الخطيب الشربيني وبراعة التفسير اللغوي لآيات التنزيل (2 - 3)

السراج المنير.. حينما يكون البيان اللغوي بوصلةً للتفسير

د. رمضان فوزي

29 يونيو 2026

106

السراج المنير.. حينما يكون البيان اللغوي بوصلةً للتفسير

بعد أن تجولنا في الحلقة السابقة من هذه السلسلة في رحاب سيرة الإمام الخطيب الشربيني، وملامح شخصيته العلمية الموسوعية؛ إذ ضرب في كثير من علوم الشريعة واللغة بسهم وافر. وفي هذا الحلقة سنلقي الضوء على المفتاح الذي استصحبه الشربيني في طَرقه لكل هذه الأبواب في أثناء تفسيره الموسوم "السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير"؛ ألا وهو باب اللغة؛ حيث وظف الشربيني مهاراته اللغوية في تفسيره توظيفا واضحا جليا؛ ففتحَتْ له آفاقا رحبة في فهمه للآيات وتوليد المعاني المتعددة حسب التوجيهات اللغوية وتنوعها واختلافها، كما استنبط بعض الأحكام الفقهية في تفسيره من خلال التوجيه اللغوي، وأيضا كانت له اختياراته العقدية والكلامية بناء على التوجيهات اللغوية ورودوه على أهل البدع والأهواء. وكل هذا سنشير إلى أمثلة عليه في السطور التالية بما يسمح به طبيعة المقام ومساحة المقال.

السراج المنير.. درةٌ تستحق الإنصاف

يعد تفسير السراج المنير من التفاسير التي لم يُكتب لها الذيوع والانتشار إلا في أوساط المثقفين والمهتمين بعلم التفسير؛ نظرا لعدم اهتمام الباحثين والمحققين بتحقيقه وإخراجه في حلة تليق به وبصاحبه حتى وقت متأخر، رغم ما حواه التفسير من علوم متعددة وفنون متنوعة، لو وجد من يحمله إلى عامة المثقفين والباحثين لحجز له مكانا متميزا في مكتباتهم. ويلخص الشيخ نفسه أهمية تفسيره ومكانته فيقول في مقدمته: "فدونك تفسيرا كأنه سبيكة عسجد، أو در منضد، جمع من التفاسير معظمها، ومن القراءات متواترها، ومن الأقاويل أظهرها، ومن الأحاديث صحيحها وحسنها، محرر الدلائل في هذا الفن، مظهرا لدقائق استعملنا الفكر فيها إذا الليل جن".

وقد صنف الذهبي تفسير السراج المنير تحت قسم "التفسير بالرأي الجائز". ثم علق عليه قائلا: "وقد قرأت في هذا التفسير فوجدته تفسيرًا سهل المأخذ، ممتع العبارة، ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل، نقل فيه صاحبه تفسيرات مأثورة عن السلف، كما أنه يذكر –أحيانًا- آراء من سبقه من المفسرين كالزمخشري والبيضاوي والبغوي، وقد يوجه ما يذكره من هذه الأقوال ويرتضيها وقد يناقشها ويرد عليها"(1).

ملامح المنهج التفسيري عند الخطيب الشربيني

ويمكن إجمال الملامح العامة لمنهج الشيخ في التفسير فيما يلي:

1- سهولة العبارة ووضوح الفكرة.

2- التعرض للأحكام الفقهية في مظانها من الآيات.

3- الرد على الفرق الكلامية وبعض الضلال والزنادقة.

4 - النقل عن السابقين؛ وهو ما أتاحه له مجيئه متأخرا فهو كثير النقل عن ابن عطية والزمخشري والبيضاوي وأبي حيان.

5- الاهتمام بالأوجه اللغوية المتعددة في القضية الواحدة.

6- الاعتداد بالقراءات المشهورة والاقتصار على المتواتر منها إلا في موضع واحد نص عليه(2).

7- ذكر معلومات وافية عن كل سورة في بداية تفسيرها.

8- تخريج الأحاديث الواردة في فضائل السور وتمييز هذه الأحاديث من حيث الصحة والضعف.

9- كثرة الاستشهاد بالشعر في أثناء توضيح بعض المعاني في تفسيره، سواء كانت معانيَ لغوية أم توجيهات نحوية أم لطائف بلاغية.

مفاتيح البيان اللغوي في السراج المنير

ترك الشربيني –رحمه الله تعالى- تراثا لغويا متميزا يضعه في مصاف اللغويين في عصره -كما أشرنا له في المقال السابق-؛ حيث ترك في النحو والصرف مصنفات مثل: فتح الخالق المالك في حل ألفاظ ألفية ابن مالك، مغيث الندا شرح قطر الندى، نور السجية في حل ألفاظ الآجرومية في النحو، الفتح الرباني في حل ألفاظ تصريف عز الملة الزنجاني، كما ترك في علم البلاغة: تقريرات على المطول في البلاغة.

كان لهذا الفكر اللغوي للشيخ الذي أنبأت عنه هذه المصنفات تأثيره الواضح في تفسيره للقرآن الكريم؛ حيث تبدو ثقافته اللغوية من خلال كثرة التوجيهات النحوية للآيات القرآنية، وتوظيفه ذلك في استنباط معاني الآيات؛ فهو يأخذ من الإعراب ما يعينه على فهم الآيات وتحليل التراكيب القرآنية، وهو ظاهر التأثر بالزمخشري في (الكشاف) والبيضاوي في (أنوار التنزيل)، كما أنه يتميز بدقة العبارة –كعادة الفقهاء- وإيجازها، كما يلاحظ من خلال تفسيره سعة اطلاعه على آراء النحاة والمفسرين والمعربين؛ فهو كثيرًا ما يشير إلى آراء سيبويه وابن مالك وابن هشام وأبي حيان وغيرهم من مشاهير اللغويين.

وقد ذكر الشربيني في مقدمة التفسير منهجه اللغوي، قائلا: «... مقتصراً على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وأعاريب محلها كتب العربية، وقد أذكر بعض أقوال وأعاريب لقوة مداركها، أو لورودها ولكن بصيغة (قيل) ليعلم أن المرضي أولها"(3).

ويمكن تلخيص الملامح العامة لمنهج الشربيني اللغوي في التفسير فيما يلي:

أولاً: الاعتماد على الدلالة اللغوية كأصل من أصول التفسير:

اهتم اهتماما واضحا بالإعراب وتقليب الأوجه الإعرابية المختلفة في بيان المعاني وإيضاحها؛ فنادرا ما تخلو آية من وجه إعرابي، أو نكتة لغوية، أو لطيفة نحوية؛ فربما أشار للوجه الإعرابي إشارة سريعة، وربما وقف وأطال وذكر أقوال العلماء واختلافاتهم وربما رجح هو أحدها، أو اكتفى بذكرها فقط.

ثانياً: التوجيه اللغوي كأداة للتقرير العقدي:

تتضح في التفسير ملامح عقيدة الشيخ المنتمية لمنهج أهل السنة والجماعة، والمدافعة عنه بكل الوسائل، بما فيها اللغة وتوجيهاتها التي استخدمتها الفرق المختلفة للانتصار لمعتقداتها. وهذا واضح جلي في الكثير من المواضع في التفسير، ونذكر مثالا على ذلك وهو:

من الأمور الخلافية بين أهل السنة والجماعة وبعض الفرق الكلامية -مثل المعتزلة- ثبوت رؤية الله عز وجل؛ فالمعتزلة ينفون رؤية الله عز وجل مطلقا، ومن أدلتهم قول الله تعالى لنبيه موسى -عليه السلام- حينما طلب من الله أن يمكنه من رؤيته فقال له تعالى: (لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) (الأعراف: 143)؛ فهم يرون أن "لن" هنا تفيد تأبيد النفي في الدنيا والآخرة، ولكن عقيدة أهل السنة والجماعة هي أن رؤية الله ثابتة، وأن "لن" لا تفيد تأبيد النفي.

وقد انتصر الشربيني لرأي أهل السنة، مرجحا عدم إفادة "لن" التأبيد؛ حيث يقول: "… فإن أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة قالوا: (لن) تكون لتأبيد النفي، وهو خطأ؛ لأنها لو كانت للتأبيد للزم التناقض بذكر (اليوم) في قوله تعالى: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) (مريم: 26)، ولزم التكرار بذكر (أبدا) في قوله تعالى: (وَلَن يَّتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) (البقرة: 95)، ولن تجتمع مع ما هو لانتهاء الغاية نحو قوله تعالى: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) (يوسف: 80).

وأما تأبيد النفي في قوله تعالى: (لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا) (الحج: 73)؛ فلأمر خارجي لا من مقتضيات (لن).

ولا تقتضي تأكيد النفي أيضا، خلافا للزمخشري في كشافه؛ بل قولك: لن أقوم يحتمل لأن تريد به أنك لا تقوم أبدا، وأنك لا تقوم في بعض الأزمنة المستقبلة، وهو موافق لقولك: لا أقوم في عدم إفادة التأكيد(4).

ثالثاً: التفريع الفقهي من رحم التوجيه النحوي:

نظرا لخلفية الشيخ الفقهية فقد ظهر ذلك جليا في توجيهه للآيات التي تشتمل على أحكام فقهية؛ حيث حرص على استنباط الأحكام من تلك الآيات، وهناك بعض الآيات التي كان للتوجيه اللغوي لها دور في استنباط الأحكام، ومن ذلك استنباطه أحكاما متعددة حسب القراءات الواردة في قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) (المائدة: 6)؛ حيث قال: "(وأرجلكم) قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي بنصب اللام عطفا على (وجوهكم)، وقيل: على (أيديكم)(5).

والباقون بالكسر على الجوار، ومنهم من عطف على المجرور على قراءة الجرّ والممسوح ليفيد مسح الخف، وعطف على المنصوب على قراءة النصب على المغسول ليفيد غسل الرجل المتجرّدة منه؛ فيفيد كل من القراءتين غير ما أفادته الأخرى"(6).

ومن اللطائف التي تدل على عقلية فقهية لغوية متميزة عند توجيهه قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ) (البقرة: 264)؛ حيث قال: "(تراب)، والتراب معروف، وهو اسم جنس لا يثنى ولا يجمع.

وقال المبرد: هو جمع، واحده ترابة.

وفائدة هذا الخلاف أنه لو قال لزوجته: (أنت طالق عدد التراب) أنه يقع عليه طلقة على الأوّل وهو الأصح، وثلاث على الثاني"(7).

بالإضافة إلى ما سبق فإن القراءات القرآنية لم تكن بمنأى عن هذا المنهج اللغوي الرصين؛ فقد أفرد لها الشربيني عناية فائقة وتوجيها دقيقا، وهو ملفٌّ ثريٌّ سنخصص له الحلقة القادمة من سلسلتنا بمشيئة الله تعالى، لنرى كيف تتماهى القراءات مع الأصول اللغوية في كشف أسرار التنزيل.

الهوامش
  • 1 التفسير والمفسرون (1/ 320-326).
  • 2 هذه القراءة في قول الله تعالى: (إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ)؛ حيث يقول: "وقرئ شاذًّا (من أَنْفَسهم) بفتح الفاء أي: من أشرفهم؛ لأنه كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم". ثم يعلق فيقول: "ولم أذكر في التفسير قراءة شاذة إلا هذه لكونها في شرف الرسول صلى الله عليه وسلم وقراءة السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها".
  • 3 السراج المنير (1/ 3).
  • 4 المرجع السابق (1/ 433).
  • 5 انظر في هذه القراءة: السبعة في القراءات، ص242، والحجة لابن خالويه، ص129، والإتحاف، ص251.
  • 6 السراج المنير (1/ 295).
  • 7 المرجع السابق (1/ 146).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة