السنن الإلهية في الدعوة إلى الله (1)
تتحرك الدعوة إلى الله في هذا الوجود وفق سُنة إلهية قاهرة، ينبغي أن تجثو لها هامات النفوس؛ أن الدعوة لله وحده، لا للداعية، ولا للجماعة، ولا للمؤسسة، وليست هذه الحقيقة مجرد تقويم لغوي، بل هي سرادق النور الذي يُفرّ منه من عبودية الذات إلى حرية العبودية لله، لتستلَّ أوهام التملك والاستعلاء بالحق من حنايا الصدور.
حين يصدع الله
تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي
أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف: 108)،
ينكشف المعنى بأجلى إشراق؛ فليس الداعية هو الغاية، ولا رسمه هو المقصد، إنما هو
دالةٌ تجري عليها المقادير، وجسرٌ تعبر عليه الأرواح إلى بارئها، وأول السِمات
التي تُخلع عليه في هذا المحراب هي العبودية المجردة: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) (الجن:
19)؛ فلم يقل «العالم» ولا «الزعيم»، ليكتب في سفر الخلود أن الشرف كل
الشرف في أن يقف المرء عبداً لله قبل أن ينهض داعية إليه.
تأمل سناء
التنزيل في شأن بلقيس حين أشرقت بصيرتها، فلم تقل أسلمت لسليمان، بل هتفت: (وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (النمل: 44)؛ كان النبيُّ دليلاً في الطريق،
ولم يكن حجاباً دون الغاية فالداعية لا يملك القلوب ولا يستبد بالنتائج؛ هكذا نطق
في المهد عيسى عليه السلام: (إِنِّي
عَبْدُ اللَّهِ) (مريم: 30)، وهكذا أعلنها النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم
غاية في الوضوح: «إنما أنا عبد الله ورسوله»، و(قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا) (الجن:
21).
ولأنها دعوة
الله، فلا يستطيع أهل الأرض أن يغلقوا عليها كل الأبواب، قد يحاصرون الداعية،
لكنهم لا يستطيعون محاصرة الهداية، قد يمنعون الصوت، ولا يستطيعون منع المعنى، قد
يغلقون المنبر، ولا يستطيعون إغلاق القلوب إذا أراد الله أن يفتحها، وقد يسقط حامل
الراية، ولكن الراية لا تسقط ما دام الله يريد لها أن تبقى، قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ
اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف:
8).
وهذه ليست دعوة
إلى ترك الأسباب، ولا إلى الاستسلام للواقع، وإنما هي تصحيح لموضع القلب، نعمل بكل
ما نستطيع، لكننا لا نعتقد أن العمل قائم بنا، نخطط، لكننا لا نعتقد أن تدبيرنا هو
التدبير الأخير، نأخذ بالأسباب، لكننا لا نعبد الأسباب.
ولأنها دعوة
الله تعالى، فإن الهداية إليها وبها إنما هي منه سبحانه؛ (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا
زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) (النور:
21)، وما الداعية في هذا الميدان إلا سببٌ ومَعْبَر؛ إن صَحَّت سريرته
وتطهرت من آثام «الأنا»، جعله الله أداةً جاريةً يقسم بها أرزاق الهداية على
عباده، وفق حكمته البالغة، ومشيئته النافذة القاطعة
ولأنها دعوة
الله، فإن مصائر رجالها وخصومها لا تجري وفق ما تشتهي النفوس، ولا بحسب ما يقدره
الداعية أو يتوقعه المعارض، وإنما تمضي في تقدير الله، يطوي من يشاء، ويبقي من
يشاء، ويمهل من يشاء، ويهلك من يشاء، وكل ذلك يجري في حكمة بالغة، لا يعزب عنها
شيء، ولهذا لم يجعل الله بقاء رسوله صلى الله عليه وسلم شرطاً لتمام أمره، فقال
له: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ
بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ
وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد: 40)، فقد يرى النبي بعض موعود الله في
حياته، وقد يحول الموت بينه وبين رؤيته، وفي الحالين لا يتغير شيء من وعد الله؛
لأن مهمة الرسول البلاغ، أما تمام المآلات فإلى الله.
ولأنها دعوة
الله، فإن تدبيره لها أنفذ وأهدى من تدبير الخلق أجمعين، وتقديره لمسارها أرشد
وأبلغ من تقدير أربابها لأنفسهم، وكما جاء في الأثر: «إن الله يغرس لهذا الدين
غراساً يستعملهم فيه بطاعته»؛ فهو سبحانه الغارس بيديه، وكلتا يديه يمين، فيحوط
دعوته بعنايته، ويكفلها برعايته، ويجري خطى مسارها وفق حكمته البالغة، فلا يعزب عن
تدبيره سبب، ولا يعجز قدرته عائق.
ومن تقدير الله
لدعوته أنه سبحانه يختار حملتها ويصطفى رجالاتها، ويهيئ الأسباب، ويفتح القلوب: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَتَهُ) (الأنعام: 124)، فليس لأحد على الدعوة استحقاق ذاتي، بل هو
شرف الإمداد والاصطفاء؛ فإذا حملت جزءاً من أعبائها، فلا تنوء بثقل الحمل، بل شاهد
عظمة الاصطفاء، ليكون ذلك دعوة لك للإخلاص لا مبعثاً للغرور.
وهنا يتنفس
السالك سكينة «عدم عبادة النتائج»؛ فالولاية القلبية بيده عز وجل: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) (القصص: 56)، فوظيفة
السالك أن يقرع الأبواب بالرحمة والبصيرة، ويستوي عنده الإقبال والإدبار؛ فإن أقبل
الناس رأى المنة للمُلهِم، وإن أدبروا علم أن عليه البلاغ لا التوفيق، فنَجا من
حسرة التعلق.
إن المحذور
الأكبر الذي تزلُّ عنده الأقدام هو أن تنزلق الدعوة لتغدو دعوة إلى النفس؛ فيتخذ
المرء من سرادق الحق حجاباً كاشفاً عن ذاته، يُربط العباد بشخصه، ويُجعل رضاه
معيار الصواب وحبه مدخلاً للتعصب! وما أشدَّ شقاء العبد حين يتحول من دليلٍ يكسر
الأصنام إلى صنمٍ يُعبد في محراب الفكرة.
ولأن الدعوة
لله، فهي ليست حكراً ولا ملكاً لجماعة، ولا لنظام، ولا لمؤسسة، ولا لراية يُحتكر
باسمها الحق؛ فمن تأهب للاستعمال وصدق مع الله في التجرد له، شرفه الله بتكاليف
هذه الدعوة ورفع ذكره، ومن تنكب الطريق وآثر العصبية أو مكاسب الأنا، فلله غيرة
قدسية على دينه، حيث يجري السنن الكاشفة ليُسقط الأدعياء، ويصرف من تتنكب نيته
مسار التجرد: (وَإِنْ
تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمد:
38).
والدعوة سرٌ
سرمديٌّ لا يموت بموت الأجسام ولا بتداعي اللافتات، فيوم غاب النور المحمدي واهتزت
الأفئدة، قام الصديق رضي الله عنه يسكب من يقينه الشاهق: «من كان يعبد محمداً فإن
محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت» (صحيح البخاري)، توارى
الجسد الأعظم وبقي العلي القيوم؛ لأن النور لا يطفئه غياب الحامل: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ
كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف: 8).
وحين يتحقق
الداعية بأنه ليس مالكاً للدعوة، وإنما هو مستعمل فيها، فإنه لا يرى لنفسه دالّة
على الله، بل يرى المنة لله عليه إذ أقامه في هذا الثغر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً