السلطة الفلسطينية بين الانقسام والشرعية.. أزمة تمثيل أم أزمة مشروع؟

د. أمجد بشكار

22 ديسمبر 2025

192

السلطة الفلسطينية بين الانقسام والشرعية.. أزمة تمثيل أم أزمة مشروع؟

تشكّل مسألة السلطة إحدى أكثر الإشكاليات حضورًا وتعقيدًا في الفكر السياسي المعاصر، ولا سيما في المجتمعات التي تعيش حالات انقسام داخلي عميق، وتواجه أزمات مركّبة في الشرعية والتمثيل، فالسلطة في بعدها السياسي لا تختزل في كونها أداة للحكم أو إطارًا مؤسسيًا لإدارة الشأن العام، بل تُفهم بوصفها تعبيرًا عن علاقة تفاعلية بين الحاكم والمجتمع وتقوم على الاعتراف والقبول، وعلى القدرة على بلورة الإرادة العامة وتحويلها إلى سياسات وممارسات ملموسة وعندما تتعرّض هذه العلاقة للاهتزاز سواء بفعل تآكل الشرعية أو بتعدّد مراكز القرار أو بانفصال البُنى الحاكمة عن القاعدة الاجتماعية التي يُفترض أن تمثّلها، تدخل السلطة في حالة أزمة بنيوية تتجاوز مظاهر الضعف الظرفي إلى خلل في معناها ووظيفتها.

في هذا السياق، تُطرح مسألة ما إذا كانت أزمة السلطة ناتجة عن خلل في آليات التمثيل السياسي وعجزها عن التعبير عن تحوّلات المجتمع، أم عن غياب مشروع سياسي جامع يوحّد الفاعلين ضمن رؤية مشتركة، فضعف التمثيل يفضي إلى سلطة تفتقر للشرعية، بينما يؤدّي غياب المشروع إلى إفراغها من بعدها السياسي وتحويلها إلى مجرّد إدارة للأزمات بدل أداة للتغيير والبناء.

غير أنّ الفصل الحاد بين أزمة التمثيل وأزمة المشروع يظلّ إجرائيًا أكثر منه واقعيًا، إذ غالبًا ما تتغذّى الأزمتان من بعضهما البعض في علاقة جدلية معقّدة، فغياب المشروع الجامع يُعمّق الانقسامات ويُضعف القدرة على إنتاج تمثيل فعّال، كما أنّ هشاشة التمثيل تُقوّض إمكانية بلورة مشروع سياسي يحظى بالإجماع والالتفاف المجتمعي ومن هنا، فإن مقاربة أزمة السلطة تقتضي تفكيك هذا التشابك البنيوي بين الانقسام والشرعية وبين التمثيل والمشروع، بوصفه مدخلًا ضروريًا لفهم طبيعة المأزق السياسي القائم واستشراف إمكانات تجاوزه.

الشرعية والسلطة السياسية

تستمدّ السلطة السياسية شرعيتها من قبول المجتمع بها واعترافه بحقها في الحكم وإدارة الشأن العام وهي الأساس الذي يجعل الخضوع للسلطة فعلًا طوعيًا لا مجرد استجابة للقوة، وتتنوع مصادر الشرعية بين شرعية قانونية دستورية، وشرعية تاريخية أو ثورية وشرعية الإنجاز والأداء، غير أن هذه المصادر لا تبقى ثابتة، بل تتآكل أو تتجدد بحسب قدرة السلطة على تلبية تطلعات المجتمع والحفاظ على وحدته.

في حالات الانقسام السياسي تتعرّض الشرعية لاختبار قاس إذ تتنازعها أطراف متعددة، كلٌّ يدّعي تمثيل الإرادة الحقيقية للشعب، وهنا تتحول الشرعية من مفهوم جامع إلى أداة صراع، تُستخدم لتبرير الإقصاء أو نزع الاعتراف عن الآخر.

الانقسام السياسي وتفكك التمثيل

الانقسام السياسي هو أحد أبرز مظاهر أزمة التمثيل حيث يفشل النظام السياسي في التعبير عن التعددية الاجتماعية ضمن إطار مؤسسي موحّد، فعندما يتحول الخلاف السياسي إلى انقسام بنيوي تنشأ سلطات متوازية أو متنافسة لكل منها مؤسساتها وخطابها وشرعيتها الخاصة في هذه الحالة، لا يعود المواطن ممثَّلًا بصفته عضوًا في جماعة سياسية وطنية واحدة، بل يُختزل تمثيله في انتماء فئوي أو أيديولوجي.

تتجلى أزمة التمثيل أيضًا في غياب آليات ديمقراطية فاعلة، مثل الانتخابات الدورية أو في تعطيل المؤسسات التشريعية والرقابية ومع مرور الوقت يتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع وتفقد النخب الحاكمة قدرتها على الادعاء بأنها تعبّر عن الإرادة العامة، غير أن الاكتفاء بتشخيص الأزمة على أنها أزمة تمثيل فقط قد يكون تبسيطاً مخلًا للمشهد.

ومن الأمثلة على ذلك الحالة الفلسطينية، وهي تُعد مثالًا معقّدًا لتداخل الانقسام السياسي مع أزمة الشرعية والتمثيل، حيث أفرز الانقسام سلطتين متنافستين وأضعف الشرعية الدستورية، وقد عمّق غياب مشروع وطني جامع أزمة التمثيل بما جعل الأزمتين تتغذّيان من بعضهما البعض.

أزمة المشروع السياسي

إلى جانب أزمة التمثيل تبرز أزمة أعمق تتمثل في غياب المشروع السياسي الواضح، فالمشروع السياسي ليس مجرد برنامج حكومي أو شعارات مرحلية، بل هو رؤية شاملة تحدد أهداف السلطة وأولوياتها ووسائل عملها، وعلاقتها بالمجتمع وبالعالم الخارجي، وعندما تغيب هذه الرؤية تتحول السلطة إلى إدارة يومية للأزمات أو إلى أداة للحفاظ على النفوذ القائم.

في ظل غياب المشروع تصبح السلطة أسيرة التوازنات الداخلية والضغوط الخارجية، وتفقد قدرتها على تعبئة المجتمع أو إقناعه بجدوى استمرارها، كما يؤدي غياب المشروع إلى تفريغ الشرعية من مضمونها، إذ لا يكفي الادعاء بالتمثيل أو التاريخ النضالي ما لم يقترن ذلك بأفق سياسي واضح يجيب عن أسئلة الحاضر والمستقبل.

العلاقة الجدلية بين التمثيل والمشروع

السلطة التي تفتقر إلى مشروع سياسي جامع غالبًا ما تعاني من أزمة تمثيل، لأنها لا تملك خطابًا قادرًا على توحيد المجتمع حول أهداف مشتركة وفي المقابل، فإن السلطة التي لا تعبّر عن الإرادة الشعبية تجد صعوبة في بلورة مشروع يحظى بالقبول والدعم.

تظهر هذه الجدلية بوضوح في السياقات المنقسمة حيث تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لتحقيق مشروع وطني أو اجتماعي وعندها يصبح الصراع على الشرعية صراعًا على الموارد والنفوذ لا على الرؤى والبرامج، ما يعمّق الانقسام ويقوّض فرص إعادة بناء الوحدة السياسية.

في ليبيا مثلاً بعد سقوط نظام القذافي برزت أزمة حادة في الشرعية نتيجة غياب الدولة المركزية، تعدّدت السلطات والبرلمانات والحكومات، وكلٌّ يدّعي الشرعية القانونية أو الثورية غير أن جوهر الأزمة لا يقتصر على التمثيل بل يكمن أساسًا في غياب مشروع سياسي وطني موحّد لبناء الدولة أدى هذا الفراغ إلى صراعات مسلحة وتدخلات خارجية، ما جعل السلطة رهينة القوة لا الشرعية.

تداعيات الأزمة على المجتمع والدولة

تنعكس أزمة السلطة سواء كانت أزمة تمثيل أو مشروع بشكل مباشر على المجتمع والدولة، فهي تضعف الثقة بالمؤسسات وتؤدي إلى تراجع الشراكة السياسية، وتفتح المجال أمام الفوضى أو التدخلات الخارجية، كما تسهم في إعادة إنتاج النخب ذاتها التي تتغذى على الانقسام وتستثمر في استمراره.

على المدى البعيد تهدد هذه الأزمة فكرة الدولة نفسها، إذ تتحول السلطة إلى كيان منفصل عن المجتمع عاجز عن القيام بوظائفه الأساسية في الحماية والتنمية وتحقيق العدالة، ومع غياب أفق للتغيير يتزايد الشعور بالإحباط خاصة لدى الأجيال الشابة الفتيّة، ما يدفع بعضها إلى العزوف السياسي أو البحث عن بدائل خارج الإطار الرسمي.

لذا، فالإجابة لا تحتمل إجابة ثنائية حاسمة، بل يكشف عن أزمة مركّبة تتطلب مقاربة شاملة، فإعادة بناء الشرعية لا يمكن أن تتم عبر إجراءات شكلية أو توافقات نخبوية مؤقتة، بل تستلزم إعادة تعريف السلطة بوصفها أداة لخدمة مشروع سياسي جامع، يعكس تطلعات المجتمع ويستجيب لتحديات الواقع، ولا يمكن لهذا المشروع أن ينجح دون آليات تمثيل ديمقراطية حقيقية تضمن مشاركة المجتمع ومساءلة السلطة، عندها فقط يمكن تجاوز الانقسام وتحويل السلطة من ساحة صراع على الشرعية إلى إطار جامع لإنتاجها وتجديدها باستمرار.


اقرأ أيضاً:

السلطة الفلسطينية بين نيران الاحتلال والاصلاح والمجتمع


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة