الروح (2 - 2)

السؤال في القبر

السؤال في القبر

اتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان يسأل بعد موته قُبِر أم لم يُقْبَر، فلو أكلته السباع أو أحرق حتى صار رمادًا، ونسف في الهواء، أو غرق في البحر، لسئل عن أعماله، وجوزي بالخير خيرًا، وبالشر شرًا، وأن النعيم أو العذاب على النفس والبدن معًا.

قال ابن القيم: " مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى، أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى ".

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وصحيح أبى حاتم، أو النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت إذا وضع في قبره إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فان كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل.

فيقول له اجلس، فيجلس، قد مثلت له الشمس وقد أدنيت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلى، فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا شهدت عليه؟ قال: فيقول محمد؟ أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله.

فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال: هذا مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسروراً، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدئ منه فيجعل نسمته في النسيم الطيب، وهى طير تعلق في شجرة الجنة، قال: فذلك قوله تعالى): يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) (إبراهيم: ٢٧)

وذكر في الكافر ضد ذلك إلى أن قال: «ثم يضيَّق عليه في قبره إلى أن تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضَّنْكُ التي قال الله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه : ١٢٤).

وقال الحافظ في الفتح: " وذهب ابن حزم، وابن هبيرة، إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عَوْد إلى الجسد، وخالفهم الجمهور، فقالوا: تعاد الروح إلى الجسد، أو بعضه كما ثبت في الحديث، ولو كان على الروح فقط، لم يكن للبدن من ذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد، ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه.

والحامل للقائلين: بأن السؤال يقع على الروح فقط، أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه، من إقعاد ولا غيره، ولا ضيق في قبره ولا سعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب؛ وجوابهم: أن ذلك غير ممتنع في القدرة، بل له نظير في العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذّة وألمًا، لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألمًا ولذّة لما يسمعه، أو يفكر فيه، ولا يدرك ذلك جليسه، وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله.

والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم، إبقاء عليهم، لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت، إلا من شاء الله، وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور، كقوله: «إنه ليسمع خفق نعالهم»، وقوله: «تختلف أضلاعه لضمّة القبر» وقوله: «يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق»، وقوله: «يضرب بين أُذنيه»، وقوله: «فيُقعِدانه»، وكل ذلك من صفات الأجساد.

مستقر الأرواح

عقد ابن القيم فصلاً ذكر فيه أقوال العلماء في مستقر الأرواح، ثم ذكر القول الراجح، فقال: " الأرواح متفاوتة في مستقرّها في البرزخ أعظم التفاوت ".

فمنها: أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهى أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء.

ومنها: أرواح في حواصل طير خُضْر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهى أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدَيْن عليه أو غيره، كما في المسند عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما لي إن قُتِلت في سبيل الله؟ قال: «الجنة»، فلما ولى، قال: «إلا الذين سارني به جبريل آنفًا»؛ ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنة، كما في الحديث الآخر: «رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنة»؛ ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، كحديث صاحب الشمْلة التي غلّها ثم استُشهد فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذى نفسى بيده إن الشّمْلة التي غَلّها لتشتعل عليه نارًا في قبره» (رواه أحمد) ؛ ومنهم من يكون مقرّه باب الجنة، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه: الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية.

وهذا بخلاف جعفر بن أبى طالب، حيث أبدله الله من يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء؛ ومنهم من يكون محبوسًا في الأرض، لم تعْلُ روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحًا سُفلية أرضية، فإن الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية، كما لا تُجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها، ومحبته، وذكره، والأنس به، والتقرّب إليه، بل هي أرضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك؛ كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة الله، وذكره، والتقرب إليه، والأنس به، تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها.

فالمرء مع من أحب في البرزخ ويوم القيامة، والله تعالى يُزوّج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد، ويجعل روحه (يعنى المؤمن) مع النّسم الطيب (يعنى الأرواح الطيبة المشاكلة لروحه)، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها، وإخوانها، وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك. ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة. فليس للأرواح - سعيدها وشقيها - مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض.

وأنت إذا تأملت السنن والآثار في هذا الباب وكان لك بها فضل اعتناء، عرفت حجة ذلك، ولا تظن أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارُضًا، فإنها كلها حق يُصدِّق بعضها بعضًا؛ لكن الشأن في فهمها، ومعرفة النفس وأحكامها، وأن لها شأنًا غير شأن البدن.

وأنها مع كونها في الجنة، فهي في السماء، وتتصل بفناء القبر وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركة وانتقالاً، وصعودًا وهبوطًا، وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة، وعلوية وسفلية، ولها بعد المفارقة صحة، ومرض، ولذة، ونعيم، وألم، أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذة والراحة، والنعيم والإطلاق، وما أشبه حالها في هذا البدن بحال الطفل في بطن أمه! وحالتها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار، فلهذه الأنفس أربع دور، كل دار أعظم من التي قبلها:

الدار الأولى: في بطن الأم، وذلك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث.

الدار الثانية: هي الدار التي نشأت فيها وألَفْتَها، واكتسبت فيها الخير والشر، وأسباب السعادة والشقاوة.

الدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع من هذه الدار وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة هذه الدار إلى الأولى.

الدار الرابعة: دار القرار، وهي الجنة والنار، فلا دار بعدها.

والله ينقلها في هذه الدور طَبقًا بعد طَبَق حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها، ولا يليق بها سواها، وهي التي خلقت لها، وهيئت للعمل الموصل إليها.

ولها في كل دار من هذه الدور حكم وشأن، غير شأن الدار الأخرى، فتبارك الله فاطرها، ومنشئها، ومميتها، ومحييها، ومسعدها، ومشقيها، الذي فاوت بينها في درجات سعادتها وشقاوتها؛ كما فاوت بينها في مراتب علومها وأعمالها، وقواها وأخلاقها؛ فمن عرفها كما ينبغي، شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، وله القوة كلها، والقدر كلها، العز كله، والحكمة كلها، والكمال المطلق من جميع الوجوه، وعرف بمعرفة نفسه صدق أنبيائه ورسله، وأن الذي جاءوا به هو الحق الذي تشهد به العقول، وتًقر به الفطر، وما خالفه فهو الباطل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة