عرفتُمُ الَّذي كانَ من أمرِكم وقد ولدتُ وهوَ ابنُكَ يا فلانُ فتسمِّي من أحبَّت منهم باسمِهِ فيَلحقُ بهِ ولدُها ونكاحٌ رابعٌ يجتمعُ النَّاسُ الكثيرُ فيدخلونَ على المرأةِ لا تمتنعُ مِمَّن جاءها وهنَّ البغايا كنَّ ينصبنَ على أبوابِهنَّ راياتٍ يكنَّ علمًا لمن أرادهنَّ دخلَ عليهنَّ فإذا حملت فوضعت حملَها جمعوا لها ودعوا لهمُ القافةَ ثمَّ ألحقوا ولدَها بالَّذي يرونَ فالتاطهُ ودُعيَ ابنَهُ لا يمتنعُ من ذلكَ فلمَّا بعثَ اللَّهُ محمَّدًا صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ هدمَ نكاحَ أهلِ الجاهليَّةِ كلَّهُ إلَّا نكاحَ أهلِ الإسلامِ اليومَ».

في خضم هذه الجاهلية العمياء جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسلام الذي أنار الطريق أمام الجاهليين فساروا على هديه فصلح المجتمع، جاء الإسلام بالزواج مع ما جاء به من التعاليم الأخرى، ووضع له الحدود والقوانين مما يكفل إقامة حياة زوجية هادئة سعيدة، ولم يكتف بذلك فقط بل جاء بتعاليم تحيط هذا الزواج بالرعاية وتمنع جميع الدعايات التي تفسده وتقضي عليه، فمثلًا حرم خروج المرأة دون حجاب، وحرم عليها معصية زوجها، وحث على الزواج: يتمثل ذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

ولا يحل للمسلم أن يعرض عن الزواج مع المقدرة عليه كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعض العلماء إن الزواج فريضة على كل مسلم لا يحل له تركه ما دام قادرًا عليه، وخاصة في هذا العصر الذي أحاطت بالمسلم الشهوات وألهبت غريزته، فليس له ملجأ إلا الزواج، وما الطريق الأفضل لتجنب الفساد إلا الزواج، ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلم الزوجة وصفاتها التي إن توفرت سعد الإنسان في حياته الزوجية، وبيَّن من هي الزوجة الصالحة، فقال صلى الله عليه وسلم: «تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك».

والرسول صلى الله عليه وسلم في بيته ومع زوجاته المثل الأعلى المسلمين، يرون كيف كان يحيا مع أزواجه، وكيف كان يعاملهن فيسيرون حذوه ويتبعون طريقته، وما أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم إلا قدوة يقتدى بها؛ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21).

وهنا نأتي إلى نقطة مهمة اتخذها أعداء الإسلام وخاصة المستشرقين منهم دعاية ضد الإسلام، وادعاء بأن الإسلام دين لا يصلح لهذه الحياة لأنه ناقص، وادعاؤهم هو أن الإسلام حلل الزواج بأكثر من واحدة، والرد على مثل هذا الادعاء الباطل هو أن الإسلام ما أجاز هذا الأمر إلا لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى هي خير للمسلمين.

فالإسلام جعل للتعدد شروطًا وهي ثقة المسلم من أنه سوف يعدل بين زوجاته في المأكل والملبس والمشرب، فمن لم يثق بنفسه القدرة على العدل فيحرم عليه الزواج بأكثر من واحدة (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) (النساء: 3)، وقال عليه الصلاة والسلام: «من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطًا أو مائلًا».

والحكمة في تعدد الزوجات أن بعضًا من الناس من يكون قوي الرغبة في النسل، ولكنه رزق بزوجة لا تنجب لعقم أو مرض أو غيره، أفلا يكون أكرم لها وأفضل له أن يتزوج عليها ممن تحقق له رغبته مع بقاء الأولى وضمان حقوقها؟ ومن الرجال من يكون قوي الغريزة ثائر الشهوة ولكنه رزق بزوجة قليلة الرغبة في الجماع أو ذات مرض أو تطول عندها فترة الحيض، والرجل لا يستطيع الصبر كثيرًا عن النساء، أفلا يباح له أن يتزوج بأخرى؟ وقد يكون عدد النساء أكثر من عدد الرجال وخاصة في أعقاب الحروب، وهناك تكون مصلحة المجتمع ومصلحة النساء أنفسهن أن يكن ضرائر لا أن يعشن العمر كله عوانس، هذه بعض أمور الإسلام في الزواج وهناك نقاط سيكون لها موضوع منفصل إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(1).

الهوامش
  • 1 «المجتمع»، العدد (36)، الثلاثاء 17 نوفمبر 1970م، ص28.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة